مجلة الحوادث 30/4/1993

 

اعلان ايران سيادتها على جزر الخليج

يعيد الالغام الى مضيق هرمز

 

هل ترفع الامارات النزاع الى مجلس الامن؟

 

اعطت الدوائر السياسية المراقبة في الغرب تفسيرات متباينة للخطوة التي اقدم عليها مجلس الشورى الايراني بتبنيه القانون الجديد الذي يحدد المياه الاقليمية الايرانية  في الخليج وبحر عمان بـ  12 ميلا بحريا، مما يعني ان ايران اعلنت سيادتها النهائية على الجزر الواقعة في الخليج الشرقي وعلى ابواب مضيق هرمز الحيوي للملاحة الدولية، هي خطوة باطلة من وجهة نظر قانون البحار الدولي، لأن الجزر المعنية هي موضوع نزاع عالق بين ايران ودولة الامارات العربية المتحدة.

ويذهب بعض هذه الدوائر الى اعتبار الخطوة الايرانية رسالة هدفها الاول ازعاج الحكومات الغربية، وخصوصا الحكومة الامريكية، التي ركزت في المرحلة الاخيرة على »الخطر الايراني« وعلى العلاقة الايرانية  بالحركات الاسلامية المتطرفة، ووجهت الى طهران اتهامات بتشجيع الارهاب ورعايته، الى غير ذلك من مظاهر الحملة المركزة على الجمهورية الاسلامية، اكثر مما اعتبرها تسخينا للخلاف حول السيادة على هذه الجزر مع الامارات العربية المتحدة.

وقد التقت الدوائر العربية السياسية مع زميلاتها الغربية  في هذا التقييم، واعتبرت القانون الايراني الجديد حجرا يراد له ان يصيب عصفورين في وقت واحد. فهو من جهة رسالة ازعاج الى الغرب عموما، وبالون اختبار الى الادارة الامريكية الجديدة خصوصا وهو من جهة ثانية امتحان لاعصاب دولة الامارات العربية المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي التي تقف صفا واحدا الى جانب الامارات في هذا النزاع، وتربط اي عملية تطبيع لعلاقاتها مع طهران بتسوية قضية الجزر، فضلا عن كونه بمنزلة تحد موجه الى الجزيرة العربية ككل الذي اعلن مجلسها الاخير تأييده للحق الاماراتي في السيادة على الجزر.

وفي ما نصحت مراجع قانونية الامارات العربية المتحدة بأن تقدم على خطوة مقابلة فتحدد مياهها الاقليمية في الخليج بمسافة مماثلة للمسافة التي حددها القانون الايراني مما يؤدي الى بطلان الادعاء الايراني بالسيادة على الجزر. ابدت مراجع عربية مراقبة استغرابها لتوقيت الخطوة الايرانية التي جاءت في وقت كانت الامور على الطبيعة في جزيرة ابوموسى تتجه للعودة الى طبيعتها، وكانت الاتصالات الدبلوماسية الهادئة تشير الى اتجاه المسألة نحو الحلحلة بل ان بعض المعلومات تحدث عن عودة رجال الامن والجمارك الاماراتيين الى الجزيرة لممارسة اعمالهم الاعتيادية التي كانوا يقومون بها فوق الجزء الواقع تحت مسؤوليتهم من الجزيرة قبل ان تضع القوات الايرانية يدها عليها كاملة الصيف الماضي مما اضطر الاماراتيين الى اخلائها ذلك في وقت تشارك ايران بحضور كثيف في معرض ابوظبي الدولي »اديف 93« مما اعتبره المراقبون دليلا على تحسن العلاقات بين البلدين.

ويعود النزاع بين الامارات وايران حول السيادة على الجزر وخصوصا جزيرة ابوموسى الى العام ،1971 حين عمدت القوات الايرانية الى احتلالها في اعقاب الرحيل البريطاني عن المنطقة، وانسحاب قوات المملكة المتحدة من الجزر حسب مقتضيات الاتفاق مع حكام المشيخات المتصالحة السبع في ذلك الزمن، غير ان التوتر الذي نتج عن هذا الاحتلال لم يستمر طويلا، فقد توصلت ايران وحاكم الشارقة (قبل اعلان دولة الامارات العربية المتحدة بسنتين) الى تسوية للسيادة على جزيرة ابوموسى قضت برفع العلم الايراني على القسم المقابل للسواحل الايرانية في الجزيرة. ورفع علم الشارقة (ثم في ما بعد الامارات) على القسم المقابل لسواحل الامارة التي تعتبر الجزيرة واقعة في مياهها الاقليمية، وبالتالي تقاسم السيادة على الجزيرة بين الطرفين، وقد ظل هذا الاتفاق ساري المفعول بعد اعلان اتحاد الامارات السبع في العام 1973. اما الجزيرتان الاخريان فقد اعتبر موضوعهما معلقا.

وقد اثيرت قضية الجزر الثلاث وحق السيادة عليها اكثر من مرة خلال عهد شاه ايران محمد رضا بهلوي الراحل، كذلك بعد الاطاحة به وقيام الجمهورية الاسلامية في ايران منذ نهاية السبعينات غير ان القضية تفجرت بشكل واسع في اعقاب حرب تحرير الكويت، وخلال الصيف الماضي حين ارسلت ايران قواتها المسلحة لتحتل جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، فضلا عن تعزيزها لوجودها العسكري في جزيرة ابوموسى واخلائها من الوجود الاماراتي.

