مجلة اليمامة ــ العدد 1236 ــ تاريخ 29 جمادى الآخرة 1413 هـ

 

جزيرة ابوموسى:

حورية قيد الاستلاب

 

جزيرة »ابوموسى« الصغيرة التابعة لإمارة الشارقة، يتوقع ان تشكل بندا مهما على اجندة القمة الخليجية الحالية في ابوظبي، بعد ان دفعت بها اجراءات الضم التي اتخذتها ايران من جانب واحد الى صدارة الاحداث طوال الاشهر الاخيرة، ما هي اهمية »ابوموسى« الحقيقية وما هي شهادة تاريخها في النزاع القائم؟

* جزيرة ابوموسى، درة الشارقة وساحل الامارات والخليج العربي، التي تعد اكثر جزر الساحل تميزا على الاطلاق بمرتفعاتها الصخرية ذات اللون الاحمر الوردي الزاهي، اصبحت بعد الاجراءات الايرانية الاخيرة في عداد المفقودات العربية هذه الايام لم تعد صخور ابو موسى الشاهقة تحتضن مراكب الصيادين العرب كملجأ ومنفذ لهم من رياح البحر وعواصفه العاتية، ولم يعد الحارس العربي الامين يرقب طريق السفن الاسطوري من على مرتفعاتها الساطعة التي تقف شاهدة رغم جميع الظروف على دور الانسان العربي ابن الخليج في ازدهار التجارة بين الشرق والغرب واكتشاف ثروات الشرق المذهلة.

عندما نتحدث عن جزيرة ابو موسى فإنه لابد للحديث ان يطول ليشمل جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، فهذه الجزر الثلاث ترتبط فيما بينها بصلات تاريخية وسياسية وجغرافية وطيدة.

 

جبل وسط البحر

 

في وسط مياه الخليج الدافئة تقع جزيرة ابوموسى على بعد 42 كيلومترا عن سواحل امارة الشارقة، وهي تقترب من مدخل الخليج عند مضيق هرمز بمسافة لا تزيد على 94 ميلا، في حين تبتعد الجزيرة عن السواحل الايرانية بمسافة لا تقل عن 67 كلم.

وتبلغ مساحة الجزيرة 20 كيلومترا مربعا بطول اقصاه 5 كم وعرض لا يزيد على 9 كم وهي جزيرة مستطيلة الشكل وتعد اكبر الجزر الثلاث الواقعة قبالة مدخل الخليج العربي »ابوموسى، طنب الكبرى، طنب الصغرى« وتفصل جزيرة ابوموسى عن جزيرة طنب الكبرى مسافة تبلغ 24 ميلا في حين تقترب منها جزيرة طنب الصغرى بأكثر من ذلك.

وترجع جزيرة ابوموسى في نشأتها كما ذكر الكاتب الانجليزي المعروف ارنولد ديلسون في كتابه »الخليج« الى التغيرات الطبيعية الهائلة التي شهدتها منطقة الخليج العربي منذ حوالي نصف مليون سنة ففي ذلك الوقت كانت التغيرات الجبارة للقشرة الارضية قد وصلت الى ذروتها فأعطت للخليج العربي شكله الحالي بعد ان كان شريطا ضيقا من الماء، ونتيجة للضغوط الهائلة على كميات الاملاح المتراكمة منذ بدء الخليقة في باطن الارض ظهرت نتوءات ملحية دائرية على سطح الماء يتراوح قطر الواحد منها بين 4 و6 اميال ومع هذه الاملاح اندفعت بعض الصخور البركانية وخامات الحديد والنحاس من باطن الارض لتكون مجموعة من الجزر في الخليج العربي منها جزيرة ابوموسى.

وتمتاز هذه الجزيرة بمياهها العميقة الصالحة لرسو السفن، كما تمتاز بمرتفعاتها التي تزيد على 360 قدما فوق سطح البحر وتحتوي الجزيرة على مرتفع صخري ذي طبيعة بركانية يتراوح ارتفاعه بين 500 - 600 قدم، وتتكون جزيرة ابوموسى من سهول رملية ممتدة ومغطاة بكتل من الاعشاب وفيها اشجار النخيل قرب آبار المياه العذبة الصالحة للشرب كما ان الاعشاب والحشائش البرية تغطي اودية الجزيرة ومرتفعاتها ولعل اشهر المعادن التي تزخر بها الجزيرة هو اوكسيد الحديد الاحمر الذي يضفي على مرتفعات الجزيرة لونا احمر ورديا يذكرنا بقول الشاعر »علم في رأسه نار«.

