جريدة الوطن العربي بتاريخ 9/10/1992

 

رفسنجاني يسقط في فخ ابوموسى!

 

جملة عوامل عربية وايرانية دفعت الرئيس رفسنجاني الى الزحف على جزيرة ابوموسى الاماراتية الاستراتيجية، ابرزها وجود فراغ سياسي نتيجة سقوط نظرية الامن القومي وانقسام العرب، كما ان طهران تسعى الى اعادة الاعتبار الى ذاتها بعد الهزيمة مع العراق، لكن حسابات الحقل قد لا تكون مطابقة لحسابات البيدر، وليس في مفكرة الخليجيين ولا العرب مهادنة التوسعية الايرانية.

هل تكون جزيرة ابوموسى فخا لرفسنجاني كما كانت الكويت مصيدة للرئيس العراقي؟

اشارات عديدة توحي بذلك وان كان الرئيس الايراني يتسم بالحسابات السياسية الباردة خلافا لنظيره العراقي، الاكثر جنوحا الى الحسابات الساخنة والمتهورة، لكن الاستئثار بالجزيرة العربية الاستراتيجية يكشف عن الجانب الشاهنشاهي في تفكير رفسنجاني الذي يراهن، من خلال »ابوموسى« على ضرب اكثر من عصفور بحجر واحد تأكيد على دور عسكري - امني - سياسي في الخليج في خط نظرية الشاه السابقة: شرطي الخليج، وتحذير من التنسيق العسكري مع امريكا، لأن ايران هي »القوة الحقيقية« في المنطقة، كما قال الجنرال رحيم صفوي مساعد قائد »الحرس الثوري« (الباسدران) في ندوة تعبئة الجيش والامن. في طهران (28/9/1992).

تضاف الى ذلك جملة عوامل عربية، اهمها الفراغ السياسي نتيجة لسقوط نظرية الامن القومي وانقسام العرب، وهذا في ذاته عنصر إغراء للحركة واعادة الاعتبار من خلال توظيف غياب العراق.

لعل ذلك هو الجزء الظاهر من جبل الجليد، غير ان الجانب المستور في عملية تشجيع رفسنجاني على الزحف على ابوموسى وترحيل سكانها هو الاتصالات السرية التي تمت، في الاشهر الخمسة الماضية بين الامريكيين والايرانيين، عبر قنوات الاجهزة المخابراتية (روبرت جيتس وفريقه)، على اساس ازاحة الرئيس العراقي وتشكيل الجيب الشيعي الآمن في الجنوب، وهنا رغبت واشنطن في سبر ابعاد الموقف الايراني من البديل من النظام الحالي والحصول على ضمانات بعدم الهجوم على العراق من خلال الكيان الشيعي الذي قد ينشأ في الجنوب، او افتعال توتيرات اقليمية، واستأنس الايرانيون بالكلام الامريكي، ووظفوه في »ابوموسى« وغيرها من مواقع عربية واسلامية. الامر الذي فاجأ واشنطن واقنعها بأن رفسنجاني غير موثوق في وعوده السياسية. وهنا يقول المخضرم جوزف سيسكو ان الباطنية والتقية مبدأ اساسي في ايران. وتفسيره السياسي هو اظهار غير ما يبطنون اتقاء لغضب الاقوى. ويرى سيسكو الذي يعرف المثلث الايراني - العراقي - التركي جيدا، ان نظام رفسنجاني يطبق التقية والباطنية في شكل عملي، ويعتمد النفي المطلق لأي تورط سياسي او عسكري او ارهابي، مهما كانت درجة الضلوع فيه. ويسوق في مطالعته طائرة السلاح الايرانية المرسلة الى البوسنة. فقد راقبت »العيون« الزجاجية الامريكية الطائرة وحمولتها. وابلغت الى الكرواتيين تفاصيل الرحلة ورقمها ومواصفات الشحنة في باطن الطائرة. ولحظة حطت في مطار زغرب جرت مصادرتها. وكانت كاميرات التلفزيون العالمية جاهزة لتصوير الشحنة متلبسة بالسلاح، وعلى الرغم من تصوير المشهد، في شكل لا يقبل بأي ذرة شك، خرج رفسنجاني لينفي ارسال اسلحة. ويضحك ملايين الناس.

وموضوع النفي الكاذب ذاته، ينسحب على السودان، ايضا حيث الفا عنصر ايراني كخبراء اسلحة وتدريب لكن نظام رفسنجاني يصر على انكار القرائن الدامغة والبصمات الواضحة.

