مجلة الشروق 10 سبتمبر 1992

 

»ابوموسى« باتت تشكل »نقطة الالتماس« الاساسية في العلاقات الخليجية ــ الايرانية

هل هذا هو مفهوم طهران

لـ »الأمن الاقليمي الجماعي«؟

 

في 23 ابريل/نيسان الماضي حثت صحيفة »طهران تايمز« الحكومة الايرانية على »احتواء النزاع مع دولة الامارات  حول الجزر وتفادي اية تحركات يمكن ان تعتبر تهديدا لجيرانها الاصغر حجما«.

وذهبت الصحيفة الى ابعد من ذلك، حين اعربت عن مخاوفها من احتمال »تطور النزاع الى ازمة تستدعي تدخل الدول الكبرى«.

وحين تتحدث صحيفة الى حكومتها بمثل هذه اللهجة، لا يعود ثمة ظل واحد من الشك حول الطرف الذي فجر النزاع. وبالمثل، تفتقد الحملات الاعلامية الايرانية الراهنة على دولة الامارات وصحفها كل صدقية، واية صدقية، ممكنة.

والواقع ان طهران اهدرت وقتا ثمينا في الشهور التي اعقبت تجاوزاتها على سيادة دولة الامارات في مارس/آذار الماضي، حين رفضت التعاطي بإيجابية مع النهج العقلاني والهادئ الذي مارسته الامارات لمحاولة حل الازمة بسرعة وبالطرق الدبلوماسية.

فالوفد الاماري، برئاسة وزير الدولة للشؤون الخارجية راشد عبدالله النعيمي، والذي زار طهران في مطلع شهر مايو/ايار فوجئ برفض الحكومة الايرانية قبول بند آخر  اساسي من بنود السيادة الامارية، وهو المتعلق بقرار المجلس الاعلى لحكام الامارات اعتبار الاتفاقات الحدودية  المعقودة بين الامارات السبع واية دولة مجاورة قبل تأسيس الدولة في ديسمبر/كانون الاول العام  ،1971 اتفاقات اتحادية.

ومنذ ذلك الحين، كانت الابواب توصد، الواحد تلو الآخر، في وجه التسوية الدبلوماسية، وكانت  التجاوزات الايرانية في جزر الامارات تتوالى تباعا، ومن دون »فترات سماح« فيتم احتلال جزيرة ابوموسى بالكامل واحكام السيطرة عليها لتحويلها (كما قيل) الى قاعدة عسكرية ضخمة، وتقرر الحكومة الايرانية رفع المستوى الاداري للجزر الساحلية الجنوبية، بما فيها جزيرة ابوموسى المحتلة »من مقاطعة الى محافظة«.

لقد ذهبت إذا، تحذيرات »طهران تايمز« ادراج الرياح، وتسلق درجات التصعيد منذ مارس/آذار الماضي لم يتوقف لحظة الى ان توج قبل ايام برفض رسو السفينة »خاطر« في ابوموسى، ثم بخرق ما تبقى من الوضع القانوني للجزيرة، حيث طلبت السلطات الايرانية من المدرسين والمدرسات من ركاب السفينة الحصول على »تأشيرات دخول« ثم عرضت على المواطنين الاماريين في الجزيرة »الجنسية الايرانية«.

 

عامل اقتصادي؟

 

لماذا اختارت طهران هذا النهج؟

انه سؤال يثير غابة من علامات الاستغراب والشكوك في الضفة العربية من الخليج.

فقد كان من المعتقد ان ادارة الرئيس هاشمي رفسنجاني، العملية والبراغماتية، تسعى الى فتح صفحة جديدة من العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي، تستند الى المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، في اطار توجه الرئيس رفسنجاني نحو اعادة البناء الشامل، الاقتصادي والاجتماعي في ايران.

ومن بين دول مجلس التعاون، كانت دولة الامارات تتبوأ (او هكذا كان يفترض) منزلة خاصة، فالتبادل التجاري بين البلدين واسع النطاق، وكذا الامر بالنسبة الى فرص تطوير العلاقات على اسس سليمة.

لكن الذي حدث جاء على عكس كل التوقعات إذ تحولت الامارات فجأة، وفي المنظور الايراني، الى مدخل للتصعيد مع كل دول الخليج العربي.

لماذا؟

صحيفة »فاينانشال تايمز« البريطانية حذرت مؤخرا من ان الازمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها ايران حاليا قد تدفعها الى تفجير »ازمة نفطية« مع جيرانها، لمحاولة زيادة عائداتها النفطية.

