جريدة الاصلاح 17/9/1992

 

ابوموسى.. وحديث ذو شجون

 

كنا نظن ان صفحة النزاع والصراع قد طويت في الخليج الى غير رجعة، فلقد شاهد اهل الخليج وعلى كل ضفافه ما حدث بشعبي العراق والكويت وما حل بهما من خراب ودمار، وما اصاب اقتصادهما وثرواتهما من ضياع وتبديد بالإضافة الى الثمن الباهظ الذي دفعته المنطقة ككل والذي تدفعه حتى اليوم ففاتورة العمليات العسكرية قد تم دفعها بالكامل من قبل دول المنطقة يضاف الى ذلك خمسة عشر ملياراً من الدولارات ربحتها امريكا فقط وباعترافها ناهيك عن الارباح التي حققها الانجليز والفرنسيون وكل امم الارض التي ارسلت قواتها الى هذه المنطقة، ويا ليت الامر توقف عند هذا الحد فمسلسل الابتزاز ضد دول الخليج قائم ومستمر ودفع الفواتير لم يتوقف وخطوات الاختراق الاقتصادي والسياسي تتوالى على كل صعيد.

كنا نتمنى ان تكون المشاهد التي حفلت بها حرب الخليج الثانية، والصور المأساوية التي جلبتها مازالت محفورة في ذهن المواطن الخليجي، عربيا كان ام ايرانيا وان الكل سيعمل على استيعاب دروسها المريرة التي لم تتمخض إلا عن خراب ودمار وضياع انفس عزيزة واموال طائلة كان بإمكانها ان تغير وجه المنطقة.

عامان مرا رسخ فيهما لدينا الاعتقاد بأن مأساة العراق والكويت ستكون آخر الاحزان، وان اهل المنطقة الآن اكثر وعيا وادراكا بعدم جدوى هذه الصراعات الجانبية التي لا تلبث القوى الاجنبية ان تدس أنفها فيها وتحصد خيرات هذه النزاعات فيما يحصد ابناء المنطقة الموت والدمار.

إلا ان ظننا لم يكن في محله واتضح ان امانينا كانت (اضغاث احلام) فلانزال نجد الالغام في ارض الخليج توشك ان تنفجر في اي لحظة ومازلنا نجد النزاعات الحدودية تطل برأسها بين آونة واخرى حاملة معها نذر الشر المستطير والصراع المرير.

وها هو الخلاف من جديد حول جزيرة ابوموسى وجزيرتي طنب الصغرى وطنب الكبرى تلك الجزر الاماراتية التي اقدمت ايران الشاه على احتلالها عام 1971 قبل يومين فقط من اعلان استقلال الدولة في خطوة املتها معادلات القوة التي كانت قائمة آنذاك ووجود النفوذ البريطاني الذي ما اعتاد ان يترك ارضا ولا بلدا الا ويزرع فيها الالغام التي تؤمن عودته وتضمن رجوع نفوذه وتخلق المشكلات والفتن التي تستنفد خيرات الامم والشعوب وتختزل من قدراتها. ولما سقط الشاه عام 1979 وجاء النظام الذي يحمل الشعارات الاسلامية والذي غير اسم الدولة الى (جمهورية ايران الاسلامية) استبشر الناس خيرا وقالوا ان الالتزام بالإسلام وبحقوق الجيرة سيدفع الحكومة الجديدة في طهران ان تراجع مواقفها وان ترد الحقوق الى اصحابها لأن ذلك هو شأن المسلم فردا كان ام دولة إلا ان شيئا من ذلك لم يحدث وما لبث ان اندلعت الحرب العراقية ــ الايرانية، ووجدت ايران في الجزيرة مزايا استراتيجية كبرى ومقرا لبحريتها في المنطقة ووفقا للاتفاقية الموقعة  في عام 1971 بين حاكم الشارقة آنذاك وبين الحكومة الايرانية فإن نوعا من تقاسم السيادة ينشأ في الجزيرة وتناصف لعائداتها على ان يقرر امر عائديتها النهائية بصورة لاحقة، وفيما بعد. إلا ان الامارات فوجئت بأن السلطات الايرانية اخذت تتعنت في مواقفها الى الحد الذي رفضت فيه نزول مجموعة من مواطني وموظفي الدولة الى الجزيرة وابقتهم في عرض البحر ثلاثة ايام لم تراع فيه وجود طائفة من النساء والاطفال على ظهر السفينة مما اثار استهجان واستياء شعب الامارات العربية المتحدة.

