روزاليوسف تاريخ 21/9/1992

 

امريكا هل تحارب في سبيل ابوموسى؟

يوسف الشريف

 

اعلان الرئيس الايراني رفسنجاني في صراحة ووضوح ــ خلال زيارته مؤخرا لباكستان ــ عن ضم جزيرة ابوموسى »الاماراتية« الى ايران.. يشكل التحدي الثاني الخطير للامن والسيادة ووحدة اراضي دول الخليج في اعقاب العدوان الاول الذي شنته العراق لضم الكويت، واختبارا لفاعلية معاهدات التحالف العسكري بين دول الخليج وكل من امريكا وبريطانيا وفرنسا من جهة، ومدى جدية الشرعية الدولية في ممارسة دورها في حل المنازعات الاقليمية دبلوماسيا او عسكريا على غرار موقفها السابق من ازمة الخليج، ولاشك كذلك ان العدوان الايراني كان بشكل او بآخر العامل الحاسم في تسريع اكتساب اعلان دمشق مصداقيته القومية الغائبة، على صعيد وضعه امام مسؤولياته ازاء ترتيبات الامن في الخليج!

ولعل السؤال الأجدر بالاجابة حول قرار القيادة الايرانية المفاجئ يكمن في توقيته، بمعنى تزامنه مع اجهاض القوة العسكرية العراقية المتنامية خلال ازمة الخليج، وتعرض العراق الآن لمؤامرة دولية كبرى تستهدف تقسيمه وانهاكه الى أمد بعيد، وهل اصبح الظرف لذلك مواتيا امام ايران لاستعراض عضلاتها وبسط هيمنتها على دول الخليج عبر سياسة فرض الامر الواقع؟

وكانت ايران قد فرضت نفوذها وسيادتها عمليا او ضمنيا على جزيرتين تابعتين لدولة الامارات العربية عام 1971 هما جزيرتا طنب الكبرى وطنب الصغرى، الامر الذي استدعى ادراج المشكلة في الامم المتحدة. لكن لأسباب تتعلق بالرغبة في حسن الجوار الخليجي مع ايران الشاه او ايران الثورة الاسلامية، او لضعف القوة العسكرية الخليجية في مواجهة القوة العسكرية الايرانية، نامت المشكلة باتفاق الجانبين بعد سحب تسجيلها في الامم المتحدة من جانب الامارات تلبية لطلب الجمهورية الاسلامية في ايران الى حين اجتياز ازماتها الداخلية والخارجية، ثم جاءت الحرب العراقية ــ الايرانية مبررا دبلوماسيا صريحا لدولة الامارات لغض الطرف عن مد ايران نفوذها الى جزيرة ابوموسى بدعوى تأمينها.

والشاهد ان معظم دول الخليج وقفت على الحياد عسكريا بين العراق وايران، وان بعض دول الخليج لم تعد تخفي الآن دعمها ومعوناتها المالية والعسكرية التي قدمتها بانتظام للعراق علنا ولإيران سراً.. خلال حرب الثماني سنوات التي نشبت بين البلدين، توخيا للأمان السياسي والعسكري والديمجرافي والاجتماعي.

وكانت العراق قد عرضت على دول الامارات استعدادها لشن معركة بحرية وجوية تستهدف تحرير جزيرة ابوموسى من الوجود الايراني المحدود آنذاك، إلا ان الامارات رفضت العرض العراقي، حتى لا تقحم نفسها في الحرب الدائرة بين البلدين، واعلنت لبغداد التزامها بالاتفاقية التي وقعتها مع ايران بشأن ترتيبات ادارة الجزيرة مع امارة الشارقة، الامر الذي يكذب ادعاءات طهران مؤخرا حول اخلال الامارات بالاتفاقية بدعوى تهديدات الامن في الجزيرة وتأثيرها المباشر على الامن القومي الايراني.

وعلى ما يبدو ان ايران راهنت على صمت دولة الامارات ورضوخها لمنطق القوة وسياسة الامر الواقع حين فرضت هيمنتها الكاملة على الجزيرة، وخيرت سكانها بين الطرد وقبول الجنسية الايرانية.

غير ان الامارات ودول الخليج استشعروا جميعا مخاطر عقدة »الضعف والتردد وممالأة ايران« خاصة في ضوء غياب العراق وقوتها العسكرية، وفي ضوء الجدل والخلافات العقيمة بين دول اعلان دمشق وما ادى اليه من تأخير حشد آلياته على صعيد الدفاع والتصدي لمهددات الامن في الخليج.

وهكذا لم تكتف دول الخليج في اجتماع وزراء خارجيتها مؤخرا بجدة برفض العدوان الايراني صراحة باعتباره انتهاكا لسيادة ووحدة اراضي دولة الامارات وزعزعة امنها واستقرارها فحسب، ولكن بمطالبة ايران كذلك بالانسحاب الكامل من جزيرة ابوموسى وجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، والتهديد باللجوء لعرض المشكلة برمتها على مجلس الامن، وهو الموقف نفسه الذي تضمنه بيان اجتماع وزراء خارجية دول اعلان دمشق في الدوحة، وقرارات مجلس الجامعة العربية هذا الاسبوع.

لكن ايران صعدت تجاوزاتها الى حد الضم والاستيلاء بالقوة لجزيرة ابوموسى، ومن ثم اتسم رد الفعل الاماراتي لأول مرة بالقوة في مواجهة ايران، ليس القوة العسكرية ولكن قوة التحرك الدبلوماسي على الصعيد الخليجي وعلى الصعيد القومي والدولي.

صحيح انه كان من المنتظر ان تبادر الامارات بعد ان اعلنت موقفها الحاسم، وبعد ان نال دعما خليجيا جماعيا، واجماعا قوميا، الى التقدم فورا لعرض المشكلة امام مجلس الامن خاصة بعد ان اكتسبت قراراته الفاعلية التنفيذية خلال ازمة الخليج، لكن على ما يبدو ان الامارات لاتزال تفضل استيفاء شعرة معاوية مع ايران.

وكان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الامارات قد اجرى اتصالا مع الرئيس الامريكي جورج بوش حول المشكلة وقيل انه تلقى ردا في رسالة مكتوبة تؤكد التضامن الامريكي مع الامارات خلال تقديم سفير امريكا اوراق اعتماده اعرب فيها عن سعادته للعمل مع الشيخ زايد على الصعيد الثنائي، وعلى صعيد الامم المتحدة لمواجهة تحديات الفترة الجديدة، والالتزام بصورة وثيقة مع الاصدقاء في الامارات، وهو ما يعني ان كافة الاحتمالات واردة بشأن التدخل الامريكي في النزاع، وان كان معظم المراقبين يستبعدون التدخل العسكري من جانب امريكا او بريطانيا او فرنسا.

وتؤكد مصادر مطلعة وثيقة الارتباط بمجريات الساحة الايرانية وتعقيداتها، على ان تمد يد طهران نفوذها في جزيرة ابوموسى وافتعال ازمة بشأنها في هذا التوقيت مع الامارات وزرع عدم الثقة والشكوك في علاقتها المتحسنة مع دول الخليج، انما يأتي وليد ظروف ودوافع وضغوط داخلية وخارجية يتعرض لها الرئيس رفسنجاني في الآونة الاخيرة.