جريدة الدولية تاريخ 7/10/1992

 

بعد الجولة الفعّالة للشيخ زايد بخصوص النزاع مع ايران

ابوموسى امام الامم المتحدة

 

حكاية ايران مع الجزر الواقعة في الخليج ومع حدودها البحرية مع الدول العربية الواقعة على الطرف الآخر منه، حكاية قديمة ولعل مشكلة جزيرة ابوموسى التي ثارت مجددا الشهر الماضي تكون السبيل الى مفاوضات تضع حدا لنزاعات مماثلة في المستقبل.

 

القاهرة ــ ايمن نور:

اثناء استقبال الرئيس المصري حسني مبارك للرئيس السوري حافظ الاسد في زيارته الاخيرة للقاهرة، جرى اتصال هاتفي بين مبارك ورئيس دولة الامارات العربية المتحدة الشيخ زايد، انتهى بقيام وزير الدولة للشؤون الخارجية بالامارات بزيارة عاجلة لمصر ينقل فيها رسالة خطية من زايد لمبارك.

كان الرئيسان المصري والسوري قد استعرضا  في النقطة الثانية من جدول اعمال القمة موضوع جزيرة ابوموسى وما اقدمت عليه ايران لتأكيد احتلالها لكامل اراضي الجزيرة ونقل الرئيس السوري لنظيره المصري وجهة النظر الايرانية التي تلخصت في:

* ان ايران لديها معلومات مؤكدة تفيد عزم الامارات، منح تسهيلات عسكرية اجنبية على الجزيرة، وهو ما تراه ايران تهديدا للملاحة برمتها في الخليج وتهديدا لأمنها ايضا.

* انها  لا تعتزم التنازل عن ملكيتها للجزيرة في الوقت الراهن.

* ان ايران لديها استعداد لإجراء مباحثات مع امارة الشارقة على اعتبار تبعية الجزيرة لها.

* لن تتمكن ايران من فتح اية ملفات حول جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، باعتبارهما اراضي ايرانية.

وقال الاسد »ان الوساطة السورية التي استمعت لهذه الرؤية  لم تلق آذانا صاغية، بل حاولنا افهام الجانب الايراني انه لابد من حل الموضوع سلميا للحيلولة دون تدخل اطراف اجنبية وحتى لا تقوم الامارات بعرض الامر على مجلس الامن«.

وبان من تشاور الزعيمين ان ايران تريد فرض وجهة نظرها فقط في وقت تتعمد فيه الامارات تهدئة الموضوع، وكذا تعمد ايران لخلق تبريرات لجهة احتلال الجزيرة العربية.

وعلى ذلك جاءت رسالة الشيخ زايد لمبارك عقب لقائه مع الاسد مباشرة تدور حول امرين:

اولهما: رد رسمي من الامارات ينفي كافة  المزاعم الايرانية، ويوضح ان »محاولة ايران لبث الفرقة بين دول مجلس التعاون الخليجي بالإشارة الى اعتزام الامارات منح تسهيلات عسكرية لدول اجنبية على الجزيرة ما هي إلا مزاعم وكذب وافتراء«.

وأوضح الرد ان »دولة الامارات الاتحادية ترفض تماما وجهة النظر الايرانية بإجراء المباحثات حول مستقبل الجزيرة بين مسؤولين ايرانيين«.

وجدد الرد بشكل قاطع »سيادة الامارات على تراب الجزيرة. وتمسكها باتفاقية عام ،1971 ورغم تحفظها على بعض بنودها. إلا ان الامارات لم تسع لنقض بنود الاتفاقية، رغبة منها في تحسين اجواء العلاقات بين ايران من جهة ودول مجلس التعاون الخليجي من جهة اخرى.

ثانيا: قرر الشيخ زايد في مواجهة الادعاءات والمزاعم الايرانية ان يقوم بجولة عاجلة تشمل عدة دول عربية، تكون محطتها الاولى مصر بعد زيارته للمغرب لشرح تفاصيل وجهة النظر الاماراتية.

ولم تكد مصر تتسلم الرد الاماراتي الذي حمله وزير الدولة للشؤون الخارجية حتى بادرت بالتحرك على ثلاثة اصعدة.

على الصعيد السوري، ودفع دمشق لإقناع ايران بأهمية الحل الدبلوماسي بعيدا عن الاروقة الدولية.

على صعيد الخليج بادرت بالاتصال بالمملكة العربية السعودية للتنسيق معها حول الخطة العربية المقترحة لمواجهة المزاعم الايرانية.

على صعيد الاروقة الدولية جرت مشاورات بين مصر والولايات المتحدة وكذا مع الدكتور بطرس غالي، حيث اعرب الاخير عن عميق قلقه من تنامي الدور الايراني في المنطقة، وذلك خلال استقباله للدكتور نبيل العربي موفد مصر لدى الامم المتحدة.

