جريدة السياسة 15/10/1992

 

ما معنى الاستيلاء على »ابوموسى« وضمها كما فعلت بغداد في الكويت؟

 

هكذا وببساطة ومن دون ضجيج قامت ايران بإحكام سيطرتها على جزيرة ابوموسى الاستراتيجية الواقعة قرب مضيق هرمز والتابعة لدولة الامارات العربية المتحدة، ولعل المغزى الحقيقي للتحرك الايراني هو اصرار طهران على فرض نفسها كقوة يحسب لها حساب في الخليج في وقت تعمل فيه الولايات المتحدة على وضع الترتيبات الامنية الاقليمية في المنطقة، حيث يبدو حتى الآن بأن واشنطن مازالت تعلن وبشكل مباشر عن عزمها على تعزيز وجودها العسكري في الخليج بهدف معلن هو مواجهة العراق.

ولكن إذا ما ارادت الولايات المتحدة تطمين الدول العربية الخليجية حول امنها الاقليمي فإن عليها ايضا ان تعطي اهتماما الى التحركات الايرانية الاخيرة، وخاصة ان طهران مازالت تظهر حرصا شديدا على احكام سيطرتها على جزيرة »ابوموسى« الاستراتيجية والتي تقع عند مدخل الخليج العربي بين ايران ودولة الامارات العربية المتحدة، وإمعانا في التحدي فقد قامت ايران بضم جزيرة »ابوموسى« في شهر ابريل الماضي بعد ان اجبرت جميع المقيمين في الجزيرة على النزوح منها ومع ان التقارير الاولية افادت بأن ايران قد طردت جميع مواطني الامارات من الجزيرة، إلا ان الاستراتيجية الايرانية مع ذلك كانت تبدو غير مباشرة بهذا الشأن، ففي نهاية شهر رمضان الماضي قامت السلطات الايرانية بإلغاء تصاريح عمل واقامة جميع الاجانب العاملين في الجزيرة حيث ينتمي معظم هؤلاء الى الجنسية الهندية ويعملون في محطات القوى ومعامل تحلية المياه والتي كان يتم تشغيلها لمصلحة مواطني دولة الامارات العربية المتحدة في الجزيرة.

وكانت ايران قد حصلت على موطئ قدم لها في جزيرة »ابوموسى«، وجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى لأول مرة في شهر نوفمبر من عام 1971 وذلك قبل يوم واحد من انسحاب القوات البريطانية من امارات الساحل المتصالح.

وكان احتلال شاه ايران السابق محمد رضا بهلوي لجزيرة ابوموسى التابعة لإمارة الشارقة وجزر الطنب التابعة لرأس الخيمة يشكل من وجهة النظر الشاهنشاهية بديلا عن مطالبة ايران في البحرين، فتحت الضغط والاكراه قام حاكم الشارقة بتوقيع اتفاقية نوفمبر عام 1971 والتي تم بموجبها الاحتفاظ بسيادة شكلية على بعض اجزاء الجزيرة، بينما كانت السيادة الفعلية لإيران وان كان سكان الجزيرة بقوا من الناحية القانونية تابعين لحاكم الشارقة والذي كان يدير ايضا الاجزاء الاخرى من الجزيرة والتي لم تخضع للسيطرة الايرانية، كما ان عائدات الجزيرة من النفط كانت تقسم بالتساوي بين ايران وامارة الشارقة.

ورغم ان انتاج الجزيرة من النفط كان في احسن حالاته يصل الى حوالي 60،000 برميل يوميا منذ ان بدأ الانتاج في تلك الجزيرة عام 1974 إلا ان هذا الانتاج تراجع الآن حيث يتراوح بين 5000 ــ 8000 برميل يوميا.

وتقع جزيرة »ابوموسى« في وسط الخليج الاسفل وعلى بعد 56 كيلومترا من شواطئ الشارقة وعلى بعد 70 كيلومترا من الشواطئ الايرانية، كما انها تقع في وسط ممر ناقلات النفط التي تنقل النفط من الخليج العربي الى العالم.