 

صيد وزراعة

 

يبلغ عدد سكان جزيرة ابوموسى حوالي 1000 نسمة جميعهم من العرب مارسوا عددا من المهن والاعمال اهمها الصيد البحري والرعي والزراعة.

وفي الجزيرة مدرسة انشئت منذ منتصف الستينات، وفيها ايضا مسجد كبير يتسع لأهالي الجزيرة. وتتوافر في الجزيرة مختلف المرافق والخدمات العامة التي توفرها امارة الشارقة.

ان تربة جزيرة ابوموسى طيبة وصالحة للزراعة في مجموعها والمياه تتوافر في الكثير من الآبار التي تمتلئ بالماء العذب عندما تهطل الامطار، ويذكر السكان بأنه قبل اكثر من قرن من الزمان كانت الجزيرة تتمتع بوفرة في زراعة انواع من المحاصيل كالشعير والقمح والحبوب والبصل التي كانت تصدره جزيرة ابوموسى الى الشارقة وبقية الامارات كما كانت النخيل تغطي مساحات كبيرة من الجزيرة.

واما اوكسيد الحديد الاحمر المستخدم في طلاء المعادن والذي ينتشر في الجزيرة بوفرة فإن مناجمه تقع في الطرف الشرقي منها وقد قامت احدى الشركات الانجليزية في العشرينات من هذا القرن باستغلال هذه المناجم لمدة 40 سنة، تصدر منها ألوف الاطنان من هذا المعدن حتى جاء العام 1967م الذي انخفض فيه الانتاج الى ادنى مستوى له فتركت الشركة العمل بعد ان حفرت الاخاديد والوديان العميقة مستخرجة منها الاوكسيد الاحمر بمئات الالوف من الاطنان مقابل ثمن بخس زهيد تدفعه لابناء الجزيرة لم يتجاوز الـ 15 روبية كأجر يومي لأكثر العمال كفاءة.

 

طريق التجارة الاسطوري

 

عرف خليجنا العربي منذ فجر التاريخ كممر مائي عظيم يربط شرق الكرة الارضية بغربها والى ابنائه يعود الفضل في ازدهار التجارة في الشرق وتطور فنون الملاحة آنذاك، وكان لموقع جزيرة ابوموسى اهمية قصوى إذ كانت مركزا مهما على مدخل الخليج العربي على طريق التجارة الاسطوري القديم ما بين الشرق والغرب، حينما كانت سفن الحرير الصيني وتوابل الهند وبخور افريقيا ولؤلؤ الخليج تمر بسكينة شرقا وغربا على صفحة المياه الهادئة قبالة جزيرة ابوموسى، ولم تستطع السنوات الطويلة وتقلب الحياة واختلاف مقوماتها وظهور حضارات وزوال اخرى من ان تنال من مكانة هذه الجزيرة كحارس امين على اهم طرق التجارة الدولية بل اصبحت ابوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى تتمتع اليوم بمكانة استراتيجية اقوى واخطر مما كانت عليه سابقا بسبب وقوعها على اهم ممر مائي لناقلات النفط العملاقة التي تدير بحمولتها النفطية الضخمة عجلة الانتاج والتصنيع في دول مختلفة حول العالم.

 

موقع جيوستراتيجي فريد

 

تكمن اهمية جزيرة ابوموسى وجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى في موقعها الجغرافي الاستراتيجي الممتاز خصوصا من ناحية اشرافها على مضيق هرمز، هذا المضيق الذي يمر عبره النفط الخليجي بمعدل ناقلة نفط كل عشر دقائق تقريبا، وتشكل الجزر الثلاث مركزا للمراقبة يمكن منه رؤية سواحل العراق وايران والسعودية واهمية هذه الجزر لا تقل عن اهمية جزيرة هرمز بالنسبة للمضيق او طنجة وجبل طارق في مدخل البحر المتوسط او عدن في مدخل البحر الاحمر ومن يسيطر على ابوموسى والطنبين يسيطر تقريبا على حركة المرور المائي بالنسبة للداخل والخارج الى الخليج العربي كما انه يستطيع ان يمارس منها قدرا كبيرا من الضغط على مجموعة الدول العربية المطلة على الخليج.