ويستنتج الخبير السياسي الامريكي ان السياسة الايرانية تفتقر الى الصدقية والموثوقية.

 

موقف متماسك

 

لاشك في ان طهران اصيبت بالصدمة من جراء عدم المهادنة الاماراتية وتماسك الموقفين الخليجي والعربي والرد العنيف، فالإدانة علنية، ولم يسبق لها مثيل، ومجلس التعاون الذي اعتمد دائما على دبلوماسية الهدوء، نحا، هذه المرة منحى تصعيديا في مواجهة التصعيد الايراني: عدم التنازل عن الحقوق وتسوية او تصفية كل ميراث الشاه الاقليمي (ابوموسى وطنب الصغرى وطنب الكبرى) وسارعت الدول العربية، بلا استثناء الى التعاطف مع الامارات، وبدا بعد فشل اجتماع ابوظبي، ان الوضع قد لا يبقى باردا، ومن المحتمل ان يتطور الى عمليات انزال واخراج ايران من الجزر الثلاث، خصوصا ان الامارات قادرة على اطلاق ديناميكية الاتفاقيات العسكرية التي ابرمتها مع اصدقاء وحلفاء لاستعادة حقوقها، والقوى الغربية تدعم الامارات، وتتوجس من القفزة الايرانية الى ابوموسى التي يمكن ان تتحول الى »مخلب قط« بالقرب من شريان الملاحة النفطية والتجارية. وقد طمحت ايران منذ الشاه الى التحكم بطرق الملاحة، بالقرب من عنق هرمز. غير ان الغرب وتحديدا امريكا فوتت الفرصة من خلال امتلاك عمارة بحرية في بحر العرب، خارج هرمز، تتشكل من حاملة طائرات واسطول دعم ومنذ ،1990 ترسو قطع بحرية امريكية داخل الخليج.

هذا هو تخطيط رفسنجاني: النزول في ابوموسى يفرض ايران شريكة اساسية في الامن الخليجي، بعدما اقصيت مرتين، الاولى في التحالف الدولي ضد العراق، والثانية مع تبلور صيغة »اعلان دمشق«، وفي اعادة الاعتبار الى دورها، تطرح شروطها في المناقصة الكبرى مع واشنطن، في هذه اللحظة من حوار الآذان الصماء، وهو الامر الذي يفسر تسليحها الكثيف وهجمتها على العالم الاسلامي، وفي صورة خاصة على العالم العربي.

وهنا يكشف الامريكي وليام كوانت »ان سياسة ايران في العالم العربي شكلت مجال حوار سري بين رفسنجاني وجماعته (ولايتي، حبيبي، لاريحاني) والجناح المتصلب (عتشمي، كروبي، احمد الخميني)، وان كان لا يوجد خط فاصل واضح بين الاعتدال والتطرف في ايران«. لذلك تتداخل التحالفات على اساس المسألة الواحدة قد يكون ثمة اتفاق بين الحكم والمعارضة على موضوع الاشتراك في الارهاب وتوسيع رقعته، مثلا في وقت يحتدم الخلاف وتتسع الشقة حول الانفتاح على الغرب، وإذا كان رفسنجاني يؤيد الانفتاح من اجل الحصول على قروض تخرج الوضع الاقتصادي والمعيشي من عنق الزجاجة، فإن المتشددين يعتبرون القروض احصنة طروادية، ويراهنون على الاكتفاء الذاتي، وبدا ان كفة رفسنجاني رجحت، خصوصا ان سياسته حققت نجاحا، ضمن رؤية توسعية هي استمرار وان بأسلوب اكبر ميكافيلية ودبلوماسية للرؤية الخمينية الاساسية وتمكن من دخول العالم العربي من الباب العريض، علاقات سياسية، مساعدات عسكرية واقتصادية، على ضآلتها، فيما يتناقض مع نهج الجناح المتشدد، وان ظاهرا على الاقل، وقد ضلع في تعامل ارهابي وعنفي اغلق الابواب والنوافذ امام ايران، وعادت طهران اليوم الى لعب دور اقليمي من لبنان الى السودان، ونسجت علاقات وثيقة مع حركات المعارضة السلفية في المغرب العربي، وتأكد ان رجال اعمال شيعة هم حلقة الوصل بين جهات مغاربية والايرانيين في اكثر من عاصمة اوروبية، كان يتردد اليها حسن الترابي وراشد الغنوشي والعامل الذي ساعد رفسنجاني على القيام بهذه الاختراقات هو سقوط اساسيات الامن القومي العربي، وانهيار نظرية الامن المشترك بعد غزو الكويت، قبله كانت ثمة خطوط حمراء حالت دون دخول اطراف على الخط، ووظف رفسنجاني هذا الفراغ، وغزا ابوموسى مذكرا باللحظات الشاهنشاهية الكبرى في طنب الكبرى وطنب الصغرى، وهذا الغزو دليل واضح الى ان حكم المؤسسة الدينية الحالي لم يتمكن من استيعاب اللعبة الدولية والاقليمية وفهمه، وهو لا يلعب على الاصول كما يقول وزير الامن الالماني بعد حفلة تصفية قادة من المعارضين الاكراد، علما ان الارهاب ما يزال احد اعمدة السياسة الايرانية في العالم كما احدى اذرعها ومنذ انتخاب رفسنجاني رئيسا في 27 يوليو/تموز 9891.

