مجلة درع الوطن تاريخ يناير 1994

 

دراسة قانونية حول الجزر العربية المحتلة من قبل السلطات الايرانية

(الجزء الرابع)

تأليف: عبدالوهاب عبدول

كتب: ابراهيم محمد ثاني

راشد حسن راشد

 

في الساعة الثانية والنصف من صباح يوم 30/11/1971م وقبل ساعات من اعلان قيام دولة الامارات العربية المتحدة وانهاء معاهدة الحماية البريطانية اجتاحت القوات الايرانية الحدود البحرية الدولية لإمارتي الشارقة ورأس الخيمة في هجوم مسلح احتلت خلاله ثلاث جزر عربية في الخليج العربي هي: ابو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، معلنة احتلالها من منطلق الادعاء باسترجاعها الى الوطن الأم بعد ان اقتطعتها بريطانيا منها قبل 80 عاما.

وفي دراسة قانونية قام بها الاستاذ عبدالوهاب عبدول حول الجزر العربية المحتلة من قبل السلطات الايرانية استعرضت درع الوطن وبشكل مكثف وواضح وللمرة الاولى في الصحافة العربية الوقائع الغائبة والمبهمة لدى بعض القراء حول الجزر العربية المحتلة.. حيث تحدثنا فيما مضى عن اهمية الجزر العربية وموقعها السياسي والتاريخي وعن كيفية وقوع الهجوم الايراني الصارخ على الارض العربية ورد الفعل الخليجي والعربي ازاء هذا الهجوم.

نحن الآن في هذا الجزء الذي نستعرض من خلاله التجاوزات الايرانية لمذكرة التفاهم حول جزيرة ابو موسى، وسياسة ايران الانتهازية على المستوى المحلي والاقليمي والعالمي.

ما هي التجاوزات الايرانية؟

- في مارس 92 رفسنجاني يقوم بزيارة مفاجئة لابوموسى منذ احتلالها عام 71.

- سلسلة من الاجراءات الادارية الايرانية حولت سكان الجزر الاصليين لمجرد مقيمين عرب.

- ممنوع الصيد، ممنوع التجول، ممنوع ادخال او اخراج اي شيء من والى الجزر، ممنوع البناء، ممنوع الاتصال عبر الهاتف، ممنوع دخول السيارات، كل ذلك واكثر، إلا بأمر من القادة الايرانيين.

* التوسعات الايرانية، بناء قرى نموذجية ايرانية، احتلال مناجم اوكسيد الحديد الاحمر، تعزيز القوة العسكرية، نصب صواريخ سيلك وورم.

* شمل نطاق المضايقات قطاع التعليم بشكل مبرمج ودقيق، لا رياض للاطفال، لا فصل ما بين الطلبة والطالبات، حذف كل ما يسمى بالخليج العربي او ما يتصل بتاريخ المنطقة واهلها، لا دخول للإخوة المدرسين الى ارض الجزيرة إلا بتأشيرات ايرانية.

* منع السفينة خاطر دخول جزيرة ابو موسى، كان ذروة ما وصلت اليه المضايقات الايرانية.

- هرمز سفينة ايرانية حاولت اغراق خاطر.

- احد المدرسين الذين كانوا على متن خاطر.. طلبنا من السلطات الايرانية اسعاف المرضى لكنها رفضت رفضا قاطعا مما حدا بنا العودة الى ميناء خالد بحالة يرثى لها.

 

الوضعية القانونية للتجاوزات الايرانية

 

في اطار التبريرات الايرانية.. كمال خرازي لرويتر:

* »منع الشرطة الايرانية ركاب سفينة من الامارات من النزول الى الجزيرة ينبع من حقيقة مسؤولية ايران عن امن الجزيرة«.

* مرتضى سرمدي الناطق بلسان خارجية ايران: »ان ايران والشارقة اتفقتا على ان المواطنين والاجانب الذين يرغبون في الذهاب الى ابو موسى يتوجب عليهم الحصول على تصاريح دخول من سلطة الموانىء الايرانية«.