وادركت ايران تصاعد ردود الافعال العربية، وبدأت بشن حملة هجوم مكثفة على مصر، حيث اتهمتها مجددا بالعمل ضمن الاطار الامريكي للسيطرة على الخليج، وهو ما حدا بأحمد نامق رئيس مكتب رعاية المصالح المصرية بإيران، الى توجيه رسالة شديدة اللهجة للدكتور علي ولايتي اشتملت على اعتراض مصر على ما تنشره الصحف الايرانية الموالية للحكومة من اتهامات ضد القاهرة ليس لها اي اساس من الصحة.

ولم يجد الرئيس رفسنجاني مفرا من الرضوخ لاقتراح الرئيس حافظ الاسد، وهو اجراء مباحثات دبلوماسية مع الجانب الاماراتي.

والتقت »الدولية« مع الدكتور عبدالله الاشعل نائب مدير المعهد الدبلوماسي التابع للخارجية المصرية، وأحد الفعاليات العربية المهتمة بمشكلات الحدود العربية، فقال:

»عندما نذكر الحدود بين ايران والدول العربية في الخليج فإن الذهن ينصرف الى حدثين يتعلقان بالحدود البرية، والى امرين يتصلان بالحدود البحرية.

ونقصد بالحدثين المتعلقين بالحدود البرية منازعات الحدود الايرانية العراقية وهي اقدم قضايا الحدود الايرانية العربية واكثرها اثارة وآثارا، ودعوى ايران على البحرين التي استمرت زهاء قرن من الزمن، اما الحدثان المتصلان بالحدود البحرية فهما المشكلات المترتبة بتحديد وقياس البحر الاقليمي بين ايران والدول العربية المواجهة لها بما فيها الكويت، وكذلك قضية الجزر التي استولت عليها ايران بالقوة عام 1971«.

وعن قصة احتلال ايران للجزر قال: حاولت ايران عام ،1964 وفي مناسبات اخرى مختلفة، ان تدفع حاكمي رأس الخيمة والشارقة الى التنازل سلميا عن الجزر الثلاث مقابل خدمات ومنشآت تقدمها ايران لهاتين الامارتين.

وقبل ان تنسحب بريطانيا بأكثر من ثلاثة شهور حاولت ان تسوي المسألة بالاتفاق، فقدم وليم لوس ممثل الحكومة البريطانية في انتهاء وجودها العسكري في المنطقة مقترحات موحدة الى الامارتين لتسوية موضوع الجزر الثلاث، وذلك بمناصفة السيادة وعائدات النفط مع ايران التي استعدت لدفع منحة سنوية لكل من الامارتين مع تعهدها بعدم اذاعة نبأ نزول القوات الايرانية في الجزر إلا بعد مرور عام ونصف العام، تجنبا لإثارة الرأي العام العربي، ورفضت رأس الخيمة هذا العرض الذي اعتبرته تواطؤا بريطانيا ايرانيا.

وأوضح حاكم رأس الخيمة في حديث مع مراسل جريدة »الجمهورية« العراقية في حينه ان مشروع لوس كان يقضي بوجود قوات ايرانية تتزايد بالتدريج في الجزيرتين مقابل ان تدفع ايران حوالي مليون جنيه استرليني سنويا، ولمدة تسع سنوات، كما عرضوا عليه ان يدفعوا مقابل موافقته على الاتفاق 49 في المائة من ناتج البترول في الجزيرتين.

وقد اوضح الشاه لمراسل التايمز اللندنية في 14/10/1970 ان بعض الجزر المملوكة حاليا لبعض المشيخات تهم ايران، خاصة من الناحية الاستراتيجية، وانها تابعة لها اصلا، وهي الجزر الثلاث المشار اليها. وفي تصريح آخر للفيجارو الفرنسية  في 28/9/1971 اكد ان هذه الجزر الثلاث اراض ايرانية، لأن والده ذكره بسيادته عليها قبل الحرب العالمية الثانية، وجاء في الكتاب الاخضر الصادر عن الخارجية الايرانية: ما لم تعد هذه الجزر الثلاث الى ايران فإن الحكومة الايرانية لن توافق على قيام الاتحاد الفيدرالي للامارات العربية في الخليج بل انها ستعمل ضده!

وقد تمكنت ايران من التوصل الى اتفاق مع الشارقة بشأن ابوموسى حسبما اعلنته المصادر البريطانية الايرانية، اما جزيرتا طنب الكبرى وطنب الصغرى فقد اوضح وزير الخارجية البريطاني في مجلس العموم في 6/12/،1971 اي بعد احتلالهما، انهما كانتا محل نزاع ومطالب مختلفة، وان حكومته لتأسف لعدم التوصل الى حل لهذه المشكلة.

واوضح الوزير البريطاني ان اتفاق الشارقة وايران حول ابوموسى تم بفضل المساعي البريطانية وان وجود القوات الايرانية في الجزيرة هو حسب الاتفاق.

