جريدة القبس 30/11/1980

 

اليوم الذكرى التاسعة لاحتلال الجزر الثلاث

استمرار الاحتلال الايراني للجزر

معاكس لاتجاه التاريخ

 

تحت ظروف داخلية وخارجية عديدة تفتت الامبراطورية البريطانية في العقدين الخامس والسادس من القرن الحالي، واختفت بذلك القوة المركزية الغربية التي كانت لها السيادة على البحار عامة وعلى المضايق البحرية خاصة، ففيما يتعلق بمنطقة الشرق الاوسط، مثلا، كانت السيادة البريطانية تتربع على جميع المداخل البحرية، على مضيق جبل طارق، على مضيق باب المندب على قناة السويس، وعلى مضيق هرمز.

وعند انسحاب بريطانيا من مضيق هرمز،  كانت الولايات المتحدة تعد البديل الذي يضمن استمرار الحماية الغربية  لهذا المضيق المهم ففي تلك الفترة التي شهدت فتنمة الحرب في الهند الصينية، كانت الولايات المتحدة تكرس كيانات اقليمية قوية يسميها بعض الاستراتيجيين بالامبرياليات الفرعية، تتولى فرض الاستقرار في مختلف مناطق العالم دون حاجة الى تدخل مباشر من جانب الولايات المتحدة، ومن هذه الكيانات »اسرائيل« التي اصبحت بعد 1967 المسؤول الاول عن ردع المنطقة العربية، والتي تقوم بدور الامبريالية الفرعية منها وعلى مقربة منها اعطي الدور ذاته لإيران لبسط السلام الامريكي على الخليج، وعلى مرمى حجر كانت، ولاتزال بدرجة ما، جنوب افريقيا، تقوم بالدور ذاته في افريقيا بالإضافة الى مساندتها لـ »اسرائيل« وهكذا نجد ان »اسرائيل« كانت تمد يدها اليمنى للشاه ويدها الاخرى لجنوب افريقيا (المنفى الذي استمر فيه والد الشاه من قبل، واستقر فيه اليهود الهاربون من زحف الالمان على الشرق في الحرب الثانية).

وقد اقترن نظام الامبرياليات الفرعية، التي تمثلها كوريا الجنوبية في الشرق الاقصى والبرازيل في الغرب الاقصى، بمرحلة فتنمة الحرب في الهند الصينية، والتراجع المؤقت لقوى التحرر  الوطني في العالم.

في هذا الاطار، تقدمت ايران لموقع السيطرة على الخليج.

وقد كان احتلال ايران لجزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وابوموسى جزءا من اجراءات فرض هيمنتها على الخليج وضمن مناورة سياسية طالبت فيها، اولا، بالبحرين ثم تنازلت عنها وايدت قيام دولة الامارات العربية المتحدة، ثم احتلت الجزر، وهي واثقة من رضا الولايات المتحدة وبريطانيا.

وتم الاحتلال يوم 30 نوفمبر ،1971 وجاء اول رد فعل عربي من جانب العراق، بقطع علاقاتها الدبلوماسية  مع ايران، ثم من جانب ليبيا التي اممت شركة »بريتش بتروليوم« واستنفرت الوفود الدبلوماسية العربية الى مقر الجامعة العربية بالقاهرة لدراسة الموقف.

ولاتزال الجزر الثلاث تحت السيطرة الايرانية، برغم سقوط النظام الشاهنشاهي وقيام نظام جمهوري اسلامي يعرب عن رفضه للقيام بدور حماية المصالح الامريكية في المنطقة، اي ان المبرر التاريخي للوجود في الجزر الثلاث لم يعد قائما من وجهة نظر ايرانية بحتة، إلا إذا اعتبرنا ان السياسة التوسعية للشاه مستمرة وستظل مستمرة برغم اي تغير في النظام السياسي بإيران.

ولكن استمرار هذه السياسة التوسعية، وبالتالي استمرار احتلال الجزر الثلاث من قبل ايران، لا يتفق مع الظروف التاريخية لإيران، التي ثبت فشلها في القيام بدور الامبريالية الفرعية في المنطقة، او مع الظروف التاريخية للعالم، حيث تعاني الامبرياليات الفرعية الاخرى من ازمات تفقدها كل قدرة على الخدمة الفعالة للامبريالية الامريكية الأم.

ولا ادل على ذلك من عزلة جنوب افريقيا بعد استقلال انجولا وزيمبابوي وتزايد العداء الافريقي المحيط بها من كل جانب، وتعاني »اسرائيل« التي تمثل واسطة العقد، ازمة مشابهة لم تستطع الخروج منها، برغم انتصارها العسكري الساحق في 1967 وبرغم انتصارها السياسي الاكثر خطورة بتوقيع معاهدة سلام منفصل مع مصر عام ،1979 فلا تزال »اسرائيل« في عزلتها، وكل ما فعلته هو انها ادخلت مصر العربية معها، في قفص العزلة الكبير بدلا من ان تخرج عن طريق مصر الى حرية العمل العلني والمشروع على الساحة العربية.

في هذا الاطار من التراجع العام لوكلاء الامبريالية في المنطقة، لا يكون من المنطقي ان تسعى ايران الى مواصلة لعب دور معاكس لحركة التاريخ.

 

اعداد: مركز المعلومات والدراسات في القبس