جريدة الوطن 9/11/1992

 

طهران تعتقد ان الاجواء الدولية تسمح لها بلعب دور شرطي الخليج!

احتلال ابوموسى خطوة ايرانية نحو تحقيق الحلم الامبراطوري

 

القاهرة ــ مكتب الوطن ــ عماد صبحي:

في اغسطس الماضي، ووسط بوادر انفراج في العلاقات الخليجية ــ الايرانية فاجأت ايران العالم بإبعادها سكان الجزء العربي من جزيرة ابوموسى الذي تديره امارة الشارقة التي هي جزء من دولة الامارات العربية المتحدة ورغم اختلاف الخبراء في تحليلهم لموقف ايران إلا انهم يجمعون على انها اعادت بهذا الاجراء فتح ملف الاطماع الايرانية في الخليج من جديد، ويستندون في ذلك الى موقفها الرافض للانسحاب من الجزء الذي احتلته او عرض النزاع على جهات قضائية دولية.

ازمة ابوموسى كما يؤكد الخبراء تتجاوز اطار النزاع الحدودي بين دولتين ليعكس رغبة ايران في استعراض عضلاتها وتحقيق الحلم الامبراطوري القديم بلعب دور شرطي الخليج وسط اجواء دولية تعتقد انها تسمح لها بذلك.

وازاء هذا الموقف الايراني تطرح تساؤلات عديدة نفسها عن دلالات ومغزى اختيار ايران لهذا التوقيت؟ وهل ستعيد دول الخليج على ضوء هذا الموقف الايراني موقفها من دخول ايران في الترتيبات الامنية؟

الاطماع الايرانية في الخليج ترجع ــ كما يقول د. جمال زكريا قاسم استاذ التاريخ بجامعة عين شمس الى القرن الثامن عشر عندما كانت قبائل القواسم وبني كعب وبني تميم تنتشر على الساحل الشرقي للخليج وكان الساحل الشرقي في ذلك الوقت عربيا لأن الفرس كانوا لا يميلون الى البحر وكانوا منعزلين داخل الهضبة الايرانية، لذلك اصبحت السواحل مكشوفة للنشاط الملاحي والتجاري العربي وهاجرت هذه القبائل من وسط الجزيرة وبدأت تكون تنظيمات سياسية من الكويت حتى مضيق هرمز وتكونت امارات كبيرة ابرزها امارة لنجة التي كانت تعتبر عاصمة للعرب في الساحل الشرقي للخليج »الساحل الايراني« وعند مضيق هرمز كانت امارة عمان تدير مناطق بندر عباس وقشم.

وسهل تكون هذه التنظيمات ــ يضيف د. جمال ــ ان الوضع في فارس كان على شكل امبراطوريات واسر حاكمة وبالتالي كانت تترك هذه العناصر باعتبارها جزءا من التنظيم الامبراطوري.

ولكن مع قدوم رضا خان مؤسس الحكم البهلوي اتجهت ايران الى الحكم المركزي وانتهج سياسة قومية وعنصرية فبدأ عملية »تفريس« للساحل الشرقي وازال امارة عربستان من الوجود وهجر العرب بشكل قسري واستبدلهم بأسر فارسية عاشت في المنطقة وبدأ يطبق التعليم الايراني وقبل ذلك كانت الامارات الاخرى في الجنوب قد سقطت واصبح الساحل الشرقي فارسيا، ورغم ذلك استطاع »القواسم« الاحتفاظ بالجزر الثلاث،  ابوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، ولم تسقط تحت السيطرة الايرانية وانما استمرت تحت الحكم العربي.