وحتى ابريل الماضي كان الجزء الخاص بالامارات من الجزيرة لا يضم سوى 2000 نسمة معظمهم من العرب الذين ينتمون الى قبيلة القواسم اما بقية المقيمين في الجزيرة فكانوا من العمال الاجانب.

اما عرب »ابوموسى« ومعظمهم يحمل جنسية الامارات العربية المتحدة وتابعين لإمارة الشارقة فقد تم توفير مدرسة لهم بالإضافة الى مصنع لتحلية المياه ومحطة للكهرباء ومخفر للشرطة.

اما الجانب الايراني من الجزيرة  فقد اقامت فيه طهران قاعدة لحرس الثورة الايراني وفيلقا للقوات البحرية، وخلال الحرب العراقية الايرانية فقد كان يرابط عند شواطئ الجزيرة عدد من الزوارق السريعة والتي كانت تستعمل في الهجوم على خطوط الملاحة الدولية.

اما ردود فعل دولة الامارات العربية المتحدة على احكام السيطرة الايرانية على كامل جزيرة »ابوموسى« فقد تمثل بإيفاد وزير خارجيتها راشد عبدالله النعيمي الى طهران، إلا ان ايران مع ذلك رفضت التفاوض مع دولة الامارات العربية حول هذه القضية، حيث وضح المسؤولون الايرانيون بأن نزاعهم حول هذه المسألة هو مع امارة الشارقة فقط، وردا على هذه المزاعم فقد اجتمع المجلس الاعلى الحاكم لدولة الامارات العربية المتحدة في شهر مايو الماضي واعلن بأن الامارات كدولة متحدة مسؤولة عن جميع الالتزامات الدولية الخاصة بالدول الاعضاء كما رأت الامارات ايضا ألا تصعد الخلاف وحاولت الدخول في مفاوضات مباشرة مع ايران بدلا من طلب وساطة الامم المتحدة او التدخل الامريكي، ولعل مرد ذلك الى ان علاقة ايران بجميع دول مجلس التعاون الخليجي بما في ذلك المملكة العربية السعودية قد تحسنت بشكل عام منذ الغزو العراقي للكويت عام ،1990 وكانت الدول العربية حريصة على حياد ايران خاصة وهي تواجه صدام حسين، وبعد ان اكدت تقديرات الامم المتحدة بأن اعادة تعمير ايران سيكلف حوالي 97 مليار دولار امريكي، فإن البنوك في البحرين قد اعلنت بوضوح استعدادها للمساهمة في اعادة تعمير ايران، فيما وافقت دولة قطر على النظر في امكانية اقامة مشروع لنقل المياه من ايران الى قطر بتكلفة اجمالية قدرها حوالي 1،5 مليار دولار امريكي، اما عبدالوهاب غالادري واولاده في دبي فقد تعهد ببناء مصنع للبتروكيماويات في ايران قدرت تكاليفه بحوالي 450 مليون دولار امريكي.

وإذا ما اخذنا تنامي العلاقات التجارية بين ايران ودول مجلس التعاون الخليجي في الاعتبار، فإن الاجراء الايراني في جزيرة »ابوموسى« يبدو غامضا تماما، ففي شهر ابريل الماضي قامت طائرات سلاح الجو الايراني بقصف قاعدة لحركة مجاهدي خلق الايرانية المعارضة في العراق، كما قام سلاح البحرية الايرانية بمناورات كبيرة في منطقة الخليج الاسفل، ولعل ما يمكن استنتاجه من تسلسل هذه الاحداث هو ان ايران تعمل على استغلال التوتر في المنطقة للانتقام من العراق وحلفائه السابقين في المنطقة، فخلال عقد الثمانينات بذلت ايران جهودا مضنية ولكن من دون جدوى من اجل ادانة العراق باعتباره المعتدي في حرب الخليج، ولكن بعد هزيمة العراق على يد قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بعد غزوه للكويت، حيث خلق هذا الغزو فرصة للامين العام للامم المتحدة في ذلك الوقت خافير بيريز دي كويلار والذي استقال في ديسمبر من عام 1991 ليعلن مسؤولية العراق عن الحرب.