ويبدو ان للموقف الايراني جذوره السياسية غير المعلنة، فدول الخليج ومنذ مدة تدرس خيارات عدة لتعزيز امنها ووضع استراتيجية دفاعية عن المنطقة تضمن سلامتها وترسخ السلام في ارجائها وتبعد عن هذه المنطقة شبح الصراعات وشرور الحروب والنزاعات، وكان هنالك طروحات عديدة واجتهادات متباينة حول نظرية الامن الخليجي قام بعضها على تحقيق علاقات اقليمية متميزة مع ايران على ان تنضم لهذه الصيغة العراق لاحقا عندما تقوم فيه حكومة معتدلة مسالمة، وكان هنالك طرح آخر يميل الى تبني اعلان دمشق مع مصر وسوريا كخيار عربي للأمن الخليجي، فيما ذهب البعض الآخر الى ضرورة تعزيز الصلات مع الدول الكبرى ذات الوزن العسكري فيما شدد الباقون على موضوع تعزيز القدرات الذاتية لدول الخليج وتعميق التنسيق والتعاون فيما بينها. ولقد اظهرت ايران رفضا قاطعا للاستعانة بأية قوات من خارج المنطقة، ورغم ان اللغة الدبلوماسية الايرانية كانت في غاية الليونة والاعتدال عند تناول الوجود الاجنبي الغربي إلا انها كانت في غاية القوة والرفض لأي وجود عسكري عربي في المنطقة. ويبدو ان طهران تريد بسلوكها الاخير في ابوموسى وضع نظرية الامن الخليجي على المحك، واشعار دول المنطقة بأن باب الامن في المنطقة لا يمر إلا عبر بوابة طهران، كما انها تريد الاثبات لبعض عواصم المنطقة بأن الخيار العربي الذي ينادي به البعض ليس ذا جدوى، وهنالك رأي آخر يذهب ابعد من ذلك، إذ يرى في السلوك الايراني نوعا من الشعور بالقوة يعبر عنه بمثل هذه التصرفات والتحديات. فإيران وبعد حرب الخليج والذي قضت بإقصاء الطرف العراقي من المعادلة العربية في الخليج قد مالت موازين القوة لصالحها ميلا كبيرا خصوصا في ضوء الانباء التي تتحدث عن مساعي التسليح الايرانية والتي قطعت شوطا كبيرا، فلقد استفادت ايران من انهيار الاتحاد السوفييتي، ورغبة الدول التي نشأت بديلا عنه بالحصول على الاموال بأي ثمن، والتخلص من كم السلاح الرهيب الذي تمتلكه لإطعام شعوبها، وقامت طهران بعقد المزيد من الصفقات التسليحية ذات الشأن مع كل من اوكرانيا وروسيا وبعض جمهوريات الاتحاد السوفييتي القديم الاخرى، ويقال ان بعض هذه الاسلحة يشتمل على غواصات نووية وطائرات واصناف اخرى ذات قيمة عسكرية كبرى ورغم ان الوضع الاقتصادي الايراني ليس في افضل حالاته فإن الاتفاق على التسليح يتزايد يوما بعد يوم ويقدر حجم هذا الانفاق بخمسة مليارات من الدولارات سنويا. ولقد حملت الانباء مؤخرا مساعي طهران للحصول على مفاعل نووي من بكين، وهو امر لو حدث فإنه كفيل بقلب كثير من المعادلات في المنطقة ولأن يجعل العديد من دول الخليج تفكر بإعادة حساباتها وموازناتها، إذاً وعلى ضوء هذا التحليل فهنا معادلة قوة جديدة تعبر عن نفسها في المنطقة وتطورات ابوموسى جزء من هذه المعادلة المستحدثة في الخليج.

بقي السؤال الذي يفرض نفسه، اين تقف الدول الغربية صاحبة المصالح من هذا النزاع ومن غيره من النزاعات التي قد تنشأ فيها؟ قد يتسرع البعض بالإجابة بأن موقف هذه الدول هو دائما مع الدول الصغيرة في الخليج والتي تربط دول الغرب بها علاقات سياسية وثيقة ومصالح نفطية واقتصادية راسخة ولكن الحقيقة غير ذلك، فعواصم الغرب تود استفحال هذه المشكلات وتعقدها، لا بل وتفجرها قبل ان تتفوه بكلمة واحدة او تعلن موقفا واضحا لصالح هذا او ذاك، ولقد صمتت عن التحركات العراقية ضد الكويت لا بل ان سفيرة واشنطن في بغداد ابريل جلاسبي اوحت لصدام حسين بأن الولايات المتحدة لن تحرك ساكنا إذا قامت قواته بغزو الكويت مما اسهم في دفعه للقيام بالغزو وعندما استغلت واشنطن خطأ الحسابات العراقية افضل استغلال، وكان الذي كان، الغرب اليوم مصاب بالحبور لتنامي النزعة العدوانية لدى طهران ولتنامي الخوف من الاخيرة في عواصم الخليج فهذه الحالة بشقيها تصب في طاحونة مصالحه اولا واخيرا، ومن هنا نجد صمت الغرب حتى تتعقد القضية وتصل الى حدود اللارجعة عندها يواصل ابتزاز الطرفين وتخويفهما واللعب عليهما بما يخدم مصالحه اولا واخيرا.

اننا في الوقت الذي نعبر فيه عن تأكيدنا لمبدأ سيادة الامارات العربية المتحدة على ارضها وجزرها وان هذه الارض والمياه هي اماراتية الانتماء بحكم القانون والتاريخ، وان شعبها هو من شعب الامارات، كما ان سيادتها من سيادته، إلا اننا في الوقت نفسه نطالب ايران بأن تتصرف وفق شعاراتها التي تنادي بإبعاد النفوذ الاجنبي عن المنطقة وقطع دابر الاجانب الذين يريدون الاصطياد في الماء العكر، لقد ثبت من ازمات المنطقة بأن التصرفات غير المحسوبة لأحد الاطراف في المنطقة هي التي تدعم النفوذ الاجنبي والتدخل الخارجي وتقدم له الدعوة للقدوم وان علاقات طبيعية متوازنة بين دول المنطقة هي التي تحد من هذا النفوذ وتقلم من اظافر هذا التدخل، اننا نطالب جمهورية ايران الاسلامية ودول الخليج العربي ان تظهر الوعي للنوايا الاجنبية الخبيثة التي تريد اشعال الفتن وتأجيج الصراعات في المنطقة من اجل تأمين مصالحها فيها والاجهاز على البقية المتبقية من استقلالها وثرواتها، ان حقائق التاريخ وقدر الجغرافيا وروابط الدين والجوار قد حكم على دول المنطقة بأن تتعايش في امن وسلام ومودة من اجل مستقبل شعوبها ومصالح ابنائها وان غير ذلك السلوك لن تحصد منه المنطقة سوى العواصف والأعاصير بينما يتأهب الطامعون لجني الفوائد والصفقات وانضاج شوائهم في حريق المنطقة لا سمح الله.