وقبل ان تعلن بريطانيا الغاء جميع معاهدات الحماية التي كانت تربطها بالخليج في ديسمبر عام 1971 بيوم واحد احتلت ايران الجزر الثلاث، وجرت مفاوضات بين الشارقة وايران طرح خلالها بعض الافكار كأن تسيطر ايران على اجزاء من ابوموسى على ان تكون السيادة الكاملة للشارقة ويرفع علمها عليها وان تدفع ايران للشارقة تعويضا قدره 1،5 مليون جنيه استرليني نظير اقتسام النفط الذي يتم اكتشافه في الجزيرة بالتساوي بين ايران والشارقة، وبعد ان رفضت كل هذه الصيغ وقع الطرفان على اتفاقية تنص على انه: لا ايران ولا الشارقة ستتخلى عن المطالبة بأبوموسى ولن تعترف اي منهما بمطالب الاخرى، وارسل حاكم الشارقة الشيخ خالد بن محمد القاسمي رسالة الى وزير خارجية بريطانيا تحدد الشروط التي قبلها بشأن الجزيرة المتنازع عليها ويسأل هل تقبل ايران بها؟ وارسل وزير الخارجية البريطاني رسالة بالموضوع الى وزير خارجية ايران عباس خلعتبري الذي رد عليه بالقبول في اليوم التالي.

ويختتم د. جمال زكريا حديثه قائلا: ولكن ايران اخلت بالاتفاقية التي وقعتها عام 1971 واعلنت انفرادها بالسيادة على الجزيرة وهو ما ادى الى عودة النزاع مرة اخرى.

 

عوامل اغراء

 

ولكن.. هل كانت المعطيات الدولية الراهنة عاملا اغرى ايران بالاقدام على هذه الخطوة؟

اجابة الدكتور حسن نافعة استاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة لا تلغي ذلك فإيران ــ كما يقول ــ استفادت من ازمة الخليج استفادة كبرى، بمعنى ان العراق اضطر ــ بسبب تداعيات احتلاله للكويت ــ ان يعطي لإيران كل ما كانت تطالب به، ثم تمكنت في ثنايا ازمة الخليج من الخروج من عزلتها الدبلوماسية، واتضحت اهميتها الدبلوماسية على نحو كبير اثناء الحرب وكانت هناك محاولات لتحييدها وبالتالي الاستجابة لبعض مطالبها وخاصة ما يتعلق بإنهاء العزلة التي كانت مفروضة عليها.

واستفادت ايضا من انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، واصبح لها نفوذ واضح في دول وسط آسيا الاسلامية وايضا بعد انهيار الحكم الشيوعي في افغانستان، فالأهمية الاقليمية لإيران ادت الى تضخيم ادراكها انه آن الاوان لممارسة مزيد من الضغط على دول الخليج خصوصا في ظل الحصار المستمر والمفروض على العراق.

ووجدت ايران في ذلك فرصة لممارسة مزيد من الضغط على دول الخليج اما لتحقيق مكاسب اقليمية او لاشعار دول الخليج بأنها يجب ان تكون تحت الحماية الايرانية.

ويشير د. نافعة الى ان ايران ــ منذ التوقيع على اعلان دمشق ــ تخشى وجود صيغة لتحالف مصري ــ سوري ــ خليجي يمكن ان يكون نواة لإعادة بناء النظام العربي على اسس قوية ومتينة بحيث يصبح الامن الخليجي جزءا من الامن القومي العربي بطريقة افضل مما كان عليه الوضع قبل الحرب وهو ما لا تريده ايران وانما تريد ان تصبح الدولة الاقليمية الوحيدة التي يمكن ان تبسط حمايتها على دول الخليج.

وإذا لم تكن ايران تريد الضم السافر »لابوموسى« فإنها تريد تخويف بعض الدول العربية، وخاصة الامارات وممارسة الابتزاز عليها لكي تحول دون ان تثير مشكلات دول مجلس التعاون الخليجي وتضعف ما بين الخليج والقلب العربي مصر وسوريا.

ويضيف استاذ العلوم السياسية في تحليله لدوافع الموقف الايراني ان ايران تخشى النفوذ الامريكي في الخليج وتحاول باحتلالها ابوموسى ان ترسل اشارة بأنها قادرة على الحركة وان دول الخليج إذا تمادت في الاعتماد على الولايات المتحدة فلن يتحقق لها الامن بشكل دائم، وايران تبحث عن سياق اقليمي يصبح لها فيه دور القوة الاقليمية الكبرى وربما كان في الخطوة الايرانية محاولة لإرسال مثل هذه الاشارة لكي تجذب دول الخليج في احضانها.

