مجلة »الشروق« تاريخ 28/11/1994

 

قصة الحياة في »طنب«

 

عبدالله الطابور

 

* جزيرة طنب الكبرى هي احدى جزر الامارات الثلاث المحتلة، وتقع على مدخل مضيق هرمز شمال شرق جزيرة ابو موسى وتبعد حوالي ثلاثين كيلومترا عن مدينة رأس الخيمة وتبلغ مساحتها الاجمالية ثمانين كيلومترا مربعا وطولها 12 كيلومترا وعرضها 7 كيلومترات، ويبلغ عدد سكانها حوالي 160 نسمة تقريبا.

وتقع بالقرب من جزيرة طنب الكبرى، جزيرة طنب الصغرى او (نابيوه طنب) وهي جزيرة مجدبة وغير مأهولة بالسكان نظرا لعدم توافر مياه الشرب فيها. وتقع غرب جزيرة طنب الكبرى، وتبلغ مساحتها الاجمالية حوالي عشرين كيلومترا مربعا، وتتكاثر فيها الطيور البرية والبحرية بخاصة في موسم التوالد.

ومنذ العام 1750م على الاقل، كانت الجزر الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وابو موسى) تتبع لحكم القواسم، هذا ثابت تاريخيا وتدعمه الوثائق والمراسلات والحقائق الدامغة، فهي جزر عربية وسكانها عرب اقحاح، وينتمون الى احدى القبائل العربية التي نزحت من شبه الجزيرة العربية خلال فترات زمنية سابقة، ومنذ العام 1903م بدأت ايران تنظر الى اهمية تلك الجزر وموقعها الاستراتيجي عند مدخل مضيق هرمز الذي يربط شرايين الحياة، بخاصة الاقتصادية منها، بين الشرق والغرب.

ففي تلك الفترة تدهورت التجارة في »لنجة« واقترح التجار الايرانيون استغلال الجزر الثلاث كمنفذ لتجارتهم الى العالم الخارجي، وبدأت منذ تلك الفترة عملية المناوشات الايرانية لاحتلال الجزر، التي اخذت اجراءات عدة كان من بينها ما حدث العام 1903م، يقول »لوريمر« في دليل الخليج: »يبدو ان هذا كان تحريضا من روسيا، خصوصا بعد زيارة نائب الملكة في الهند لمنطقة الخليج العربي العام ،1903 وكان يخشى ان تقوم بريطانيا بإنشاء قاعدة عسكرية لها او قواعد بحرية في مدخل الخليج العربي، وعلى هذا الاساس قام موظف بلجيكي يعمل في الجمارك الايرانية بزيارة جزيرتي طنب الكبرى وابو موسى وانزل اعلام امارة الشارقة، ووضع بدلا منها اعلام ايران، ثم وضع على الجزيرتين حراسة جمركية ايرانية، وقد ادى هذا الامر الى احتجاج السفير البريطاني في طهران الذي لم يعجبه هذا التصرف فأنزلت الاعلام الايرانية ورفعت اعلام الشارقة مرة اخرى«.

وفي فترة من الفترات كانت امارتا الشارقة ورأس الخيمة تحت حكم الشيخ سلطان بن صقر القاسمي، ومنذ ذلك التاريخ ظلت اعلام القواسم ترفرف على الجزر الثلاث حتى 30/11/1970م.