لكن الشارقة نفت الاتفاق وطالبت ايران بإثباته.

 

الخلفية السياسية للتجاوزات الايرانية

 

- وزير الخارجية الايراني لواشنطن بوست ».. ان اية ترتيبات امنية في منطقة الخليج لا تكون طهران جزءا منها مصيرها الفشل«.

* اطماع ايران في جزر الخليج لها جذور ضاربة في التاريخ، خصوصا في عهد الدولة الصفوية في زمن ناصر الدين شاه الصفوي.

- الجسم وهنجام وفارور وصدي وقيس.. جزر عربية.. احتلتها ايران؟!

 

التجاوزات الايرانية لمذكرة التفاهم في جزيرة ابو موسى

 

اولا: ماهية التجاوزات الايرانية

في مارس 1992م قام رئيس جمهورية ايران هاشمي رفسنجاني بزيارة مفاجئة لجزيرة ابوموسى تعتبر الاولى لهذه الجزيرة منذ احتلالها وشقيقتيها من طرف ايران عام 1971م.

وعقب هذه الزيارة بادرت السلطات الايرانية الى اتخاذ سلسلة من الاجراءات الادارية سعت من ورائها الى تأكيد سيطرتها وفرض هيمنتها على كامل تراب الجزيرة وعلى الاشخاص المقيمين على ارضها في خطوة منها نحو ضمها الى اراضيها ضما واقعيا. فمنعت رعايا دولة الامارات العربية المتحدة الموجودين في الجزيرة وهم سكان الجزيرة الاصليين والوافدين العرب منهم والاجانب من التجول في الجزيرة إلا ضمن كيلومتر مربع واحد يشكل المنطقة الجغرافية التي يوجد فيها السكان العرب ومرافق الخدمات الحكومية الخاصة بهم كمرافق التعليم والصحة والامن التابعة جميعا اداريا لسلطة الحكومة الاتحادية في ابوظبي.

كما فرضت السلطات العسكرية الايرانية في الجزيرة سلسلة من الاجراءات على سفن الصيد المملوكة لسكان الجزيرة كمنعها من الصيد بحرية في المياه الاقليمية للجزيرة إلا بتصاريح صادرة منها تجدد كل خمسة ايام، وفرض غرامات كبيرة على من يخالف تعليماتها، واجبار الصيادين على بيع معظم كميات الصيد الى السلطات الايرانية بأسعار صرف غير مجزية، ومنعهم من تسويق صيدهم لمدن الدولة الاخرى مما جعل امكانية استمرار السكان في عملهم كصيادين عبئا ماديا ونفسيا.

* وفي اطار اجراءاتها الاستفزازية الهادفة الى التضييق على السكان المحليين في وسائل كسب رزقهم قامت السلطات العسكرية الايرانية بإغلاق جميع المحلات التجارية في الجزيرة ولم يبق سوى الجمعية الاستهلاكية التي لا تتوافر فيها احتياجات كافة السكان.

واستكمالا لإجراءات تضييق الحياة اليومية لسكان الجزيرة منعت السلطات العسكرية الايرانية ادخال اي شيء الى الجزيرة مهما كان صغيرا، إلا بتصريح من القائد العسكري الايراني (آل فرمندار) في الجزيرة وتشديد عمليات التفتيش تجاه القادمين من سكان الجزيرة من ابناء الامارات او العاملين فيها بزعم انهم يستخدمون الجزيرة كمركز لتهريب بعض السلع التي تحتكرها الدولة الإيرانية كالسكر والتبغ.

ولم تكتف السلطات الايرانية بهذا القدر من الاجراءات بل عمدت الى منع المواطنين من بناء مساكن جديدة او مرافق خدمات او حتى ترميم بيوتهم القديمة إلا في حدود ضيقة جدا.

