مجلة الشروق 10 سبتمبر 1992

 

اي استراتيجيات وراء الأكمة الايرانية؟

عروبة الجزر ليست »مسألة صغيرة«

 

منذ بداية القرن وحتى الآن، كان الصراع لا يدور حول الحقوق التاريخية والجغرافية والقانونية العربية في جزر ابوموسى و»الطنبين« فهذه مسألة محسومة، بل كان يدور حول رؤية ايران وطموحاتها السياسية.

حين بدأت ايران تجاوزاتها وخروقاتها لسيادة الامارات على جزيرة ابوموسى في مارس/آذار الماضي، كان السؤال الابرز لدى الدوائر الدبلوماسية الخليجية هو: »هل هذه مجرد تجاوزات فعلا، او ان وراء الأكمة ما وراءها«.

وزير الخارجية الايراني علي اكبر ولايتي، كان الوحيد بين المسؤولين الايرانيين الذي انفرد بالتشديد في مارس/آذار، ثم في الشهر الذي تلاه، على ان الأكمة لا تخفي شيئا.

فهو اكد »التزام بلاده بما تم التوقيع عليه مع الامارات«، وقال »ان الاتفاق مازال ساريا«.

وكان لافتا ان يقول ولايتي آنذاك: »ان المرء ليتعجب كيف يمكن لمسألة »صغيرة« ان تتضخم احيانا هكذا بفعل بعض اجهزة الاعلام الغربية. اننا نعتقد ان بعض الناس يهوون خلق المشكلات«.

لكن هذه المسألة الصغيرة كبرت ككرة الثلج المتدحرجة منذ ذلك الحين، الى ان وصلت في شهر اغسطس/آب الماضي الى ما يشبه الطريق المسدود.

فطهران اغلقت الابواب امام المداولات الدبلوماسية برفضها قرار المجلس الاعلى لحكام الامارات اعتبار كل الاتفاقيات التي ابرمتها اية امارة قبل نشوء الاتحاد اتفاقية اتحادية، بعدما كانت قد اوصدت الابواب تماما امام سكان ابوموسى العرب وبدأت اجراءات عسكرية وادارية، لا تعني شيئا سوى احكام قبضة الاحتلال على كل الجزيرة.

المسألة، إذاً، ليست »صغيرة«.

والواقع ان قضية الجزر العربية الثلاث، ابوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، لم تكن في يوم من الايام وعلى مدار عقود عدة، مسألة هامشية يمكن القفز فوقها من دون ان يتسبب ذلك بأية مضاعفات.

فهي في صلب التطور التاريخي للعلاقات العربية ــ الايرانية، كما انها كانت دائما، ولا تزال »البارومتر« الذي يسجل اما تقدم هذه العلاقات وازدهارها، او تدهورها وانحدارها.

وقبل التطرق الى هذه المسألة التاريخية ــ الاستراتيجية وابعادها المحتملة في الازمة الراهنة، لنلق نظرة الى الجغرافيا السياسية لهذا النزاع.

 

جغرافيا وتاريخ

 

تحتل الجزر العربية الثلاث الواقعة في الخليج العربي، موقعا استراتيجيا فريدا، خصوصا من ناحية اشرافها على مضيق هرمز هذا المضيق الذي يمر عبره النفط الخليجي، وتشكل ابوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، مركزا للمراقبة يمكن منه رؤية سواحل العراق وايران والسعودية. واهمية هذه الجزر لا تقل عن اهمية جزيرة »هرمز« بالنسبة الى المضيق، او طنجة وجبل طارق في مدخل البحر الابيض المتوسط، او عدن في مدخل البحر الاحمر.

ومن يسيطر على هذه الجزر، يسيطر تقريبا على حركة المرور المائي بالنسبة الى الداخل والخارج في الخليج العربي. كما انه يستطيع ان يمارس منها قدرا كبيرا من الضغط على مجموعة الدول العربية المطلة على الخليج.

هذه المعطى الجغرافي الاستراتيجي سحب نفسه على التاريخ السياسي لهذه الجزر العربية، واتخذ ذلك منذ بداية هذا القرن شكل المحاولات الايرانية المتصلة لمحاولة السيطرة عليها.

ففي ابريل/نيسان من العام ،1904 قام موظف بلجيكي يعمل في مصلحة الجمارك الايرانية بزيارة جزيرتي ابوموسى وطنب الكبرى وانزل منهما علم الشارقة ورفع مكانهما العلم الفارسي، تاركا بعض حراسه لحماية العلم الجديد، بيد ان الحكومة الايرانية تراجعت عن هذه الخطوة في 14 يونيو/حزيران 1904 وانكرت صلتها بها.

ومنذ ذلك الحين، سعت ايران بصورة متقطعة للمطالبة بهذه الجزر، سواء عن طريق التراسل مع بريطانيا كدولة حامية، او بطريق التسلل لرفع علمها فوق هذه الجزيرة او تلك بين الحين والآخر.