من اجل ذلك سعت ايران ومنذ امد طويل لاحتواء الجزر العربية الثلاث وبذلت محاولات عديدة لبلوغ اطماعها في هذه الجزر وقد تسنى لها ذلك عام 1971م حينما قامت القوات الايرانية باحتلال جزر ابوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى قبيل اعلان بريطانيا الانسحاب من امارات الساحل بيوم واحد فقط ومع خروج الانجليز من المنطقة كان حكم الشاه في ايران قد فرض سيطرته على كامل جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى في حين احتفظت امارة الشارقة بسلطتها على الجزء الجنوبي من جزيرة ابوموسى ومنذ ذلك الحين وسكان الجزيرة العرب يحتفظون بهويتهم وتراثهم حيث قامت امارة الشارقة ببناء المدارس في الجزيرة وتزويدها بالخدمات والمرافق اللازمة لراحة السكان وبقائهم على ارضهم.

 

القواسم

 

ان تاريخ الجزر العربية وفي مقدمتها جزيرة ابوموسى مرتبط بشكل اساسي بتاريخ الخليج العربي وبتاريخ القواسم بالذات تلك القبائل العربية التي كانت لا تضاهيها قوة في المنطقة خلال القرن الثالث عشر والعقدين الاولين من القرن التاسع عشر حيث فرضت سيطرتها على الساحل العماني وعلى الساحل الايراني وعلى عدد من الجزر في الخليج العربي.

وكانت عاصمة القواسم رأس الخيمة ولكن في عهد الشيخ سلطان بن جعفر (1803 - 1856) تم نقل العاصمة الى الشارقة، فتبعية الجزر كانت آنذاك الى دولة القواسم التي تتكون من رأس الخيمة والشارقة وامارات الخليج العربي التي ظهرت فيما بعد.

ثم وجدت بريطانيا في القواسم قوة مناهضة لنفوذها في الخليج العربي فعملت جاهدة للإطاحة بحكمهم واخيرا استطاعت بريطانيا احتلال رأس الخيمة وحصون القواسم وابرمت معهم اتفاقيات ومعاهدات عام 1820 و1838 و1843 و1853.

وبعد ان استولت السلطات البريطانية على قلاع القواسم وثغورهم وشتت اسطولهم عملت ايران على احتلال ما لم تستطع عليه ابان حكم القواسم، فقضت ايران سنة 1887م على الحكم العربي في لنجة على الساحل الشرقي العربي والذي ينتمي الى القواسم واستولت بعد ذلك على (سري) الواقعة الى الغرب من جزيرة ابوموسى والتي كانت تابعة لإمارة الشارقة وجزيرة هنكام التي كانت تابعة لقبيلة بني ياس العربية، ولكن ايران رغم زحفها نحو الساحل الغربي للخليج العربي لم يعرف ابدا انها ادعت السيادة على جزيرة طنب الكبرى والصغرى وجزيرة ابوموسى وظل حاكم الشارقة صاحب السيادة على جزيرة ابوموسى في حين كان حاكم رأس الخيمة صاحب السيادة على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى وليس هناك اية اشارة في المؤلفات الاجنبية تذكر خلاف ذلك وانما تعترف جميعها بسيادة الشارقة ورأس الخيمة على الجزر.

ويذكر لوريمر الذي قام بوضع كتاب »دليل الخليج« بتكليف من حكومة الهند بعد ان اطلع على عدد كبير من المصادر والمعلومات السرية التي وضعتها حكومة الهند بكاملها تحت تصرفه وكان كتابه يعتبر وثيقة سرية لم يسمح بالاطلاع عليها حتى عام 1990م.

يذكر ان تبعية جزيرة ابوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى تعود الى القواسم حكام الشارقة ورأس الخيمة حيث يقوم شيخ الشارقة بزيارة الجزيرة احيانا في الطقس الحار ماضيا.

وتأتي الاجراءات الايرانية الاخيرة المتمثلة بفرض سيطرة ايران على كامل جزيرة ابوموسى مناقضة للترتيبات التي ابرمت بين حكومة الشارقة وايران عام 1971 والتي تضمنت مقدمة و6 بنود حيث احتوت المقدمة على مايلي: »لا ايران ولا الشارقة ستتخلى عن المطالبة بأبوموسى، ولن تعترف اي منهما بمطالب الاخرى«.

في حين اظهرت بنود الترتيبات الست ان مسألة السيادة بقيت حقا من حقوق امارة الشارقة كما بقيت القوات الايرانية قوات احتلال.

ان احتلال ايران للجزر العربية الاستراتيجية عند مدخل الخليج العربي يأتي ضمن سلسلة استنزاف الاراضي العربية ومواقعها الاستراتيجية.