مشروع بحث تطبيقي

مقدم من الطالب/عيسى محمد مهنا

عن

تبعية الجزر الثلاث (طنب الكبرى، طنب الصغرى، ابو موسى)

بإشراف الاستاذ الدكتور/علي احمد عبدالقادر

1980 - 1981م

 

محتويات البحث

المقدمة

الفصل الاول: الصراع حول الجزر

الفصل الثاني: الدوافع الايرانية للاستيلاء على الجزر

الفصل الثالث: التحركات الايرانية للاستيلاء على الجزر

الخاتمة

المراجع

 

المقدمة

تشكل منطقة الخليج اهمية استراتيجية سواء تعلق ذلك بالممرات او الموارد وكلاهما يمثل محورا من محاور الصراع الذي يشهده العالم الآن خاصة بين القوى الكبرى، سعيا وراء النفوذ والقوة، ولم تكن لتثار هذه القضايا في جانبيها الا عقب الحرب الثانية بعد اكتشاف البترول فيها، ذلك لأن اهميتها كانت تنصرف الى العنصر الاول وهو الممرات في الفترة السابقة على الحرب، وبالتالي فإن الصراع حول هذه المنطقة بدءا من البرتغال وانتهاءً بالولايات المتحدة مرورا ببريطانيا وروسيا ما هو إلا تعبير عن هذه الاهمية فإذا اضفنا ظهور البترول فسوف نجد ان هذه الاهمية قد تضاعفت.

وهناك عامل تاريخي اسهم في ابراز هذه الاهمية وتزايد حدة الصراع حولها وهو »الانسحاب البريطاني« اي بعد ان اصبحت مفرغة من النفوذ الغربي وفي ذات الوقت تشكل قضية حيوية للمصالح الغربية، لعل ذلك هو ما ابرز مفهوم امن الخليج سGulf Securityس (1).

وبطبيعة الحال كان لابد من وجود قوة اقليمية تسعى الى الحفاظ على المصالح الغربية في هذه المنطقة، وقد برزت ايران كقوة مرشحة للعب مثل هذا الدور. بناء على ذلك نثير مشكلة استيلاء ايران على الجزر الثلاث في ،1971 هل هذا يرتبط بالقضية السابق ذكرها بمعنى ان امن الخليج »هو نظرية غربية ذات طابع محافظ تسعى الى ابقاء الاشياء الحالية على ما هي عليه تحقيقا للمصالح الغربية في هذه المنطقة« يعطي ايران الشرعية في استيلائها على هذه الجزر؟

إذا سلمنا بذلك فإن هذا التصور يفترض بطبيعة الحال ان الحديث عن التبعية القانونية لهذه الجزر لا موضع له وإذا اثير فهو فقط لإضفاء نوع من التبرير لهذا العمل، اي ان الاستيلاء قد تم دون تفكير في قضية التبعية وان كان هذا لا يمنع من تبريرها، والدليل الذي يبدو مسلما به تحقيقا لهذا التصور ان ايران لم تثر المشكلة ولم تتخذ بشأنها اجراءً حاسما قبل ذلك، والوجود البريطاني في هذه المنطقة يمتد الى ثمانين عاما.

هناك تصور آخر يفرض نفسه ايضا وهو ان هناك بالفعل تبعية قانونية لهذه الجزر لإيران وان عدم استيلائها عليها يرجع الى ان المصالح البريطانية او القوة البريطانية في هذه المنطقة ضمت او فرضت حدودا للطموحات الايرانية التي ربما قد تؤثر بشكل او بآخر على المصالح البريطانية بمعنى ذلك ان ايران رغم احقيتها في هذه الجزر لم تجرؤ ان تطالب بها خشية القوة البريطانية.