كما رفضت السماح بتوصيل خدمات الهاتف الى الجزيرة حيث لا يوجد في المنطقة التي يقطنها العرب إلا هاتفان احدهما في مخفر الشرطة والآخر في منزل والي الجزيرة المعين من قبل حاكم الشارقة، او انشاء العيادات الطبية وعمليات الاخلاء الجوي للمرضى الى المستشفيات في الامارات مهما كانت طبيعة الحالة المرضية.

* وفي محاولة من السلطات الايرانية العسكرية لفرض سيادة ايرانية واقعية على الجزيرة قامت ايران بمنع ادخال السيارات التي تحمل لوحات رسمية اماراتية، كما منعت رفع علم الامارات فوق الجزيرة خلافا لما تنص عليه مذكرة التفاهم بين حكومتي الشارقة وايران عام 1971م.

* ووسعت السلطات العسكرية الايرانية من نطاق منطقة وجودها العسكري في الجزيرة حيث قامت ببناء قرية ايرانية نموذجية واقامت نقاطا عسكرية في المنطقة العربية من الجزيرة واحتلت مواقع في منطقة مناجم اوكسيد الحديد الاحمر (المغر) في الجزء الشرقي من الجزيرة والمعروف بمنطقة (الخلوه) كما عززت قواتها العسكرية في الجزيرة وزادت اعداد العسكريين من 120 الى 500 عسكري ونصبت قواعد لصواريخ سيلك وورم الصينية الصنع.

وامتدت التجاوزات لتطال التسيير الاداري اليومي لمرافق الخدمات العامة في الجزيرة كالرقابة على القرارات الادارية والتعليم التي تصدرها الادارات المركزية في الحكومة الاتحادية او المحلية في الشارقة والتدخل في الاعمال التنفيذية اليومية كأعمال الامن والنظام في الجزيرة او الخروج منها والدخول اليها.

* ومنذ ابريل 1992م قامت السلطات الايرانية بمنع العمال الاجانب من دخول الجزيرة إلا بموجب تأشيرة ايرانية. وابلغ القائد العسكري الايراني ابناء الجزيرة الاصليين بأنه لن يسمح لهم بالعودة الى الجزيرة إذا غابوا عنها لفترة تزيد على ستة اشهر وهو امر يطبق على غير المواطنين مما يعني ضمنا انهم اصبحوا مجرد مقيمين وليسوا بمواطنين.

* كما شمل نطاق المضايقات قطاع التعليم في الجزيرة بشكل مبرمج ودقيق فمنعت السلطات العسكرية الايرانية من بناء رياض للاطفال كما منعت فصل الطلبة عن الطالبات، رغم ازدياد عددهم وظهور حاجة فنية واجتماعية ودينية وتربوية تقضي بوجوب فصلهم.

ثم تدخلت في منهاج التعليم حيث قامت بشطب كل العبارات الخاصة بتسمية الخليج العربي وما يتصل بتاريخ المنطقة واهلها، ليس هذا فحسب، فقد ابلغ القائد العسكري الايراني في الجزيرة المدرسين بأنه لن يسمح لهم بالعودة الى الجزيرة في العام المقبل إلا إذا حصلوا مسبقا على تأشيرات اقامة سارية من السلطات الايرانية في الجزيرة، وتنفيذا لذلك قامت السلطات الايرانية بإصدار بطاقات حاولت توزيعها على المدرسين الذين رفضوا استلامها.

* ووصلت مضايقات السلطات العسكرية ذروتها في شهر اغسطس 1992م عندما منعت اكثر من مائة مدرس ومدرسة وعامل مع عائلاتهم من الوصول الى الجزيرة لبدء عملهم في المدرستين التابعتين لوزارة التربية والتعليم بدولة الامارات العربية المتحدة، وعاد المدرسون الى ميناء خالد بالشارقة على متن سفينة الركاب (خاطر) التي سبق وان اقلتهم للجزيرة بعد ان امضوا ثلاثة ايام على متنها قبالة ميناء جزيرة ابو موسى في ظروف مناخية وانسانية قاسية حيث انها رأت ــ اي السلطات الايرانية ــ ان افضل وسيلة لإخلاء الجزيرة من سكانها وتهجيرهم يتمثل في ضرب مرفق التعليم فيها إذ ان منع المدرسين من الوصول اليها سيضع اولياء امور الطلبة امام خيار صعب فإما الصمود والتضحية بمستقبل ابنائهم الدراسي او الخروج من الجزيرة بأبنائهم الى الشارقة لإلحاقهم بمدارسها او بمدارس مدن الدولة الاخرى، وقد فضل معظمهم الخيار الاخير بعد ما تبين لهم صعوبة التوفيق بين الخيارين.

* يروي احد المدرسين الذين كانوا على متن السفينة خاطر الظروف الصعبة التي مر بها قائلا:

ان السلطات الايرانية طلبت من سفينة ايرانية كبيرة يطلق عليها (هرمز 2) مطاردة السفينة خاطر واخراجها من الميناء، فقامت هرمز بمحاولة لإخراج خاطر من منطقة المرسى وفعلا اضطرت خاطر للخروج من المنطقة حتى لا تصطدم بها هرمز واضاف هذا المدرس ».. اننا طلبنا من السلطات الايرانية ارسال طبيب الينا للكشف عن الحالات المرضية الموجودة في السفينة وخاصة بعض الحوامل اللاتي حدث لهن نزيف، والاطفال المصابين بالإسهال، فرفضت رفضا قاطعا الامر الذي حدا بقبطان السفينة وركابها العودة الى ميناء خالد بالشارقة، خوفا على حياة الركاب، وخاصة النساء والاطفال المرضى فقد نفد ما عندهم من طعام وشراب واصبحت الحالات المرضية في موقف يخشى من مضاعفاته«.

 

ثانيا: الوضعية القانونية للتجاوزات الايرانية

لم تنكر ايران انها اقدمت على تصرفات اعتبرتها دولة الامارات العربية المتحدة تجاوزات لبنود مذكرة التفاهم لعام 1971م، لكنها - اي ايران - ركزت على مقولة المسألة الامنية من وجهة نظرها، وهذا ما جاء في مفاوضات ابوظبي حيث قالت ايران انها لاتزال تعترف بمذكرة التفاهم بشأن ابو موسى غير ان المفهوم الايراني لمضمون المذكرة مختلف عن وجهة النظر الاماراتية.

وفي اطار التبريرات الايرانية صرح كمال خرازي ممثل ايران لدى الامم المتحدة في وفد بلاده بمؤتمر عدم الانحياز لوكالة (رويتر) ان منع الشرطة الايرانية ركاب سفينة من الامارات من النزول الى الجزيرة ينبع من حقيقة مسؤولية ايران عن امن الجزيرة، وقد سبق تصريح المسؤولين الايرانيين تصريح لمسؤول آخر هو مرتضى سرمدي الناطق بلسان وزارة الخارجية الايرانية قال فيه ان ايران والشارقة اتفقتا على ان المواطنين والاجانب الذين يرغبون في الذهاب الى ابو موسى يتوجب عليهم الحصول على تصاريح دخول من سلطة الموانئ الايرانية، لكن الشارقة نفت وجود مثل ذلك الاتفاق وطالبت ايران بإثباته.

 

ثالثا: الخلفية السياسية للتجاوزات الايرانية

لماذا صعدت ايران من تجاوزاتها في جزيرة ابو موسى في هذا الوقت بالذات؟!

البعض يرى ان تمسك ايران بجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى واستكمال احتلالها لجزيرة ابو موسى بمنزلة (رسالة تحذير) الى القوميات التي تتشكل منها الدولة الايرانية التي تتطلع الى الانفصال عن الوطن الام واعلان دولة قوية لها على غرار ما يحصل الآن في دول آسيا الوسطى المجاورة لإيران او مثلما يجري في العراق وافغانستان او مطالبات الاكراد في تركيا.. الخ.