تلك هي الخلفية التاريخية للجزر ومحاولات ايران للسيطرة عليها واخضاعها للحكم الايراني ونفذت تلك النية فعلا في 30/11/1970 عندما قامت باحتلالها عسكريا منتهكة علاقة الجوار وضاربة بالاعراف والتقاليد الدولية عرض الحائط وقد ظل التمسك بعروبة الجزر وارتباطها بالامارات، على الرغم من كل تلك المحاولات، خصوصا الضغوط السياسية التي مارستها بريطانيا وبعض الدول الاجنبية لانتزاع ملكية الجزر عن الامارات فقد حاول المبعوث البريطاني (وليم لوس) الضغط على حكومة رأس الخيمة لكي تتنازل عن جزيرة طنب الكبرى وطنب الصغرى، او تأجيرهما لإيران مقابل مبلغ معين لكن كل تلك المحاولات باءت بالفشل، وهذا يتضح من الرد الذي قاله الشيخ صقر بن محمد القاسمي حاكم رأس الخيمة للمبعوث البريطاني »ارض العرب لا تباع ولا يمكن التفريط فيها«.. عندها قامت القوة الايرانية باحتلال الجزيرتين عسكريا، وشردت اهاليهما، غير آبهة بالنداءات المطالبة بالتفاهم على رجوع الجزيرة الى اصحابها بطريقة سلمية وبعيدا عن التوترات.

 

رحلة الذكريات والألم

 

في رحلة الذكريات والألم، كان لنا هذا اللقاء مع المطوع يوسف ابراهيم يوسف بوحميد قبل ان يتوفى بتاريخ 10/2/،1994 فقد كان ــ رحمه الله ــ من رجال طنب، وتولى تعليم ابنائها عندما افتتح مدرسة مارس فيها التعليم التقليدي (المطوع)، لكن يد المنون خطفته قبل اتمامنا معه مشروع توثيق تاريخ طنب وتراثها، فالرجل يمتلك ذاكرة قوية واطلاعا واسعا على الكثير من الموضوعات الخاصة بطنب والجزر العربية القريبة من ساحل فارس.

وقد حاولنا استنطاق الماضي في اذهان ابناء الجزيرة الجريحة لكي نتعرف الى نمط الحياة العربية واسلوب العمل الذي توضع على ارض الجزيرة منذ مئات السنين، ولمسنا في كل ناحية من نواحي الحياة دليلا قاطعا على عروبة الجزيرة، وانتماء سكانها الى شعب الامارات، وهذا ما وقعنا عليه في حوارنا مع المطوع يوسف بوحميد الذي روى لنا تلك القصة، وحرك فينا بركان المشاعر الحزينة.

يقول: ولدت في طنب سنة 1910م، ونشأت على ارض الجزيرة، وكانت الحياة هناك بسيطة وتعتمد على التعاون بين الناس، وكان اهل الجزيرة اسرة واحدة متكاتفين في السراء والضراء. وفي العام ،1940 اسست مدرسة قديمة وكان عمري لا يتجاوز الثلاثين عاما.. لقد لاحظت وجود فراغ لدى الاطفال فقلت لماذا لا استثمر ما لدي من معلومات حول العلوم الدينية في تعليم الابناء وتثقيفهم؟ ومن هنا جاءت فكرة تأسيس المدرسة التي ما كان لها ان تظهر لولا تشجيع الاهالي ودعمهم لي ماديا ومعنويا. واذكر ان مقر المدرسة كان في منزلنا في طنب، وهو عبارة عن بناء من سعف النخيل. اما في فصل الشتاء فكنت اجمع الطلاب في مبنى يتكون من الحصى والجص، وقد حددت مواعيد للدراسة تبدأ على فترتين صباحية ومسائية. وفي بداية افتتاح المدرسة انضم اليها 18 طالبا.

كانت الدراسة في ذلك الوقت مختلطة والابناء يجلسون مع البنات في حلقات العلم وكانت الدراسة عبارة عن حفظ القرآن الكريم والاناشيد الدينية وكنت احصل على الكتب من الشيخ زكريا ومن بعض العلماء العرب في بر فارس، امثال ابي شجاع وابي القاسم والعمدة وقرة العين وهؤلاء من العلماء الذين يعتد بعلمهم وقد مارسوا دورا كبيرا في نشر التعليم الديني والى جانب تلك الدروس، كنت اعلم الطلاب طريقة الكتابة مستخدما خشبة ذات رأس مدبب تغمس في الحبر. والحبر عبارة عن مادة مأخوذة من المغر الاحمر، واحيانا اشتري الاحبار والقرطاسيات وادوات الكتابة من سوق دبي.