وهذه المطالبة لم تستند الى ادلة او اثباتات قانونية، بل الى مجرد »حجج« يمكن تلخيصها بالآتي:

1- ان السيادة على الجزر كانت لإيران قبل بداية الاحتلال البريطاني للمنطقة منذ 80 عاما.

2- ان الخرائط البريطانية تدخل الجزر في السيادة الايرانية.

3- ان مصالح ايران الاستراتيجية وامن الخليج تتطلب »تبعية السيادة لإيران على الجزر (..)«.

ويقول الباحث عيسى مهنا ان »هذه حجج سياسية لا قانونية، وعلى اي حال، فإن الوثائق البريطانية نفسها تنفي التوثيق الايراني لهذه المطالب«.

ويورد الباحث سلسلة من المراسلات البريطانية مع شيوخ المنطقة تؤكد كلها عروبة هذه الجزر. كما ينقل عن الخبير البريطاني الدكتور هاتلي قوله بأن »الحكومة البريطانية كانت منذ بداية وجودها في الخليج، تعتبر الجزر ملكا لإمارتي الشارقة ورأس الخيمة، وان الايرانيين لم يجعلوا من مطالبتهم بالجزر نقطة خلاف، كما انهم لم يحاولوا التدخل بأنفسهم في صورة مباشرة في شؤون تلك الدول«.

هذا اضافة الى ان بريطانيا، منذ وصولها الى الخليج وحتى نهاية وجودها هناك، لم تمارس السيادة الفعلية على الجزر، بل مارستها امارة الشارقة حتى العام 1921 ثم امارتا الشارقة ورأس الخيمة بعد ذلك بلا انقطاع حتى العام 1971.

وقد فشلت السلطات الايرانية في اقناع المجتمع الدولي بقانونية مطلبيها الاولين لسببين الاول، ان الادلة التاريخية تثبت ان هذه الجزر عربية وسكانها جميعا ينتمون الى فروع القبائل العربية ذاتها التي سكنت البر المقابل منذ فجر التاريخ، اما السبب الثاني، فإن الخرائط البريطانية التي تحدثت عنها ايران، من دون ان تبرزها، استندت برمتها الى الخرائط البريطانية غير الرسمية الصادرة العام ،1870 والتي جعلت لون جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى بلون خارطة ايران نفسها. بيد ان المحاكم الدولية والتحكيمية والقضائية لم تقبل الخرائط على انها ادلة حدودية، هذا ناهيك عن ان هذه الخرائط لم تكن رسمية.

لكن حتى لو كانت هذه الخرائط رسمية (وهذا ليس واقع الحال) فلا عبرة لها، لأنها ليست اكثر من اعتراف ضمني من دولة اجنبية، وهو اعتراف لا قيمة له لأن الدولة نفسها ادلت غير مرة، وبصورة اكثر وضوحا وقطعية، باعترافات مضادة تفيد بسيادة الشارقة ورأس الخيمة على الجزر.

والاعتراف الصريح اللاحق لا يدفع باعتراف ضمني سابق ومطعون في استيفائه للشروط اللازمة لأخذه كمبدأ.

وهذا لا يبقي من المطالب الايرانية سوى ثالثها، اي »مصالح ايران الاستراتيجية«.

 

الاحتلال

 

هنا ربما تتضح طبيعة الصراع برمته، فالمسألة مسألة سياسية، لا قانونية ولا جغرافية ولا تاريخية. وكما هو معروف، فإن القانون الدولي لا يعترف بالادعاءات السياسية او »المصالح الاستراتيجية« كأساس لمسألة السيادة.

وحول هذه النقطة وحدها تطورت الاحداث حول هذه الجزر العربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وصولا الى مطالع السبعينات.

والمتغيرات التي تحكمت بهذه التطورات تتلخص بالآتي:

اولا: بروز ايران في عهد محمد رضا شاه، كقوة اقليمية ودولة حديثة بدءا من العام 1953. فقد نمت قوتها العسكرية واتجه اقتصادها نحو التصنيع، وحولت انتباهها منذ مطلع الستينات من الحدود مع الاتحاد السوفييتي (السابق)، نحو المناطق العربية في الخليج بسبب النفط وصعود القومية العربية.

ثانيا: المتغيرات الدولية التي سمحت لإيران عشية الانسحاب البريطاني وبدء تسليم راية النفوذ للولايات المتحدة، بتحقيق بعض طموحاتها في الجزر العربية، بالتعاون اولا مع بريطانيا.

وهكذا في 30 نوفمبر/تشرين الثاني العام 1971 وهو اليوم الاخير للسيطرة البريطانية في الخليج، اجتاحت القوات الايرانية جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى، كما احتلت جزءا من جزيرة ابوموسى.