وحينما ارادت القوة البريطانية الانسحاب برزت ضرورة المطالبة بها، ولكن يرد على هذا التصور ملاحظة اخرى وهي: هل ايران كانت في وضع اقل شأنا - على الاقل من الناحية العسكرية - بالنسبة لإمارات الخليج المتصالحة او بالمقارنة بهذه الامارات وبالتالي ارادت الاستفادة من الوجود البريطاني قبل انسحابه لضمان حقوقها، تصور يبدو انه لا يتماشى مع طبيعة توازنات القوى في المنطقة وبالتالي فهو من الناحية المنطقية غير قابل للتصديق.

تصور آخر يبنى على ان بريطانيا لم تكن لتسمح بالوجود الايراني في هذه الجزر خشية اثارة تلك المشيخات مما قد يهدد مصالحها، وان بريطانيا تعترف فعليا بأن الجزر تابعة لإيران واقعيا.

تصور آخر هو ان بريطانيا رغم اعترافها بأحقية الجزر لمشيخات الخليج إلا ان الطابع البراجماتي للسياسة البريطانية فرض عليها ان تترك الامور لتداعياتها وان تطلق يد ايران للتصرف في المنطقة والاستيلاء على هذه الجزر تحقيقا للمصالح الغربية المرتبطة بأمن الخليج - والتي تفترض وجود قوة اقليمية تحل محل بريطانيا - دون ان تعلن بريطانيا عن ذلك جهرا رغم تأييدها لذلك خفية.

من مجمل هذه التصورات السابقة من الممكن صياغة اكثر من فرضية تمثل جوهر المشكلة محل الدراسة.

الفرضية الاولى:

ان الجزر من الناحية القانونية والفعلية تخضع للملكية الخليجية بحكم تقاليد تاريخية معينة، وهذا يعني ان قضية الاستيلاء عليها خضعت لمسلمة معينة هي: »ان ايران في ضوء تصورها لمفهوم امن الخليج كان لابد وان تظهر بعض مظاهر القوة تجاه دويلات الخليج لإخضاعها في النهاية بشكل او بآخر لعلاقة تبعية تكون ايران فيها هي القوة المسيطرة المهيمنة، بينما دويلات الخليج في موضع التابع في هذا التصور الايراني وبالتالي قامت بالاستيلاء على هذه الجزر رغم ان الجزر من الناحية الفعلية لا تشكل اي اهمية«.

الفرضية الثانية:

ان الجزر من الناحية القانونية الفعلية تخضع للملكية الايرانية بحكم تقاليد تاريخية معينة وهذا ما يعني ان قضية الاستيلاء عليها خضعت لمسلمة اخرى هي ان ايران بصرف النظر عن امن الخليج تطالب بحقها في اجزاء هي منها، وان هذه الجزر تمثل اهمية استراتيجية لأمن النظام الايراني، وبالتالي فإن الامر لا يعني اظهار القوة بقدر تحقيق المصلحة الإيرانية والحفاظ على سيادتها القومية.

الفرضية الثالثة:

ان الجزر من الناحية القانونية والفعلية تخضع للملكية الخليجية وانها من الناحية الاستراتيجية تمثل اهمية كبيرة ليس فقط لإيران، بل ايضا للدول الخليجية، وان عملية الصراع قد حسمت لصالح ايران من فترة زمنية معينة لم تستطع معها ان تقف هذه الدول في مواجهة ايران، وان ايران في عملها هذا انما كانت تقوم به بتأييد ومساندة حقيقية من جانب بريطانيا تحقيقا للمصالح البريطانية من جانب والمصالح الغربية من جانب آخر.