اغتيل عبدالرحمن قاسملو في فيينا وعدد من  الدبلوماسيين السعوديين في بانكوك ومدير المركز الاسلامي في بروكسل، عبدالله الاهدل، وكاظم رجوي في جنيف، ثم ذبح شهبور بختيار في 7 اغسطس/آب ،1991 في احدى ضواحي باريس وحدثت تصفية القيادة الثانية لحزب قاسملو في برلين في 17 سبتمبر/ايلول الماضي، اضافة الى عشرات الاغتيالات لإيرانيين عاديين في مختلف انحاء اوروبا، واللائحة طويلة وهي تؤكد على ان الارهاب جزء اساسي من سياسة رفسنجاني ولعبها خارج الاصول والضوابط، وفي اطارها يندرج موضوع سلمان رشدي ومطاردته، وقد اساء الى سمعة الاسلام وايران في العالم العربي، حتى ان بريطانيا قطعت علاقاتها بإيران بسبب هذه الازمة. وتأكد ان سلوكيتها عامل توتير، على الرغم من تحسن الوضع مع الغرب ودورانه في حلقة فاترة، خصوصا مع الامريكيين على الرغم من الاتصالات السرية بشأن العراق، في المقابل حصل تقارب مع فرنسا، بقيادة وزير الخارجية، رولان دوما المعجب بالحضارة الفارسية وثمة لوبي ايراني في مراكز البحوث والدراسات في امريكا واوروبا يلعب دورا في ردم الهوة مع ايران، ويتشكل من متحمسين للعنصر الفارسي، يدعون الى تسهيل الحركة الايرانية في المنطقة والعالم، لكن تأثيرهم يبقى محدودا في صانعي القرار، والدليل ان حربا سرية اندلعت بين واشنطن والنظام الايراني في الاشهر الثلاثة الماضية إذ بادرت طهران الى تزوير دولارات من فئة المائة دولار، وقد اغرقت الشرق الاوسط وتحديدا لبنان، بهذه الاوراق المزيفة، التي صنعتها بواسطة مطابع متطورة حصلت عليها في زمن الشاه، ومن الصعب كشفها وما حفزها على هذا التزوير الواسع هو مبادرة الامريكيين الى دفع فدية الرهائن التي كانت محتجزة في لبنان، بدولارات تحمل ارقاما معينة ومحددة، وابلغوا الى كل مصارف العالم ان هذه الدولارات غير مقبولة الامر الذي ولد نقمة عارمة لدى منظمات الخطف في بيروت وطهران وكان الرد المضاد تزويرا واسعا.

 

قاعدة للغواصات

 

سبب آخر للقلق العربي والغربي من رفسنجاني هو الشهية اللامحدودة الى السلاح، وهنا يؤكد عارفون ان السيطرة على جزيرة ابوموسى، الدافع والحافز عليها هو تحويلها الى قاعدة للغواصات داخل مياه الخليج، فيما قاعدة شاه بحر للغواصات، ايضا، هي مطلة على بحر العرب وغير كافية في بناها التحتية ومنشآتها لاستقبال الغواصات الثلاث الجديدة، من طراز »كيلو«، وتعمل بطاقة دفع تقليدية »الديزل« الروسية الصنع، ولأسباب استراتيجية وعملياتية، كان خط الغواصات، في مفكرة الحرب الايرانية، يمتد من شاه بحر، خارج هرمز الى ابوموسى ذات الموقع الحساس داخل هرمز بحيث ان تلازما يتشكل بين القاعدتين وهذه الحالة النوعية التي تهز التوازنات في المنطقة وتشغل حمى التسلح والاقبال عليه جزء من حركة اكثر شمولا تتمثل في التسليح الايراني في شكل عام.

