جريدة الخليج 9/3/99

 

ما ضاع حق وراءه مطالب        

 

د.محمد عبدالرحيم الشاهين

 

علمتنا تجارب التاريخ ــ نحن شعوب الدول النامية ــ ان الاستعمار لا يرحل عن بلاد محتلة الا بعد ان يزرع فيها وبينها وبين جيرانها بذور الفتنة والتفرقة والانقسام، حيث تعيش بعد رحيله عنها ممزقة في خلافاتها، غارقة في نزاعاتها مبعثرة القوى لا يلتئم لها شمل لقيادة نهضتها وبناء مستقبلها.

 ومن خطط الاستعمار في مؤامراته من اجل اجهاض الجهود الوطنية خلق مشاكل الحدود، ولم تكن منطقتنا العربية حين رحل الاستعمار الغربي اسعد حظا من البلاد الاخرى.

 فقد ابتليت بعهود الاستعمار المتنوع الاشكال والجنسيات والمتماثل الاهداف والمصالح، الذي ترك آثارا سلبية قاسية لاتزال معظم، ان لم تكن كل الاقطار العربية تعاني من تبعاتها. حيث ترك لنا المستعمر بذور الفتنة والتجزئة ممثلة في مشاكل الحدود. ولقد ادت هذه المشكلة حتى الآن دورها المطلوب وحققت كل اغراضها اذ افرزت الخلافات الحدودية وولدت النزاعات، ومزقت فرص التعاون بين الدول المتجاورة واقامت الحواجز النفسية وأدت الى تباعد الاشقاء وتفرقهم وعدم التقائهم على رأي او عمل ولو كان مصيريا يرتبط بمستقبل امة وشعب بأكمله.

 ونتج عن هذا الاستهتار الاستعماري بالحقوق العربية المشروعة تشريد للمواطنين وسلب ثروات الامة وخيراتها وجعلها تئن تحت وطأة جراحها الى اليوم.

وتأتي قضية احتلال الجارة المسلمة ايران لجزرنا العربية الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وابوموسى وبتواطؤ وتغاضٍ من بريطانيا التي كان لها دور في اعطاء ايران دافعا نحو تفضيل الخيار العسكري، كما اوضحت ذلك الوثائق والمواقف البريطانية كواحدة من المشكلات التي خلفها الاستعمار في المنطقة العربية، ولتكون في طليعة القضايا التي تسعى دولة الامارات العربية المتحدة منذ اعلانها في الثاني من ديسمبر 1971 الى حلها بالطرق السلمية انطلاقا من التزامها القومي والاسلامي وحسن الجوار، ومن حرصها على استعادة جزرها المحتلة والحاقها بحياض الوطن الام.

فقبل اكثر من ثمانية وعشرين عاما وبالتحديد في الساعة الثانية والنصف من صباح يوم الثلاثين من نوفمبر ،1971 وقبل اقل من يومين على انسحاب بريطانيا واعلان قيام دولة الامارات، اجتاحت القوات الايرانية الغازية في عهد الشاه الحدود البحرية الدولية لإمارتي الشارقة ورأس الخيمة في هجوم مسلح احتلت خلاله القوات الايرانية جزرنا الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وابوموسى (بعد توقيع مذكرة التفاهم) التي وقعتها امارة الشارقة دون رغبة حقيقية وكان التوقيع قسريا وتحت ضغوط بريطانية، وفي ظل ظروف محلية وعربية واقليمية ودولية قاهرة، وقد نصت تلك المذكرة على:

1 - سوف تصل  قوات ايرانية الى ابوموسى وتحتل مناطق ضمن الحدود المتفق عليها في الخريطة المرفقة بهذه المذكرة.

2 - (أ) تكون لإيران ضمن المناطق المتفق عليها والمحتلة من القوات الايرانية صلاحيات كاملة. ويرفرف  عليها العلم الايراني.

(ب) تمارس الشارقة صلاحيات كاملة على بقية انحاء الجزيرة ويظل علم الشارقة مرفوعا باستمرار فوق مخفر شرطة الشارقة على الاسس نفسها التي يرفع بموجبها العلم الايراني على الثكنة العسكرية الايرانية.

 3 - تقر ايران والشارقة بامتداد المياه الاقليمية للجزيرة الى مسافة 12 ميلا بحريا.

4 - تواصل شركة  Buttes Gas oil Company  استغلال الموارد النفطية في ارض الجزيرة ومياهها الاقليمية ووفقا للاتفاق الحالي مع الشارقة، والذي يجب ان توافق عليه ايران على ان تدفع الشركة نصف الحصة الحكومية من عائدات النفط المستخرج وفقا لهذا الاتفاق الى ايران مباشرة وتدفع النصف الآخر الى الشارقة.

5 - يتمتع مواطنو ايران والشارقة بحقوق متساوية للصيد في المياه الاقليمية لأبوموسى.

6 - تحصل الشارقة على 5،1 مليون جنيه استرليني من ايران لمدة تسع سنوات، ولكن الشارقة تتوقف عن تسلم المدفوعات اذا بلغت عائداتها النفطية 15 مليون جنيه سنويا.

هذا الاحتلال الايراني لجزرنا الاماراتية كان خرقا فاضحا لمبادئ واحكام القانون الدولي، وتحديا صارخا لمبادئ التعايش السلمي وحسن الجوار بين الشعوب والدول. وقد قوبل بردود فعل محلية وعربية ودولية تتسم بالغضب في شكل مظاهرات ومسيرات احتجاجية غاضبة على امتداد الوطن العربي، مطالبة باستعادة الجزر المحتلة، واتخاذ موقف حاسم تجاه ذلك العدوان الذي اشاع الاضطراب في سماء العلاقات العربية ــ الايرانية.

وعلى الفور اصدر صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الامارات العربية المتحدة بتاريخ السابع من ديسمبر ،1971 امر احتجاج ضد الاعتداء الايراني على الجزر وطالب جميع الدول العربية والدول المحبة للسلام والمجتمع الدولي مساعدة دولة الامارات لاسترداد حقوقها المغتصبة.

وطلبت دولة الامارات عقد جلسة خاصة لمجلس الامن الدولي في التاسع من ديسمبر 1971 للنظر في النزاع مع ايران حول الجزر المحتلة. وتوالت بعد ذلك الرسائل والبيانات من قبل حكومة دولة الامارات الى المنظمات الاقليمية والعربية والى مجلس الامن الدولي والجمعية العامة للامم المتحدة مؤكدة على سيادة دولة الامارات على الجزر.

ومنذ بداية الاحتلال ودولة الامارات تبذل جهودا سلمية متواصلة للوصول الى حل سلمي لهذه القضية مع ايران، واعربت على الدوام عن استعدادها لإجراء مفاوضات ثنائية مباشرة وغير مشروطة مع ايران لإنهاء احتلالها العسكري للجزر، وفي حالة تعذر ذلك يتم احالة القضية الى محكمة العدل الدولية، باعتبارها الجهاز  الدولي المختص بتسوية الخلافات، والذي سبق ان لجأت وتلجأ اليه العديد من دول العالم ومن بينها ايران لحل خلافات حدودية مماثلة وذلك وفقا للمادة 33 من ميثاق الامم المتحدة.