اما الاتفاق المذكور بين ايران والشارقة، فقد اعلنه الجانبان العربي والايراني بعد احتلال ايران للجزر، ويقضي بتقسيم عائدات البترول التي ستكشف بالجزيرة في البر والبحر مناصفة بين البلدين، وتسهم ايران في الخطط المالية والفنية للتنمية الاقتصادية في الجزيرة مقابل سحب الموظفين العرب منها، كما اتفق على ان تتنازل الشارقة عن جزء من الجزيرة مقابل ان تدفع ايران 1،5 مليون جنيه استرليني سنويا، وتوقف هذه المعونة في حالة كشف البترول في الشارقة.

واعلنت ايران ان الاتفاق تضمن الموافقة على احتلال نقط استراتيجية في الجزيرة بواسطة القوات الايرانية.

وهكذا يتضح مما اعلنه حاكم الشارقة (الأكونومست 10/12/1971) ورئيس وزراء ايران في البرلمان الايراني (الموند 1/12/1971) ان الجزيرة لم تؤل كلية الى ايران. وان المبلغ الذي تحصل عليه سنويا هو بمنزلة ايجار للقواعد الايرانية في الجزيرة ولكن الاتفاق لم يذكر ان بإمكان الحاكم العربي ان ينهي او يحدد مدة معينة لاستمرار القواعد، بل ستظل هذه القواعد قائمة مجانا حين يكتشف البترول في الشارقة نفسها وتصبح بغير حاجة الى مقابل التأجير.

لقد اقدمت القوات الايرانية على احتلال الجزر الثلاث في اطار هذه الظروف، ولما كانت بريطانيا لا تزال تسعى للتوفيق بين الامارتين على حل وسط، ولم يقبل حاكم رأس الخيمة مسعاها، ولما كان الاحتلال قد وقع قبل ان تنهي بريطانيا اتفاقاتها مع الامارتين التي تعهدت فيها بحمايتها، فقد كان ذلك وغيره مما دفع معظم الكتاب العرب والاجانب الى الاعتقاد بأن مسألة نزول القوات الايرانية في الجزر تم باتفاق بين ايران وانجلترا، وان ايران استردت سيادتها في حقوقها التاريخية، على الجزر بعد ثمانين عاما من السياسة الاستعمارية وذلك باتفاق مع بريطانيا.

والقضية مازالت تنتظر حلاً.

 

الجزر الثلاث معلومات جغرافية

 

جزيرة ابوموسى تقع على بعد 94 ميلا من مدخل الخليج عند مضيق هرمز، وتبعد حوالي 75 كلم عن الساحل الايراني، بينما تبتعد عن الساحل العربي بحوالي 44 ميلا عن امارة الشارقة تبلغ مساحتها 20 كم2 واقصى طولها 5 كم واقصى عرضها 9 كم وهي جزيرة مستطيلة الشكل يتكون سطحها من سهول رملية مغطاة بأعشاب جافة وتخلو من الاشجار الطبيعية وتنتشر على سطحها التلال المنعزلة واعلى منطقة فيها تقع في منتصف الجزيرة يبلغ ارتفاعها 360 قدما وهي محاطة بمياه عميقة نسبيا، كما تتوافر فيها المياه الصالحة للشرب، ويبلغ عدد سكانها 1000 نسمة من العرب، وبها مدرسة  وجمرك ومسجد كبير، وقصر لنائب حاكم الشارقة يعمل سكانها بصيد السمك والرعي والزراعة،  وبالجزيرة بعض المعادن، وقد اعطي حق استثمار رواسب الحديد الاسود الذي يوجد فيها الى شركة الوادي الذهبي في 1952 والجزيرة تتبع الشارقة.

جزيرة طنب الصغرى، تبعد عن الساحل العربي بمسافة 90 كم وتبعد عن جزيرة طنب الكبرى بحوالي 13 كم وهي على شكل مثلث طوله كيلومتران وعرضه كيلومتر واحد، وتتكون من تلال داكنة اللون تقع في طرفها الشمالي ويبلغ اقصى ارتفاعها 16 قدما وبها كثير من الطيور البحرية، وهي خالية من السكان.

جزيرة طنب الكبرى: تقع على بعد 59 كم جنوب غربي جزيرة قشم، وعلى بعد 78 كم شمال غرب جزيرة الحمراء وهي تقع الى الشمال الشرقي من جزيرة ابوموسى، وتبعد عنها 50 كم وهي دائرية الشكل يبلغ طول قطرها حوالي 3،5 كم2 ومساحتها حوالي 9 كم2 وهي قليلة الارتفاع واعلى منطقة فيها 165 قدما فيها بعض المراعي كما تتوافر فيها المياه العذبة يسكنها حوالي 700 نسمة من العرب معظمهم من الصيادين وبها مدرستان ومركز شرطة ومركز صحي وفنار للسفن.