 

الدولة والثورة

 

والموقف الايراني ــ  في رأي الباحث الدكتور السيد عليوة ــ يفسر عدة متغيرات داخل ايران نفسها ومتغيرات اقليمية ودولية، المتغيرات الداخلية تتعلق ــ كما يقول ــ بالصراع بين ايران الثورة وايران الدولة، من ناحية اخرى تحاول ايران من خلال المتغيرات الاقليمية ان تثبت مركزها باعتبارها القوة المهيمنة الاولى في المنطقة استمرارا لتوجهها مستغلة ظروف تدمير القوة العراقية بالإضافة الى رفضها اي دور عربي ــ مصري او سوري في الخليج، اضف الى ذلك ما يتردد عن سعي ايران لأن تصبح قوة نووية وفشلها في تحقيق المكاسب التي كانت تتطلع اليها في منطقة الجمهوريات الاسلامية التي انسلخت عن الاتحاد السوفييتي السابق وفوز تركيا بالجولة نسبيا.

ايران تستغل ايضا فترة الشلل النسبي في السياسة الامريكية بسبب المعركة الانتخابية وانشغال الامم المتحدة بمهامها الجديدة فيما يتعلق بقضايا الاغاثة في الصومال والبوسنة والهرسك ومحاولة ايقاف النزاعات المسلحة.

وايران تحاول ان تؤكد هيمنتها العسكرية والاستراتيجية على مضيق هرمز ومدخل الخليج وهو خط ثابت في السياسة الايرانية منذ عصر الشاه ولم تنجح الثورة الاسلامية في تجاهله.

ويعتقد د. عليوة ان اية ترتيبات امنية في الخليج في التحليل الاستراتيجي لابد ان تؤخذ في الاعتبار لكنه يفرق بين الاتفاق على ترتيبات متبادلة وعلاقات متكافئة للحفاظ على الامن الجماعي وبين هيمنة قوة اقليمية على الميزان في المنطقة.

ورغم ان د. عليوة يؤكد صعوبة عودة الاوضاع في الخليج الى ما كانت عليه قبل الغزو العراقي للكويت بسبب الوجود المكثف للقوى الدولية ومعالم النظام الدولي الجديد الذي تقوده الولايات المتحدة إلا انه يؤكد ايضا ان استمرار تردي الاوضاع العربية والاقليمية يجعل من تنامي النفوذ والتهديد الايراني امرا واردا حتما.

 

قوة متنامية

 

وتمتلك ايران حاليا قوة عسكرية تتفوق كما يقول الخبير الاستراتيجي اللواء احمد عبدالحليم على القوة العسكرية لكل دول الخليج العربي بما فيه العراق.

وفي الوقت نفسه لم يتم التوصل الى صيغة نهائية لتطبيق اعلان دمشق الامر الذي يجعل الدول العربية غير الخليجية بمعزل عن امكانية التعامل مع هذا الموقف السياسي والاستراتيجي، وايران كما يوضح الخبير الاستراتيجي في اقوى اوضاعها السياسية والاستراتيجية والعسكرية فحجم النفقات العسكرية في ايران والذي كان يرتفع بنسبة 10% سنويا منذ انتهاء الحرب العراقية  - الايرانية قفز فجأة بعد حرب الخليج بمعدل 80% وينتظر ان يبلغ حجم المبالغ المخصصة لتطوير القوات المسلحة حوالي 9،4 مليار دولار.

ويعتقد اللواء عبدالحليم ان احتلال ايران لأبوموسى تطبيق للاستراتيجية الايرانية المستمرة منذ عهد الشاه السابق والقائمة على ضرورة ان تصبح قوة اقليمية عظمى في المنطقة ومن دعائمها السيطرة على معظم النفط المنتج واحكام قبضتها على طرق المواصلات البحرية التي تنقل هذا النفط الى موانئ التصدير والاستيلاء على ابوموسى يأتي في اطار هذا الهدف الاخير اضافة الى اهدافها السياسية والاستراتيجية الاخرى.