وكان الطالب يمكث في مدرستي الى ان ينهي دراسته بين سنة الى سنتين، إذ الامر يعتمد على قدرات الطالب. وبعد ان ينهي دراسته يلتحق ممارسا في احدى المهن كالغوص والصيد، او يفتح مدرسة ويزاول التدريس.. اما عن الاجور التي كان يتقاضاها فقد كانت عبارة عن (المشاهرة) وهي روبية يحصل عليها في نهاية كل شهر، ولا يوجد موعد محدد للدفع، اما الفقراء والايتام فلا يأخذ منهم اجرا وتكون الاجور عينية احيانا. ففي الاعياد والمناسبات الدينية كالاسراء والمعراج والمولد النبوي وليلة النصف من شعبان ورأس السنة الهجرية يحصل على المأكولات كالارز والتمر واحيانا الملابس او قطع من القماش وعندما افتتحت مدرسة القاسمية في طنب العام 1966. توقفت مدرسة المطوع بوحميد وكان من اسباب توقفها انتقاله الى دبي واستقراره فيها.

اما مدرسة القاسمية التي افتتحت العام ،1966 فهي اول مدرسة نظامية في طنب الكبرى وكان مقرها في مركز الشرطة الذي قامت حكومة رأس الخيمة ببنائه على الجزيرة كنقطة اتصال امنية.

عن ذكريات التعليم النظامي وافتتاح مدرسة القاسمية يقول عبدالرحمن ابو القاسم (وهو من ابناء الجزيرة المتعلمين. وقد شاركنا في هذا اللقاء)، افتتحت مدرسة القاسمية في العام الدراسي 66/،1967 وقد بلغ عدد طلابها 18 طالبا وطالبة، وكانت الدراسة فيها مختلطة، اما موعد او اوقات الدراسة فكانت على فترتين صباحية ومسائية، حيث يتناوب الطلاب في الدراسة نظرا لقلة عدد الفصول وعدم استيعاب المدرسة لأعداد كثيرة من الطلاب، وقد كان الاستاذ (نجم عبود العيسى) وهو اول مدرس حضر للتدريس في المدرسة وهو عراقي من الفاو. اما مناهج المدرسة فقد كنا ندرس مناهج دولة الكويت، ثم مناهج دولة قطر، وقد استمرت الدراسة في مركز الشرطة لمدة سنتين.

وفي بداية افتتاح المدرسة العام ،1966 زارنا سمو الشيخ خالد بن صقر القاسمي ولي العهد نائب حاكم رأس الخيمة واطمأن عن سير الدراسة. وفي العام الدراسي (68/1969) استأجر الشيخ صقر بن محمد القاسمي حاكم رأس الخيمة، منزلا شعبيا كان ملك السيد ابراهيم محمد ابو القاسم وجعله مقرا للمدرسة، حيث انتقلت الدراسة الى ذلك المبنى بعدما تم تجهيزه بكل ما يلزم لاستقبال الطلاب.

وكانت الدراسة في المدرسة موزعة على ثلاثة فصول دراسية هي الاول والثاني والثالث الابتدائي. وفي ذلك الوقت، قام التعليم في طنب بفضل جهود المدرسين الاوائل الذين تتلمذنا على ايديهم، ولا ننسى دورهم في تعليمنا واعدادنا، ومن هؤلاء (محمد ابو حطب) وهو فلسطيني و(عبدالرحمن الرميحي) سعودي، والاستاذ نجم عبود الذي كان ناظر المدرسة الى جانب عمله في التدريس.