ومؤدى هذه الرسالة ان الدولة الايرانية غير مستعدة للتفريط في اي جزء من اراضيها حتى لو كان هذا الجزء بضع جزر صغيرة لا تتعدى اجمالي مساحتها مائة كيلومتر مربع.

* ولا يخفي اصحاب هذا الرأي تخوفهم من حدوث مثل هذا الانفصال نظرا لتشكل الدولة الايرانية من قوميات مختلفة كالفرس والبلوش والاكراد والتركمان والاذريين والعرب خصوصا ان النزعة الانفصالية قد بدأت تظهر لدى الاكراد الايرانيين وان المضايقات الامريكية والتركية لإيران في جمهورية اذربيجان تقلق مضجع ايران في اذربيجان.

* ويعزى رأي ثان التجاوزات الايرانية في جزيرة ابو موسى الى تردي الوضع الاقتصادي في ايران، فالازمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها ايران حاليا يدفعها الى نهج اي سلوك يخفف من وطأتها عليها حتى لو كان هذا السلوك افتعال ازمة نفطية مع جيرانها لمحاولة زيادة عائداتها او مخزونها النفطي.

* ويرى اصحاب هذا الرأي ان ايران تعاني من ضعف احتياطها النفطي وهي بفرض سيطرتها على جزيرة ابو موسى والطنبين ستؤكد ملكيتها لثروات هذه الجزر إذ ستعلن ان مياهها الاقليمية المقدرة بـ 12 ميلا بحريا تبدأ من نهاية الحدود البرية لهذه الجزر باتجاه الامارات وبذلك تكون جميع حقول النفط والمخزون النفطي في هذه المياه تابعة لها. وهنا تبدو مطالب ايران في مفاوضات ابوظبي انعكاسا لهذه الازمة، فقد طالب الوفد الايراني دولة الامارات العربية المتحدة بتعويضات مالية ادعى انه يستحقها بسبب الخسائر التي منيت بها ايران ابان حربها مع العراق واعرب الوفد الايراني عن شعوره بعدم الارتياح ازاء الحصة النفطية التي تحصل عليها ايران من حقل مبارك النفطي واتهم الامارات باستخراج كمية من النفط اكبر مما يتعلق (؟).

* ويرى جانب آخر من اصحاب هذا الرأي ان السياسات الاقتصادية الخاطئة التي انتهجتها الحكومة الايرانية ادت الى تردي الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية وانتشار البطالة وارتفاع معدلات التضخم واسعار السلع الاساسية.. وآثار استياء شعبها تحول الى اعمال شغب ومظاهرات في معظم مدن ايران الرئيسية هدد بسقوط الحكومة بل والنظام بأكمله الامر الذي دفع الحكومة الايرانية الى تصعيد اجراءاتها في جزيرة ابو موسى والحديث عن اكتشاف مؤامرة كبرى تحاك فيها (ابو موسى) ضد امن وسلامة البلاد رغبة منها في تحويل انظار الشعب الايراني عن المشكلات التي يعانيها والالتفات حول القضية القومية الكبرى.

* ومثل هذه المقولة - اكتشاف مؤامرة - يمكن ان تلهي الشعب وتجعله يخفف من حملاته على الحكومة او يصرف النظر عن اية اعمال شغب او اضطرابات يمكن ان يقوم بها احتجاجا على الاوضاع البالغة الصعوبة التي تعيشها البلاد.

* ويذهب رأي ثالث الى ان التجاوزات الايرانية في الجزيرة (انذار ايراني) لدول مجلس التعاون الخليجي ودول اعلان دمشق والولايات المتحدة الامريكية من ان اي ترتيبات امنية في الخليج لا يمكن ان تتم بمعزل عن ايران والذي تريد ايران ان تبلغه لدول مجلس التعاون الخليجي وحلفائها ان ايران بثقلها التاريخي ورصيدها الحضاري والثقافي ووزنها البشري والاقتصادي والعسكري وتشعب مصالحها السياسية والاستراتيجية في الخليج والعالم لا يمكنها ان تقبل بدور هامشي لا يحقق اهدافها القومية في مسألة امن الخليج.