وحيث انه بات من المستحيل على ايران الحصول على تعويضات من العراق، لذا، فإنه لم يكن بد امام ايران سوى التملق لدول مجلس التعاون الخليجي لتصبح هذه الدول مصدرا للقروض الميسرة لتمويل المشروعات الايرانية، فطبقا لبعض المصادر الصحافية، فإن ايران تريد تعويضات من دولة الامارات العربية المتحدة وذلك بسبب الاضرار التي لحقت بها على يد العراقيين اثناء حرب الخليج، كما ان الحكومة الايرانية لم تنس ان اعادة جزيرة »ابوموسى« الى امارة الشارقة وجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى الى رأس الخيمة كانت تمثل احد الاهداف التي اعلنها صدام حسين لحربه مع ايران والتي غزاها في شهر سبتمبر من عام ،1980 كما لم تنس ايران الدعم اللوجستيكي الذي قدمته دولة الامارات العربية المتحدة للبحرية الامريكية عام ،1988 عندما قامت السفن الحربية الامريكية بضرب الاسطول الايراني في الخليج واسقاط طائرة ركاب مدنية ايرانية في المنطقة من نوع »ايرباص«.

وبالطبع، فإن تأثير ضم جزيرة »ابوموسى« الى ايران لا يقارن بمحاولة العراق ضم الكويت، فإيران لم تشر الى مزيد من السيطرة على اجزاء اخرى من دولة الامارات العربية المتحدة كما انها لم تدع ملكيتها لحقل مبارك للنفط والغاز المجاور، ولكنها بالتأكيد وضعت في اعتبارها بأن تركيز جميع الانظار على صدام حسين سيتيح لطهران تأكيد اهميتها كقوة اقليمية في المنطقة.

ومع رغبة روسيا واوكرانيا الملحة في بيع المزيد من الاسلحة الحديثة والمعقدة من اجل الحصول على العملات الاجنبية، فإنه لم يعد امام ايران اي عقبة لإعادة بناء قواتها المسلحة.

وبهذا الصدد يعتقد الخبراء العاملون في معهد الدراسات الاستراتيجية في لندن بأن ايران قد طلبت في العام الماضي ما مجموعه 75 طائرة مقاتلة متقدمة على الاقل من روسيا بالإضافة الى عدد 200 دبابة من نوع تي - ،72 وإذا صحت التقارير القائلة بأن جمهورية روسيا الاتحادية قد باعت جمهورية ايران الاسلامية عددا من الغواصات، فإن هذا يعني ان ايران ستصبح القوى البحرية الرئيسية في الخليج، فالتسليح الجديد سيكون ذا تأثيرين، الاول يعني ان التسليح الروسي لإيران سيجعل من الاخيرة القوة الرئيسية التي ستتحكم في امن المنطقة وذلك نظرا لتفوقها الجوي والبحري، فمنذ الثورة الاسلامية عام ،1979 فإن ايران كانت نادرا ما تمتلك اكثر من 100 طائرة مقاتلة جاهزة في آن واحد للخدمة، اما التأثير الثاني، فيكمن في ان ان القوة الايرانية ستعمل على تحدي البنية الامنية الجديدة التي افرزتها حرب تحرير الكويت، فأمن الخليج الآن تمسك به بإحكام الولايات المتحدة وحلفاؤها الاطلسيون وهؤلاء لا تنقصهم الشكوك حول النوايا الايرانية، فبعد مرور اكثر من عشرين عاما على انسحاب بريطانيا من منطقة الخليج، مازالت القوى الاقليمية في المنطقة غير جديرة بالثقة لتوفير الامن لبقية الدول، فمع احتلالها لجزيرة ابوموسى بالكامل فقد اظهرت ايران بأنها تعمل بالدرجة الاولى للالتفات الى مصالحها الذاتية خاصة في ظل الترتيبات الامنية الجديدة التي بدأت ملامحها تظهر بصورة واضحة بعد حرب تحرير الكويت.