وان افتراض صحة او خطأ اي من هذه الافتراضات هو الذي يحدد جوهر هذه القضية محل الدراسة، وبالتالي فإن حسم اي منها خاطئ يفترض متابعة قضيتين منفصلتين نظريا وان كانتا من الناحية الفعلية هما اشد الارتباط ببعضهما بعضا وهما قضية تبعية الجزر، ثم قضية طبيعة التوجه الايراني نحو الاستيلاء على هذه الجزر في هذا الوقت بالذات ولماذا لم يتم ذلك من قبل؟ وهل بريطانيا كانت عاملا مساندا في ذلك ام القضية قد تمت بمعزل عن النوايا البريطانية؟

 

خطة الدراسة

 

نفترض ان للجزر اهمية معينة بحكم اعتبارات جغرافية واستراتيجية واقتصادية وبحكم وقوعها في الخليج فقد اثارت منذ قرون عديدة نزاعا خاصة بين ايران وامارات الساحل العربي، هذا التنازع سوف يعني ان هناك صراعا وهذا الصراع لابد وان يفترض ان يكون هناك طرف محق وطرف غير محق، سوف نستعرض في هذا الفصل طبيعة اهمية هذه الجزر ثم نتناول في الفصل الثاني مناقشة قضية اساسية وهي ان هذه الجزر لابد وان تكون اما تابعة للإمارات وهذا ما ينقلنا الى الفصل الثاني المتعلق بقضية التبعية بطبيعة الحال سوف نجد ان هناك ادعاءات ايرانية وهناك ادعاءات من جانب امارات الساحل العربي وتحقيقا للحياد العلمي سوف نفترض نظريا بطلان كل من ادعاءات الطرفين في أحقية امتلاك الجزر الثلاث.

إذاً في هذه الحالة لابد من وجود مصدر يؤيد صحة اي من الادعاءين او احقية اي من الطرفين، سوف نسلم بفرضية اخرى وهي ان الرجوع الى الوثائق البريطانية هو الذي سوف يؤكد صحة اي من الادعاءين ومما يؤكد الاعتماد على ما سوف يتم التوصل اليه من متابعة الوثائق البريطانية هو ان مصلحة بريطانيا تفترض ان تقرر ان الجزر الثلاث مملوكة لإيران وبالذات عقب انسحابها فعقب انسحابها وعقب الفراغ الذي نتج عن هذا الانسحاب قد ظهر مفهوم جديد في المنطقة هو ما اطلق عليه امن الخليج سGulf Securityس وامن الخليج هو مفهوم غربي اساسا يعني تحقيق مصالح الغرب في هذه المنطقة والحفاظ عليها والطرف المرشح للعب هذا الدور كان ايران، ومن ثم فإن ذلك يفترض ان تعترف بريطانيا لإيران بأحقيتها في الجزر حتى تستطيع ان تحقق مضامين مفهوم الامن المرتبط بالمنطقة وبالتالي إذا وجدنا ان بريطانيا رغم وجود هذه الحقيقة لاتزال تعترف بأن الجزر مملوكة للامارات، فهذا ما يعني صحة اعتمادنا على الوثائق البريطانية لتقرير قضية التبعية إذا خلصنا من ذلك الى ان الاحقية هي للإمارات فإنه في الوقت نفسه لابد وان نعترف بأن هناك اهمية معينة تفرضها الجزر بالنسبة لإيران اتساقا مع ما ذكرناه في الفصل الاول حول الاهمية في هذه الحالة لابد وان تسعى ايران الى اتخاذ سلوك معين نحو تحقيق مصالحها مما قد يدفعها الى الاستيلاء او احتلال هذه الجزر، صحيح انه قد سبق لإيران ان احتلت الجزر عام ،1904 وهذا ما يؤكد صحة المقولة السابقة ويعني في الوقت نفسه ان المطامع الايرانية تمتد الى تقاليد تاريخية طويلة. ولكن هل يمكن القول إن التوجهات الايرانية خاصة في نهاية سنوات الستينات واوائل السبعينات كانت لها المضامين نفسها التي شهدتها المنطقة في اوائل القرن 20. ام هي تختلف من حيث المضمون والنتيجة بالمقارنة بالمطامع السابقة؟ هذا يعني ان عملية احتلال الجزر كما تمت في اوائل السبعينات رغم انها لها سوابق تاريخية إلا انها سوف تختلف من حيث المضمون والنتيجة بالمقارنة بالمطامع السابقة وهذا هو ما يثير تساؤلا هنا يدور حول: لماذا لم تستول ايران على الجزر إلا في 1971؟ هل هذا يرجع الى الانسحاب البريطاني ام يرجع الى القوة الايرانية ام يرجع الى ضعف دول المنطقة الاخرى ام يرجع الى مساندة طرف خارجي ام انها كل هذه العوامل مجتمعة؟ ولذلك فإننا حينما ننتقل الى الفصل الثالث المتعلق بقضية الاستيلاء على الجزر سوف نتعرض اساسا لمجموعة المتغيرات التي طرأت على المنطقة خاصة عقب الحرب العالمية الثانية، وحتى تاريخ عام 1971. ولماذا عقب الحرب العالمية الثانية؟ ان المتابعة لتطورات النزاع حول الجزر سوف تسفر عن نتيجة معينة وهي ان القضية لم تشهد تطورا متزايدا الا عقب الحرب الثانية والسبب في ذلك يرجع الى عديد من المتغيرات منها ما هو متعلق بإيران كقوة اقليمية آخذة في النمو تتصارع مع مجموعة اخرى من المتغيرات آتية من المنطقة العربية واحداث كانت لها دلالتها في توجيه ايران نحو مزيد من البناء السياسي والاقتصادي والعسكري لمواجهة المتغيرات تلك والتي من الممكن من وجهة النظر الايرانية ان تهدد مصالحها في المنطقة بشكل او بآخر ثم هناك متغيرات تتعلق بالقوى الكبرى، هناك ضعف القوى البريطانية عقب الحرب العالمية الثانية، وهناك تزايد في الدور الامريكي في السياسات الدولية وهناك ارتكاز من جانبها على ايران كنقطة متقدمة في القارة الآسيوية على وجه العموم والشرق الاوسط على وجه الخصوص خاصة فيما يتعلق بتنفيذ سياسة الاحتواء للحد السوفييتي في المنطقة والتي اعلنتها الولايات المتحدة عقب الحرب الثانية مما يعني مزيدا من المساعدات لإيران من جانب امريكا حتى تستطيع ان تلعب الدور الذي رسمته لها المصالح الغربية شمالا وجنوبا (2) متابعة مثل هذه المتغيرات او غيرها سوف يحدد الاجابة عن التساؤل الاساسي الذي طرحناه وفي ضوء كل ذلك نستطيع ان نتحقق من صحة الفرضيات التي صيغت في مقدمة هذه الدراسة.