* ويفصل انصار هذا الرأي ان دول مجلس التعاون الخليجي عقدت اتفاقات امنية مع دول من خارجها، والملاحظ على تلك الاتفاقات انها استبعدت ايران من الترتيبات الامنية وفي اقصى الحالات اعطتها دورا هامشيا في الوقت الذي كانت تصريحات المسؤولين في ايران تترك الانطباع بأن المقصود هو اقامة نظام امني محوره ايران، وهذا ما اثار خيبة الامل لدى المسؤولين الايرانيين من سلوك جيرانهم العرب في الخليج.

* وينتهي اصحاب هذا الرأي الى ان هدف ايران من اجراءاتها في جزيرة ابو موسى لفت انتباه دول مجلس التعاون الخليجي وحلفائها وعلى الخصوص الولايات المتحدة الامريكية الى انها معنية اكثر من غيرها بأوضاع المنطقة ولا يمكن استبعادها من اية ترتيبات امنية فيها حيث صرح وزير الخارجية الايراني في مقابلة صحافية مع صحيفة »واشنطن بوست« ».. ان اية ترتيبات امنية في منطقة الخليج لا تكون طهران جزءا منها مصيرها الفشل«.

* وقال ايضا: »ان تلك هي مبادئنا وهذا ما نعتقده، ونحن نعتقد بأنه إذا ارادت بعض الدول في المنطقة الحصول على ترتيبات امنية من دون ايران وخاصة في منطقة الخليج الحساسة فإن ذلك ليس له ما يبرره وليس عمليا«، وانتقد ولايتي الخطط لاستجلاب دول من الخارج لإقامة امن في المنطقة مشيرا الى دعوة مصر وسوريا للمشاركة في عمل امني لمنطقة الخليج.

* والواقع ان التجاوزات الايرانية لبنود مذكرة التفاهم ليست وليدة هذه الساعة، فقد بدأت في عهد الشاه محمد رضا بهلوي بعيد توزيع المذكرة واستمرت في الاتساع منذ قيام الثورة الايرانية وحتى انتهاء حرب الخليج الثانية واستكملت ايران تجاوزاتها بإعلانها الضم الواقعي للجزيرة بعد الربع الاول من عام 1992م. والجدير بالذكر ان اطماع ايران في جزر الخليج العربي لها جذور ضاربة في التاريخ، ظهرت بشكل واضح في عهد الدولة الصفوية وبالتحديد في زمن ناصر الدين شاه الصفوي الذي اتخذ سياسة توسعية نشيطة في الخليج العربي استهدفت توحيد دعائم الحكم الفارسي على مرافئ وجزر الساحل الشرقي للخليج، ثم امتدت هذه السياسة التوسعية لتطال الجزر التي كانت تحت السيادة العربية فاحتلت ايران جزر »الجسم وهنجام وفارور وصري وقيس.. الخ« وكانت آخر ثلاث جزر عربية احتلتها ايران عام 1971م هي ابو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى في عهد الاسرة البهلوية ومن الملاحظ انه رغم تبدل الاسر والانظمة الحاكمة في ايران إلا ان سياستها التوسعية ظلت ثابتة دونما تغيير او تبدل ومن ثم فإنه يتعين وضع التجاوزات الايرانية الاخيرة في جزيرة ابو موسى في اطار هذه السياسة التاريخية الثابتة.

