جريدة الحياة تاريخ 27/9/1992

 

جزيرة ابوموسى بين الفوضى السياسية الايرانية والتخطيط الواعي

 

لندن ــ »الحياة«:

الايرانيون قادمون، ولكن هذه المرة للتفاوض مع الامارات العربية المتحدة على جزيرة ابوموسى المتنازع عليها، ويتوقع ان تبدأ الاجتماعات اليوم.

ويحيط غموض كثير بوضع الجزيرة الصغيرة (اربعة كيلومترات مربعة واقل من الف ساكن من عرب وايرانيين) حتى ان المراقبين لاحظوا ان الرئيس الايراني علي هاشمي رفسنجاني كشف عرضا في خطابه يوم الجمعة الماضي ان حكومته ارسلت بعثة لتقصي الحقائق الى الجزيرة رأسها سفير سابق لدى الامارات، مما يعني ضمناً ان حكومته لا تعرف جميع التفاصيل.

والارجح ان تفاصيل كثيرة ضاعت في ايران بعد سقوط الشاه، لذلك ربما كان مفيدا العودة الى التاريخ القريب لإيضاح ابعاد المشكلة فالمعروف منها ان ثمة اتفاقا موقعا بين الشارقة وايران في نوفمبر/تشرين الثاني 1971 على ابوموسى  نص على انه لا ايران ولا الشارقة ستتخلى عن المطالبة بأبوموسى ولن تعترف اي منهما بمطالب الاخرى.

خلفية هذا الاتفاق تستحق وقفة، فهو جاء عشية قيام دولة الامارات العربية المتحدة في مفاوضات مستفيضة بين الشارقة وايران برعاية بريطانيا التي كانت تربطها بإمارات ساحل عمان المتصالح »معاهدة التزامات« نصت على حماية هذه الامارات وجزرها.

وانتهت المفاوضات التي حضرها عن الجانب الانجليزي وليام ولوس، ممثلا وزير الخارجية اليك دوجلاس هيوم، بأن ارسل حاكم الشارقة الشيخ خالد بن محمد القاسمي رسالة الى هيوم بتاريخ 18 تشرين الثاني 1971 تحدد الشروط التي قبلها في شأن الجزيرة المتنازع عليها ويسأل هل تقبل ايران بها وارسل هيوم رسالة عن الموضوع الى وزير خارجية ايران عباس خلعتبري في 24 تشرين الثاني فرد عليه الوزير الايراني بالقبول في اليوم التالي، وارسل هيوم الى الشيخ خالد في 26 تشرين الثاني رسالة بلغه فيها قبول ايران الاتفاق الذي ساعدت بريطانيا على وضعه.

ماذا حدث حتى اختل العمل بالاتفاق؟ إذا قالت ايران انها لا تعترف بسيادة الشارقة على الجزيرة فهو حقها، لأن الشارقة نفسها لا تعترف بسيادة ايران، وهذا ما نص عليه الاتفاق بين الطرفين لذلك فالسيادة نفسها ليست المشكلة، وانما محاولة ايران فرض سيادتها بالقوة مستفيدة من الوضع الذي طرأ في العقدين اللذين مرا على الاتفاق.

الجزيرة عربية وتابعة للشارقة تاريخيا، ولا نقول هذا عنادا بل استنادا الى واقع بسيط هو انه لم يسكنها يوما سوى مواطنين من الشارقة، ففيها بين 750 و800 مواطن اكثرهم يعملون في صيد الاسماك مع قليلين يتاجرون مع ايران نفسها. اما الوجود الايراني في الجزيرة فلم يكن يوما إلا عسكريا وهناك الآن بين 120 و150 جنديا ايرانيا.