ثم ننتقل بعد ذلك الى التعرض للتحركات الايرانية التي لابد وان تتجه حتمية لمجموعة الدوافع التي تعكس تزايد الاهتمام الايراني بالجزر، وبصرف النظر عن مدى احقيتها في هذه الجزر من عدمه. وهذا المحور الثالث لهذه الدراسة يسعى اساسا الى متابعة التوجهات الايرانية تحقيقا لمصالحها التي تهدف اليها والتي يبرزها الفصل الثاني من هذه الدراسة، وما ترتب على ذلك من ردود افعال من جانب الاطراف الاخرى المتواجهة في الصراع والتي تعكس انتفاء صفة المشروعية على ما قامت به ايران.

ولا يبقى لنا بعد ذلك سوى محاولة الاجابة عن تساؤل اخير يفرض نفسه في ضوء ظهور ذلك المتغير الجديد في المنطقة والناتج عن الثورة الايرانية: هل حدت الثورة من طموحات نظام الشاه أم هي تعد استمرارا لتقاليد نظام الشاه؟ أم انها تقدم صيغة جديدة للتعاون مع دول المنطقة؟

 

تعريف جزيرة ابو موسى

 

يبلغ طول جزيرة ابو موسى 7 كم مربع ومتوسط عرضها 7 كم مربع اي انها كادت تكون جزيرة مربعة وتبعد هذه الجزيرة عن ساحل امارة الشارقة نحو 45 كم وتبعد عن الساحل الايراني بحوالي 50 كم، وهذه الجزيرة تابعة لإمارة الشارقة التي تتولى ادارتها وتمتاز الجزيرة بمياهها العميقة الصالحة لرسو السفن وانها تتيح الفرصة للصيادين في تحقيق كسب وفير في صيد السمك واللؤلؤ ومناخها معتدل صيفا ورطب شتاء تهطل فيها الامطار لذلك ينبت فيها العشب بكثرة وتضم تربتها من المعادن التي تستغل بعضها شركات بريطانية والمانية، يبلغ عدد سكانها قرابة الالف نسمة جميعهم من العرب وفي الجزيرة دائرة جمركية ومدرسة ابتدائية ومسجد كبير وبها مشروعات جديدة للمياه والكهرباء وبناء مدرسة ودار معلمين وساحة رياضية (3).

ويوجد على ارض الجزيرة مرتفع صخري يزيد ارتفاعه على الخمسمائة قدم ارضه بركانية كما وأن فيها مرتفعات وأودية مغطاة بالحشائش، وتعتبر جزيرة ابو موسى من المناطق التي يقصدها شيوخ الشارقة بصورة تقليدية خلال موسم الصيف للصيد والقنص حيث توجد فيها الارانب والغزلان والحيوانات البرية الاخرى نظرا لخصوبة تربتها ووجود الكلأ فيها وقد حفرت في الجبهة الجنوبية الغربية منها آبار تصلح مياهها للشرب.

 

جزيرة طنب الكبرى

 

تقع جزيرة طنب الكبرى على مدخل باب السلام »مضيق هرمز« على مسافة ساعة بالمركب من رأس الخيمة ومساحتها حوالي 12 كم طولا، 7 كم عرضا ويقطن هذه الجزيرة نحو 700 نسمة كلهم عرب، وتضم الجزيرة مدرستين ابتدائيتين ومركز شرطة ومركزا صحيا.

اما جزيرة طنب الصغرى فتقع الى الشمال من طنب الكبرى وهي خالية من السكان وتقع هاتان الجزيرتان بإمارة الشارقة (4).

 

اهمية الجزر

 

تشكل المنطقة التي تقع فيها جزر ابو موسى والطنبين مثلثا ذا اهمية كبيرة من حيث موقعها بالنسبة لمياه الخليج، ذلك لأنها تقع عند بداية مدخل الخليج العربي قرب مضيق هرمز، وبهذا نجد ان المنطقة التي تشملها هذه الجزر الثلاث تعتبر البداية الرئيسية التي تمر عبرها طرق المواصلات البحرية الداخلة والخارجة من الخليج. ومن ثم فإن موقعها الاقليمي ذو اهمية كبيرة ليس فقط من الناحية الاستراتيجية بل من الناحيتين السياسية والاقتصادية كذلك وتتمثل اهميتها الاقتصادية في نقطتين (5).

الاولى: طرق المواصلات.

الثانية: ما موجود فيها من ثروات طبيعية.

اما بالنسبة الى طرق المواصلات فالملاحظ للخارطة يرى ان السهم الخارجي من الخليج، والداخل الى منطقة الخليج وهو خط سير السفن يمثل الخط التجاري للبضائع والصادرات من منطقة الخليج والى منطقة الخليج، اي بعبارة اخرى، هذه المنطقة ذات اهمية تجارية اقتصادية كبيرة بالنسبة الى خط المواصلات (6).

هذا من ناحية خط المواصلات. اما من الناحية الاخرى وأقصد الناحية الاقتصادية، فيوجد في هذه الجزر ثروات طبيعية هائلة منها الفلزية ومنها اللافلزية واقصد هنا بالفلزية ما هو موجود في جزيرة ابو موسى وبوموير التي هي قريبة منها بحوالي 16 كم، اوكسيد الحديد الاحمر  (7) هذا الى جانب كون المنطقة تحتوي على النفط.