وهذا لا يعني شيئا سوى محاولة تصدير الازمة الداخلية الى الخارج.

وعلى الرغم من ان الحكومة الايرانية لم تفتح »جبهة اسعار النفط« على مصراعيها بعد، إلا ان الاشارات الى ذلك كانت واضحة  خلال الجهود الدبلوماسية التي بذلتها الامارات لحل الازمة.

فالطرف الايراني في المحادثات، وبدل ان يركز على جوهر الازمة، وهي مسألة خرق سيادة الامارات في جزيرة ابوموسى والعمل لضرب عروبتها، قفز فجأة الى مسألة اخرى مختلفة تماما.

فهو طالب دولة الامارات بدفع »تعويضات مالية« ادعى انه »يستحقها« بسبب الخسائر التي منيت بها ايران إبان حربها مع العراق (....).

وهو اعرب عن شعوره بـ »عدم الارتياح« ازاء الحصة النفطية التي يحصل عليها من حقل »مبارك« النفطي، واتهم الامارات باستخراج كمية من النفط اكبر مما تعلن (...).

ونتساءل هنا ببراءة: ألا تشبه هذه المطالب كثيرا، تلك التي طرحها صدام حسين عشية غزوه للكويت؟

ألم يكن دافع صدام الاساسي ايضا آنذاك،  هو محاولة تصدير ازمته الداخلية، عبر الافتئات على سيادة الآخرين بالقوة العارية؟

وهل هذا هو الاسلوب الانجع لتحقيق سياسة الرئيس رفسنجاني في الانفتاح على دول الخليج العربية؟ هل هذا هو الشكل الذي تريده ايران لدورها في الخليج؟

 

نقطة التماس

 

ان ازمة »ابوموسى« التي فجرتها ايران، ستشكل من الآن فصاعدا، نقطة تماس ساخنة في العلاقات الخليجية  ــ العربية ــ الايرانية، نقطة تتكثف فيها كل عوامل النبذ وتتلخص فيها كل عناصر الازمة.

واستمرار الاحتلال الايراني لهذه الجزيرة، لن يفعل شيئا سوى زيادة هذه النقطة تفجرا.

هذا ناهيك عن ان استمرار هذا الاحتلال، سينسف بندا ببند كل فرص اقامة امن جماعي حقيقي في المنطقة.

فالأمن الجماعي يرتكز اول ما يرتكز على قدرة اطرافه المحليين على تطوير آليات سلام وتعاون وتفاهم  في كل المجالات، وليس فقط في المجال الامني. فما بالك الآن وهذا المجال الاخير ينتهك بشكل صارخ؟

وإذا ما كانت طهران حريصة، كما تقول، على ان يكون امن الخليج من مسؤولية دوله، كمدخل لهذا الامن الجماعي فعليها ان تثبت  قبل غيرها ان هذا الامن المحلي لا ولن يترجم اعتداءات وتجاوزات وخروقات للسيادة والكرامة.

وما لم يحدث ذلك،  فلن يكون هناك تفسير لمسألة الامن الجماعي بسوى انه »احتلال جماعي«.

وكما اسلفنا  الذكر، فإن مسألة جزيرة ابوموسى وعروبتها وحقوق السيادة للامارات عليها، كما نصت على ذلك اتفاقية »الامر الواقع« العام  ،1971 وكما يؤكد ذلك التاريخ، تشكل الاختبار الحقيقي لكل مفاهيم الامن لدى اطراف المنطقة.

سهام »طهران تايمز« لم تصب الهدف، للأسف ومع ذلك لم يفت الوقت بعد امام محاولة استدراك  الازمة  قبل وصولها الى نقطة اللاعودة.

والكرة الآن في ملعب طهران.

فهل تفعل؟

طريق ايران الى ذلك ليست غامضة البتة، فعلامات السير فوقها تعج بكل الوان الاعراف الدولية والمعالجات القانونية  والدبلوماسية.

لكن اخشى ما نخشاه، ان تكون الازمة الاقتصادية الايرانية قد دفعت بعض »الرؤوس الحامية« في طهران نحو المسالك الامنية المتطرفة.

إذ حينذاك سيتم التزاوج الملتهب الذي شهدنا بعض نتائجه الكارثية على الجميع قبل سنتين.

 

»الشروق«