ويضيف اللواء عبدالحليم ان هذه الخطوة الايرانية جاءت بعد حرب الخليج وظهور اجواء تشير الى امكانية اشراك ايران في ترتيبات امن المنطقة باعتبارها احدى الدول الخليجية.

وقد صدرت تصريحات متبادلة تبدي استعداد الطرفين للوصول الى تصور مشترك لهذه الترتيبات تقوم على المصالح المتبادلة والحفاظ على السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة ولكن في اعقاب عملية ابوموسى عاد التخوف مرة اخرى الى دول الخليج من الاطماع الايرانية.

ويعتقد الخبير الاستراتيجي ان دول الخليج ستعيد صياغة موقفها من ايران على ضوء ما حدث مؤخرا.

ويقول ان ايران تتعامل مع ازمة ابوموسى بمنطق الامر الواقع، احتلت الجزيرة ثم دخلت في مفاوضات لتثبيت هذا الامر الواقع.

ويشير الى ان مواقف الاطراف الدولية تجاه ازمة ابوموسى لم تكن بالمستوى المطلوب بل هناك بعض التصريحات الغربية التي تؤيد اشراك ايران في ترتيبات الامن في الخليج حيث ان لها اطول شواطئ على الخليج، ويضيف ان الموقف الدولي غامض حتى الآن بخصوص هذه الازمة ولم تصدر اي تصريحات تشجب العمل الايراني او تحركات سياسية لإصدار قرار من الامم المتحدة يدعو ايران الى اعادة الوضع الى ما كان عليه.

 

3 اساليب للحل

 

اخيرا، ما هو الاجراء الذي يمكن ان تتخذه دولة الامارات لكي تستعيد السيطرة على جزرها - بالطرق السلمية خاصة بعد ان اظهرت ايران - موقفا رافضا للانسحاب خلال المفاوضات التي اجرتها مع الامارات في اواخر سبتمبر الماضي.

د. صلاح عامر استاذ القانون الدولي يوضح ان الاحتلال الناجم عن استخدام القوة لن يكسب الدولة المحتلة سيادة على الاقليم المحتل مهما طال الزمن، ويشير الى انه ليس امام الامارات سوى اللجوء الى كافة السبل السلمية المتاحة لتأكيد سيادتها على الجزيرة.

ويؤكد ان الجزء المتنازع عليه بين الامارات وايران هو اجزاء من اقليم دولة الامارات وقيام السلطات الايرانية بوضع يدها على هذه الجزر واحتلالها بالقوة عمل يخالف احكام القانون الدولي ومبادئ ميثاق الامم المتحدة.

ومن سبل الحل اسلوب »التوفيق« لحل اي نزاع بين دولتين وهو اسلوب سياسي اكثر منه قضائيا وتقوم به لجنة مهمتها ايجاد حل توفيقي وهي وان كانت تنطلق في اساس عملها من مبادئ القانون الدولي إلا انها ايضا تقوم بإعمال الاعتبارات السياسية والحلول الوسط.

ويمكن للامارات اما عن طريق التحكيم او عن طريق القضاء الدولي، وفي التحكيم تتفق الامارات وايران على تشكيل هيئة قضائية تتكون من عدد من المحكمين »محكم من كل جانب والثالث بالاتفاق بين الدولتين« ويعرض كل طرف اسانيده وحججه ويكون حكم هيئة التحكيم ملزما للطرفين، اما في اسلوب التسوية القضائية فتلجأ الدولتان الى محكمة العدل الدولية بموافقتهما.

وهناك طريق ثالث للإمارات وهو ان تعرض مشكلتها على مجلس الامن وتطلب تطبيق الفصل السادس من الميثاق بتدخل مجلس الامن باعتبار ان احتلال ايران لجزرها يشكل تهديدا للسلم والامن الدوليين ويمكن لمجلس الامن ان يصدر قرارا ملزما بانسحاب ايران.