وفي العام الدراسي 69/،1970 تم افتتاح فصلين في المدرسة هما الثالث والرابع، وانتقل الطلبة الى الصف الثالث والرابع بعدما اكملوا دراستهم بنجاح في الفصول الاولى، ثم زاد عدد الفصول واصبحت تضم الرابع والخامس والاول الاعدادي وفي العام 1970 تم افتتاح مبنى جديد للمدرسة، بني على نفقة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة وقد احتوى على ثلاثة فصول دراسية وادارة، وفي هذا العام انضم الى المدرسة الاستاذ مصطفى حلمي ومحمد الحلبي وعطية اللهواني.

 

الى البدايات

 

تدور روايات كثيرة عن تاريخ الاستيطان في طنب الكبرى، من تلك الروايات قصة يرويها المطوع يوسف بوحميد فيقول:

توجد في طنب الكبرى منطقة مهجورة تسمى (خرابة) والخرابة هي الاماكن القديمة الدارسة التي هجرها السكان، وقد كان يقطن في هذه المنطقة سكان عرب الى ان تعرضت لحروب وكوارث طبيعية وبعض الاهالي ذكروا ان هذه المنطقة تعرضت في الماضي لغزوات من قراصنة مختلفين كانوا يأتون نهارا الى الجزيرة، وينزلون في ضيافة اهلها، وفي الليل يشنون هجمات بهدف الاستيلاء على ممتلكات الاهل والتنكيل بهم ويمارسون ابشع الجرائم من قبل للاطفال وسبي للنساء حتى لم يبق في الجزيرة إلا امرأة عجوز طاعنة في السن مع ابنائها الصغار، فقاموا بقتل الابناء وظلت العجوز وحيدة.. عندها طلبت ان تذهب معهم حتى لا تظل وحدها، فوافقوا واخذوها معهم، وبالقرب من جزيرة »الجسم« انزلوها في مكان يعرف باسم (غبة عماني) نسبة الى تلك المرأة العجوز وقد ظلت الجزيرة خالية من السكان بعد هذه الكارثة، الى ان ارسل الشيخ يوسف بن محمد حاكم لنجة في الفترة (1295 - 1303 هـ) محمد سلمان وزوجته حبيبة بنت عبدالله الى الجزيرة، ومن يومها بدأ الاستيطان مرة اخرى في طنب. ويعود نسب محمد سلمان الى قبيلة بني تميم، وهي من القبائل العربية المشهورة وكان محمد سلمان في شط العرب قبل نزوله في جزيرة طنب وتعتبر عائلة محمد سلمان اول عائلة سكنت الجزيرة بعد الدمار الذي تعرضت له، ثم جاء بعد ذلك (بنو حريز) من دبي، وهم علي بن حريز ومعه محمد علي ابو القاسم الذي تزوج من سكينة بنت محمد سلمان، وبعد ذلك قدم للجزيرة سيف محمد المعصم، وتتابع قدوم بعض العائلات العربية الى جزيرة طنب، وكان من اوائل السكان الذين استقروا في الجزيرة ايضا عائلة المعصم، وعائلة حسن احمد وهو من جزيرة ابو موسى، وقد تزوج من احدى بنات محمد سلمان، ثم جاءت عائلة محمد عبدالله من الجزيرة (هنيام) وكان في الجزيرة ايضا ثاني بن حريز وحسن الشامسي.

 

آثار طنب القديمة

 

يعود الاستيطان في طنب الكبرى الى مئات السنين، فقد عثر في الجزيرة على آثار لمبان وقلاع ومساجد تدل على قدم تاريخ الجزيرة وانها كانت مأهولة بالسكان منذ زمن بعيد فإلى جانب الآثار التي عثر عليها في منطقة (الخرابة) وهي عبارة عن مبان ومنازل قديمة وقبور ومساجد صغيرة لم يبق منها إلا الاساس والمحراب يقول المطوع يوسف بوحميد: توجد بالقرب من المنطقة الجبلية مبان من الحص المجلوب من البحر، كما توجد مغارات.