وقد تسبب هذا التصرف الايراني في توتر العلاقات بين طهران وابوظبي والقى بظلاله فوق مجمل علاقات دول مجلس التعاون الخليجي العربية التي قدرت وقوف ايران الى جانب التحالف الدولي بمواجهة الاحتلال العراقي للكويت ورأت فيه دليلا على رغبة ايرانية في تطبيع علاقاتها مع معظم هذه الدول، وهي علاقات سادها الحذر والريبة بعد ظهور طموحات ايرانية بتصدير الثورة الى ابعد من حدود الجمهورية الاسلامية، خلال فترة سيطرة مرشد الثورة آية الله الخميني على القرار فيها.

وقد تطلب الاحتلال الايراني لجزيرتي طنب الصغرى وطنب الكبرى، واجراءاتها في جزيرة ابوموسى، ان يقوم رئيس دولة الامارات العربية المتحدة بجولة عربية مصغرة حملته الى القاهرة والى جدة والى دمشق فضلا عن رسائله الشخصية الى قيادات دول عربية وخليجية اخرى، من بينهم السلطان قابوس بن سعيد الذي تحتفظ بلاده بعلاقات طيبة مع ايران وكانت نتائج هذه الجولة ذات اثرين: »الاثر الاول هو بلورة موقف خليجي وعربي داعم لموقف الامارات في قضية الجزر، وشاجب للاحتلال الايراني لها، والأثر الثاني هو نشاط المساعي العربية الذي تقدمتها دمشق ومسقط لتجميد التوتر الذي نتج عن التصرف الايراني، ولفتح الطريق امام تسوية النزاع بين البلدين بالطرق الدبلوماسية السلمية، وهو مبدأ اعلنت الامارات العربية المتحدة التزامها به منذ البداية.

وبالفعل فقد نجح الموقف العربي الواحد الى جانب الامارات والمساعي التي بذلتها سوريا وسلطنة عمان في حمل الطرفين على مباشرة عملية التفاوض للوصول الى تسوية للنزاع، وعقدت في ابوظبي جولة اولى من المفاوضات تقدم كل طرف فيها بمطالعته. وقد انطلق موقف الامارات خلال هذه المفاوضات من حقها الثابت في السيادة على الجزر، والمدعوم بالوثائق التاريخية التي تثبت ملكيتها لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى واعلنت ابوظبي انها بالنسبة الى جزيرة ابوموسى تلتزم منطوق اتفاق 1971 الموقع بين الشارقة وايران.

واقترحت الامارات ثلاث صيغ للتفاوض تقضي الاولى بالتفاوض على مسألة الجزر الثلاث دفعة واحدة والتوصل الى تسوية للنزاع حولها مرة واحدة، فيما تقضي الثانية بالتفاوض حول قضية ابوموسى وحدها ورفع النزاع على الجزيرتين الاخريين الى محكمة العدل الدولية او اعتماد الصيغة الثالثة بالبدء بقضية ابوموسى وبعد الاتفاق حولها مباشرة التفاوض حول تسوية للنزاع على الجزيرتين الاخريين، لكن ايران تمسكت بموقف واحد، وهو رفضها التفاوض حول جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى وحصر الموضوع بجزيرة ابوموسى وحدها، انطلاقا من ادعائها بالسيادة الكاملة على الجزيرتين الاخريين، مع ان الوثائق الاماراتية تؤكد العكس.

وقد علقت المفاوضات والمساعي عند هذا الحد، مما حمل دولة الامارات على التلويح برفع القضية كلها الى الامم المتحدة التي وضعتها ابوظبي في صورة القضية بكاملها.. الى ان جاء القانون الايراني الاخير لينفض الرماد عن جمر القضية ويصب عليها نار التوتر من جديد وخصوصا ان الخطوة الاخيرة التي اقدم عليها مجلس الشورى الايراني تحسم من طرف واحد قضية السيادة على الجزر وتضعها في يد طهران مرة واحدة من دون اي مسوغ قانوني، او اي سند حقوقي، فضلا عن انها تفتح من جديد جرحا قديما اسمه حق السيادة على مياه الخليج والتحكم في مضيق هرمز الحيوي وهو موضوع لا يعني الامارات العربية المتحدة وحدها بل يعني دولا خليجية اخرى في طليعتها سلطنة عمان بصورة مباشرة، وبقية دول مجلس التعاون الخليجي بشكل عام، فضلا عن كونه يعني كثيرا الدول الغربية المستوردة للنفط العربي (والايراني) والتي تعتبر مياه الخليج مياها دولية ومضيق هرمز ممرا حيويا لامداداتها النفطية الحيوية هي الاخرى.

وهكذا، تفتح ايران بتصرفها باب المنطقة من جديد ليس فقط امام رد اماراتي حاسم ينقل النزاع معها حول الجزر الى ايدي الشرعية الدولية الممثلة بالامم المتحدة ومجلس الامن، بل امام المواجهات الساخنة الاوسع بالرغم من ان ابوظبي تبدو وكأنها التزمت جانب التريث في اظهار رد فعلها على الاعلان الايراني الاخير.

 

سامي الحاج