* ومما تجدر الاشارة اليه ان ايران وهي بصدد تنفيذ سياستها التوسعية استثمرت الظروف المحلية والاقليمية والدولية لاستكمال احتلالها لجزيرة ابو موسى فسكوت دولة الامارات على تجاوزات ايران لمذكرة التفاهم واستمرار احتلالها للطنبين لأكثر من عشرين عاما والاكتفاء بالاحتجاجات الورقية وعدم السعي الجدي نحو تحديد مصير الجزر وعلى الخصوص جزيرة ابو موسى التي لم تنص مذكرة التفاهم مستقبل السيادة عليها، وتغيب المسألة جماهيريا حتى كادت تسقط من الذاكرة العربية تذرعاً بسياسة الدبلوماسية السرية كلها عوامل شجعت ايران على المضي قدما في استكمال اجراءات ضمها.

* فعلى المستوى المحلي، الايراني فإن تردي الوضع الاقتصادي والاجتماعي في ايران واشتداد الصراع بين التيار المعتدل والتيار المتشدد داخل المؤسسة الحاكمة وبروز النزعات الانفصالية لدى بعض القوميات المكونة للدولة الايرانية فإنها هي الاخرى عوامل لاشك وانها تهدد النظام الحاكم في ايران في شرعية بقائه وليس احسن من مسألة يلتف حولها الشعب الايراني من اثارة مسألة السيادة الايرانية على الجزر المتنازع عليها بين الامارات وايران.

* واقليميا.. فإن تصدع الصف العربي اثر العدوان العراقي على الكويت، وخروج العراق من حلبة المواجهة كقوة اقليمية خليجية مبارزة لإيران ومطالبة بالحق العربي في الجزر الثلاث وبروز النزاعات الحدودية بين بعض دول مجلس التعاون الخليجي وارتباط ايران باتفاقات ثنائية في مجالات مختلفة مع معظم دول المجلس وبعض الدول العربية خلفت انطباعا قويا لدى ايران بأن استكمال احتلالها للجزر لن يخلق لها مشكلات عسكرية او دبلوماسية حادة مع العالم العربي.

* واخيراً.. فإن الظروف الدولية كانتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي وظهور الدول القومية على انقاضه وخاصة في آسيا الوسطى وانشغال الولايات المتحدة الامريكية بانتخابات الرئاسة والدول الاوروبية بأزمتها النقدية وباتفاقاتها الحدودية والقضايا الاخرى الدولية كالصومال والبوسنة والهرسك اعطى ايران تصورا بأن تجاوزاتها في ابو موسى لن تأخذ حيزا او اهتماما يذكر على الصعيد العالمي.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو:

* هل لعبت دولة الامارات العربية المتحدة دورا دبلوماسيا لإثارة مسألة الجزر يوازي الفرص التي استغلتها ايران لإكمال احتلالها للجزر؟

* لماذا صعدت ايران من تجاوزاتها في جزيرة ابو موسى في هذا الوقت؟

1- انها رسالة تحذير الى القوميات الايرانية المبعثرة التي تتشكل منها الدولة الايرانية.. خوفا من الانفصال والاستقلال.

2- الوضع الاقتصادي المنهار في ايران.. وفرض السيطرة على الجزر فإن جميع حقول النفط والمخزون النفطي للمياه الاقليمية الجديدة ملك لإيران.

3- وجدت ايران ان اعمال الشغب والمظاهرات في ايران بفعل تردي الاوضاع والبطالة ستقلب النظام الحاكم، فعمدت الى تحويل انظار الشعب الايراني عن المشكلات التي يعانيها والالتفات حول القضية القومية الكبرى.

4- انها رسالة تحذير لدول مجلس التعاون الخليجي ودول اعلان دمشق وامريكا.. ان اي ترتيبات امنية في الخليج لا يمكن ان يتم بمعزل عن ايران.

* ما هي الظروف التي استثمرتها ايران بصدد تنفيذ سياستها؟

1- المستوى المحلي.. بروز النزعات الانفصالية في ايران.

2- المستوى الاقليمي.. خروج العراق من المواجهة.. وحساسيات بعض دول المجلس الخليجي الحدودية.

3- المستوى الدولي.. انهيار الشيوعية وانشغال امريكا بالانتخابات الرئاسية وانقلاب الاوضاع الدولية.