وكان لافتا ان رفسنجاني وبعد وصوله الى الحكم، قرر فجأة تحسين علاقاته مع روسيا، هذا »الشيطان الاصفر« وأول زيارة قام بها الى العالم الخارجي، كانت الى موسكو خلالها ابرم اتفاقية تسلح سرية طويلة الامد تشمل تدريبات لطواقم المقاتلات وشحنات من السلاح المتطور، مثل الطائرات والدبابات والغواصات ومنح الروس تسهيلات لحاجتهم القصوى الى العملات الصعبة، وتم الدفع عدا ونقدا او نفطا وغازا وواصل بوريس يلتسين خط جورباتشوف في التعاون مع ايران، ووصل مئات العسكريين الايرانيين الى قواعد روسية، وكشفت معلومات ان الغواصات التي قررت طهران امتلاكها قادرة على التخفي ومن الصعب تقصي حركتها بالرادرات وتملك كل غواصة 12 قناة لبث الالغام.

ويعتمد الايرانيون على كوريا الشمالية في مجال الاسلحة الاستراتيجية ويمتلكون الآن صواريخ »سكود ــ  ب« و»ث« متوسطة وبعيدة المدى، لكنهم لا يملكون في المقابل صواريخ »اس.اس 21« التي تعزز الترسانة السورية.

اما الصين، فهي الحائط النووي الذي يتكئ اليه الايرانيون الذين وقعوا على اتفاقية 3 مفاعلات بقوة 300 ميجاوات معها، وكان اكثر من 50 عالما نوويا من الجمهوريات الاسلامية قد استقروا في طهران ويسهمون في ورشتها المشعة التي تنام على ثلاثة رؤوس نووية من كازاخستان، والثابت ان الغرب لا يريد ان تمتلك طهران مفاعلات نووية، ولا أن تتوصل الى تشكيل خبرة تقنية نووية، خصوصا ان خيطا رفيعا يفصل بين البرامج السلمية والبرامج العسكرية.

رفسنجاني يرد الاعتبار، إذاً الى ايران في ابوموسى، كما في مواقع عربية واسلامية اخرى وهو بذلك يلعب ايضا لعبة المتشددين، خصوصا انه يستعد للانتخابات في العام المقبل، ويراهن على إمساك بالساحة، على الرغم من وجوده القوي، حاليا في مجلس النواب غير ان الراديكاليين موجودون ايضا على مستوى الشارع. وان كان بريقهم قد خفت فأحمد الخميني الذي يعيش في ضاحية جماران متقلب ومزاجي، اما محتشمي الذي يعاني شللا جزئيا في ذراعه من جراء انفجار رسالة ملغومة في مكتبه، يوم كان سفيرا في دمشق، فهو يدافع عن مواقع اخيرة في الشارع، محتفظا على الرغم من كل ذلك بعلاقات قوية مع الحركات السلفية في لبنان، والسودان والجزائر وافغانستان، في هذا الوقت، لم يعد احد يسمع بمهدي كروني، الرئيس السابق لمجلس الشورى، وقد خلفه عبدالله نوري، الاكثر تناغما مع رفسنجاني، والاقرب الى جماعة التكنوقراط التي احاط نفسه بهم، وبين 270 نائبا في مجلس الشورى، ثمة مائة درسوا في اوروبا وامريكا يحاولون بصعوبة كبيرة التأثير في خيارات وممارسات سياسية تطغى عليها البلبلة والفوضى، وتتسم بغارات 5 فصائل من المتشددين الذين يلعبون لعبة »الشريك المضارب« وخلافاتهم تريح فريق رفسنجاني الذي يناور ايضا داخل خريطة نفوذهم ناسجا جملة خيوط مع معسكر »الحجتية« وهم جماعة سرية وشباب المؤسسة الدينية وكانوا نشطين زمن الشاه، وتحالف معهم رفسنجاني.