الجزيرة مقسومة بين الشارقة وايران بالتساوي تقريبا والايرانيون في الشمال والشرق بصورة عامة والاماراتين في الجنوب والغرب غير ان دخول الجزيرة ممكن فقط عن طريق مرفأ عسكري ايراني (لأن الشارقة ودولة الامارات بعدها لم تبن مرفأ خاصا بها) ربما كان اساس المشكلة، فقد فاجأت ايران في بداية السنة الاماراتيين بطلب تصاريح امنية لدخول المرفأ، ثم طالبت بتأشيرات لغير الاماراتيين، وخشيت الامارات ان هي قبلت الطلب الايراني ان يكون القبول اعترافا ضمنيا بالسيادة الايرانية فرفضت ذلك.

وتذرعت ايران بأسباب الامن، وهي فعلا تعتبر الجزيرة موقعا استراتيجية مهما، وقد انطلقت منها قوارب مسلحة خلال الحرب الطويلة مع العراق لمهاجمة ناقلات النفط.

غير ان المراقبين العرب في المنطقة يقولون ان الامن لا يعطي ايران او غيرها حق فرض سلطتها على اراض متنازع عليها او احتلالها وعندما منع الايرانيون في ابريل/نيسان الماضي دخول الاجانب، دارت مفاوضات انتهت باستثناء المعلمين فهناك مدرسة للامارات في الجزيرة تضم حوالي 250 تلميذا غير ان ايران منعت دخول المعلمين (الاجانب) مع البقية في الشهر الجاري فكان ان المدرسة لم تفتح ابوابها.

ولكن مواطني الامارات لا يزالون يدخلون الى الجزيرة بحرية عن طريق المرفأ الايراني، ويقدر ان 50 الى مائة منهم يتنقلون بين الامارات والجزيرة كل اسبوع مع  وجود خدمة نقل بحرية (فيري) بمعدل مرتين في الاسبوع.

المراقبون العرب يقولون ان التسوية ممكنة ولو من زاوية ان الجزيرة لا تستحق خوض نزاع عليها إلا إذا كانت ايران في سبيل بسط سلطتها على جزر الخليج، كما فعلت في طنب الكبرى وطنب الصغرى.

وترددت اخبار كثيرة مغلوطة عن وضع الجزيرة، منها ان الغواصات التي اشترتها ايران اخيرا من دول البلطيق ستصل الى الجزيرة غير ان المرفأ صغير والماء حول الجزيرة ضحل، ومنها ان هناك ثروات نفطية هائلة في المنطقة، والحقيقة ان شركة »كريسنت« التي تستثمر حقل المبارك في البحر تنتج 7500 برميل في اليوم، اي كمية قليلة جدا بمقياس الخليج ومنها ان ايران تتهم الامارات بتصدير كمية اكبر من المعلن عنها والحقيقة ان شحن النفط في الناقلات لا يتم إلا بحضور مندوب ايراني وآخر اماراتي وتقتسم ايران والامارات الدخل مناصفة كما نص الاتفاق الاصلي.

اخيراً، يقول المراقبون العرب ان الجزيرة ستكون محكاً لاختبار نوايا ايران فليس فيها مما يطمع فيه إلا إذا كانت جزءا من سياسة توسعية عدوانية عامة في الخليج مع الملاحظة ان الاشارات من ايران متضاربة فالرئيس الايراني قال شيئا وقال رئيس البرلمان شيئا آخر، ثم صرح بعض سفراء في الخارج كل على هواه، فربما كانت الفوضى السياسية الايرانية لا التخطيط الواعي سبب المشكلة الحقيقي.

والمراقب العربي يشعر بقلق سواء أكان سبب المشكلة تخطيطا او فوضى وعندما ذهب وزير خارجية الامارات راشد العبدالله الى طهران سمع كلاما مقلقا جدا، فالرئيس رفسنجاني نفسه اصر على انه لا توجد مشكلة حول ابوموسى، إلا انه رأى مشكلة اكبر في ان الامارات تزيد الانتاج حسب زعمه وتتسبب في خفض سعر النفط العالمي وتخسر ايران بلايين الدولارات بالتالي.

كان هذا ما قاله صدام حسين للكويت.. والامارات.