وحتى في ظل هذا الاحتلال، لم تستطع طهران إلا الاعتراف بعروبة هذه الجزر ففي »الترتيبات« التي تم فرضها على امارة الشارقة، لم ترد اية بنود تحدد مصير الجزيرة والسيادة عليها، بل ترك الامر لحل مستقبلي.

وقد تضمنت »الترتيبات« مقدمة و6 بنود، وتنص المقدمة على ما يلي: »لا ايران ولا الشارقة ستتخلى عن المطالبة بأبوموسى، ولن تعترف اي منهما بمطالب الاخرى«.

وعلى هذا الاساس ستجري الترتيبات الآتية:

1- سوف تصل قوات ايرانية الى ابوموسى، وتحتل مناطق، ضمن الحدود المتفق عليها في الخريطة المرفقة بهذه المذكرة.

2- أ - تكون لإيران ضمن المناطق المتفق عليها والمحتلة من القوات الايرانية صلاحيات كاملة، ويرفرف عليها العلم الايراني.

ب - تمارس الشارقة صلاحيات كاملة على بقية انحاء الجزيرة، ويظل علم الشارقة مرفوعا باستمرار فوق مخفر شرطة الشارقة، على الاسس نفسها التي يرفع بموجبها العلم الايراني على الثكنة العسكرية الايرانية.

3- تقر ايران والشارقة بامتداد المياه الاقليمية للجزيرة الى مسافة 12 ميلا بحريا.

4- تباشر شركة »باتس جاز اند اويل كومبني« باستغلال الموارد البترولية لأبوموسى وقاع البحر وما تحت قاع البحر في مياهها الاقليمية بموجب الاتفاقية القائمة، والتي يجب ان تحظى بقبول ايران، وتدفع الشركة نصف العائدات النفطية الحكومية الناجمة عن هذه الاتفاقية، نتيجة الاستغلال المذكور مباشرة الى ايران، وتدفع النصف الثاني الى الشارقة.

5- يتمتع مواطنو ايران والشارقة بحقوق متساوية للصيد في المياه الاقليمية لأبوموسى.

6- يتم توقيع اتفاقية مساعدة مالية بين ايران والشارقة.

نوفمبر 1971.

وكما يتضح من بنود هذه »الترتيبات« فإن مسألة السيادة بقيت حقا من حقوق امارة الشارقة، كما بقيت القوات الايرانية قوات الاحتلال.

 

الى اين؟

 

هذه بعض الملامح التاريخية التي تحكمت، ولا تزال بطبيعة الصراع على الجزر.

وكما يتضح، فإن المسألة ليست صراعا على حقوق، بل عملية، تجاذبات سياسية وطموحات استراتيجية، كانت الجزر العربية الثلاث ضحيتها الاولى.

وهنا نعود الى السؤال حول الابعاد المحتملة للازمة الراهنة.

وهنا ايضا سنكشف مدى خطل تعاطي ولايتي مع مسألة ابوموسى على انها قضية »صغيرة« او بسيطة.

فالعوامل التي تمسك بخناق مسألة احتلال الجزر، لم تتغير طبيعتها لا مع مطلع القرن ولا ايام الشاه ولا (للاسف) مع بروز الجمهورية الاسلامية.

وهذه العوامل سياسية واستراتيجية واقتصادية وامنية في آن، اضافة بالطبع الى كونها عاملا قوميا بالنسبة الى دول الخليج العربية ولكل العرب، مادام انها تتعلق بحقوق الارض والسيادة عليها.

وتقول مصادر خليجية مطلعة، في هذا الصدد، ان ازمة »ابوموسى« الراهنة، لم تفتح ملف الامن الخليجي، إذ هو مفتوح اصلا، لكنها ستعطيه من الآن فصاعدا عنوانه الرئيسي.

وتضيف المصادر ان كل المداولات الخليجية والعربية، بدءا من اجتماع الدوحة حول »اعلان دمشق« مرورا بمناقشات مجلس التعاون الخليجي وانتهاء بالاتصالات الدولية، ستبحث العلاقات الخليجية ــ الايرانية انطلاقا من مسألة الجزر المحتلة هذه.

بالطبع، لن يعني ذلك اغلاق الملف الدبلوماسي، بيد ان هذه المسألة تتعلق الآن بالجانب الايراني، ففي يده استيعاب الازمة واعادة ادخالها الى الملفات الدبلوماسية، كما في يده ايضا فتح ابواب المنطقة على كل الاحتمالات، في وقت يمر فيه الوضع الدولي في واحدة من اشد لحظاته سيولة وتفجرا.

ومسألة الوقت هنا لن تكون في مصلحة منطقة الخليج، وما لم يتبين سريعا ما وراء الاكمة، فإن الصراع سيمتلك حينذاك آلياته الخاصة.. ومنطقه الخاص.