 

قفزة الى المصيدة

 

في التقييم الاخير للعبة رفسنجاني، ترتسم محدودية قدرته على احداث انقلابات في الوضع الخليجي، السياسي والعسكري والاستراتيجي وان كان قادرا على الارباك العام والقضم على البارد، فآثار الهزيمة مع العراق ماتزال تتفاعل تحت السطح الايراني ورفسنجاني يتطلع الى اعادة الاعتبار الى بلاده، وفرض نفسه شريكا في الامن الخليجي لكن من الصعب ان ينجح في ذلك، فالخليجيون متماسكون في موقف لا مهادنة فيه من الجزر، والغرب لا يهادن القفزة الاخيرة في ابوموسى التي هي في الظرف الراهن قفزة الى الفخ او المصيدة، خصوصا بعد الفصل الكويتي الذي كان خطأ عراقيا واستثمارا سيئا للخوف، والمعروف ان طارق عزيز لعب وفي واشنطن بالذات، على هذا الخوف وقال في العام 1984 ان العراق يقف حجر عثرة وعقبة وحيدة امام ايران التي تريد الوصول الى الكويت، كان ذلك في ذروة الهجمات الايرانية على البصرة، لكن العراق عاد وارتكب الخطأ ذاته، ومع الكويت في العام 1990.

هل دروس الكويت كافية لردع ايران ودفعها الى الانكفاء عن الجزر الثلاث؟

على المستوى العسكري، ان انزالا امريكيا قد لا يستغرق اكثر من ساعة في جزيرة ابوموسى خصوصا ان ثمة قوة بحرية كبيرة تابعة للحلفاء الغربيين في مياه الخليج، ومجلس الامن هو الشرطي الذي يهز العصا، وقد طرحت دولة الامارات المشكلة عليه، وسط دعم عربي واسع ومن المتوقع ان يناور الايرانيون ويحاولون التمسك بالجزر، لأسباب داخلية وخارجية، سياسية واستراتيجية، ويلجأون الى لغة التهديد والوعيد لكنهم سيضطرون في النهاية الى الرضوخ للشرعية الدولية والتسليم بالحقوق العربية وإذا كانت الازمة الجديدة في ظل اجماع عربي ودولي، اقل تكلفة سياسية من ازمة الكويت فإنها تشكل حافزا لتنسيق دفاعي ذاتي اقوى في الخليج، وتؤسس لنواة رادعة،  الاقل على مستوى الطيران والبحرية، إذا كانت نواة الجيش البري الخليجي الواحدة اكثر صعوبة وأزمة الجزر تطرح في الوقت ذاته ضرورة احياء »اعلان دمشق« مع مصر وسوريا، وتندفع الى الوقوف في حزم، ليس فقط في موضوع الجزر، بل ايضا في اي مسألة داخلية تطمح ايران الى التورط فيها وتأزيمها، ولاشك في ان الاعتماد على الغرب وحده لا يكفي، والقوة الذاتية اساسية، وهذا ما يعمل له الخليجيون بمثابرة ومنهجية، على خلفية ان امريكا اسيرة انتخاباتها، الآن، وكلينتون، في حال نجاحه، سيكون في موقف هجومي اكثر حدة، تجاه النظامين العراقي والايراني فضلا عن تشديده على موضوعات اخرى.

مراقبون عرب واجانب في باريس رجحوا ان تكون سلوكية رفسنجاني بعد تدويل موضوع الجزر، مزيجا من الطاسة الباردة والطاسة الساخنة، ويتوقعون الا يقع في الفخ، بعدما »تربى« من تجربة العراق في الكويت، ومما حدث لصدام ونظامه، والرياح الدولية تصب الآن في دائرة الشراع الاماراتي، وتنفخ ايضا في الشراع الخليجي، من هنا الموازين ليست في صالح طهران التي لابد لها من ان تذعن لتصفية كبيرة ونهائية لإرث الشاه، واكثر من دبلوماسي عربي في العاصمة الفرنسية ينقل صورة الحزم الدولي والعربي، في شكل لن يتسامح معه اي طرف في تهديد ايران، بل ان الهيبة الايرانية ستخرج من الاختبار مزعزعة ومستضعفة بحرب سريعة وخاطفة او من دون حرب، ويرى عديدون الى ما بعد مرحلة ابوموسى التي ستكون مختلفة عن المرحلة السابقة، اي احترام للحدود الدولية وتصحيح لها من خلال استعادة طنب الكبرى وطنب الصغرى، بحيث ان الخريطة الاماراتية تتكامل من دون نقصان او اجتزاء وفي هذه الحالة، يفرض النظام الدولي نفسه على ايران في شكل بارد إذا انكفأت عن الجزر وفي شكل صاعق إذا ركبت رأسها، واصرت على الخطأ وفي الحالين لن يكون في مقدورها الهروب من الاذعان او الامتثال لأداء لعبة النظام الدولي على الاصول، وتبعا لتعليمات المايسترو.

 

باريس ــ الوطن العربي