اما من حيث الاهمية الاستراتيجية لهذه الجزر:

فإن هذه الجزر تقع في منطقة استراتيجية فريدة ونظرا لوقوعها قرب الساحل فإنها تشكل مركزا للمراقبة يمكن منه رؤية سواحل المملكة العربية السعودية والعراق وايران، والواقع ان موقع هذه الجزر الثلاث لا تقل في اهميتها الاستراتيجية عن طنجة وجبل طارق في مدخل البحر المتوسط وعن عدن في مدخل البحر الاحمر.

والتعرض لأهمية مضيق هرمز والجزر الواقعة في مدخله، ومبلغ اهميتها الحساسة في الخليج - التي يبلغ عرضها 26 ميلا بين الساحلين الشرقي والغربي - إنما تمثل عنق الزجاجة للخليج بحكم وقوعها في هذه المكانة الفريدة، حيث تقف مشرفة على حركة السفن في الخليج ومتحكمة فيها كذلك، والذي يسيطر على هذه الجزر يسيطر تقريبا على حركة المرور المائي بالنسبة للداخل والخارج للخليج.

 

الاهمية السياسية للجزر

 

تكمن اهمية هذه الجزر في ان المسيطر على هذه الجزر يستطيع ان يمارس قدرا كبيرا من الهيمنة والنفوذ السياسيين على مجموعة الدول العربية المطلة على الخليج واقصد بذلك في حالة احتلال ايران لهذه الجزر سوف تكون مسيطرة من الناحية الاستراتيجية على مدخل الخليج والتي تتفق مصالحها مع مصالح امريكا وبالتالي تبقى تؤيد سياسة امريكا في المنطقة مهما كانت هذه السياسة مهددة لآمال ابناء الامة العربية والامر لا يقف فقط عند حد التأثير على دول ساحل الخليج العربية، فالعراق ذاتيا يتأثر تأثرا مباشرا وهذا التأثر يتأتى بالضغط على العراق عندما يقوم بتصدير النفط من حقوله الجنوبية، وهذا طبعا سوف ينعكس على الاستراتيجية العراقية العربية وعلى الناحية الاقتصادية ايضا هادفا من ذلك عدم افساح المجال للشعب العربي اليمني وللجنوب العربي من الاتصال بالعراق وعدم افساح المجال امام الحركات التحررية في الخليج من النشاط والسيطرة على هذه المنطقة من الناحية الاستراتيجية تجعل المنطقة مغلقة وعلى شكل بحيرة ايرانية امريكية.

ولقد كان ذلك واضحا في الفترة التي كانت تمد فيها ايران »اسرائيل« بالنفط الذي كان يستعمل ضد العرب، وخير دليل على الصلة »الاسرائيلية« بالتوسع الايراني، هو بناء »اسرائيل« لخط الانبوب من البحر الاحمر الى البحر المتوسط (8).

ومن ناحية اخرى تريد ايران من احتلالها للجزر زيادة الهجرة الايرانية الخاضعة لمخطط يهدف لتفتيت التكوين القومي لشعب المنطقة وجعل شعب المنطقة اقلية بالنسبة للجاليات الاجنبية واستخدام هذه الجزر منطلقا للمتسللين والمخربين بالنسبة للحركات التحررية في هذه المنطقة والسيطرة عليها بالتالي، فالوجود البشري في الامارات والوجود الايراني العسكري في هذه الجزر سوف يشكل تهديدا متواصلا ومستمرا بالنسبة لدولة الاتحاد.

ومن جهة ثانية نلاحظ ان تحركات الشاه في مواجهة المد القومي الذي كان يراه متمثلا في العهد الناصري كمصدر خطورة يهدد وضع الشاه في الخليج، كانت تستند اساسا على السيطرة المباشرة على هذه الجزر ليحول دون احداث اي تبدلات في المنطقة تؤثر على وضعيته السياسية (9).

وكناحية استراتيجية سياسية نرى ان هذا الاحتلال الايراني يهدد بصورة مباشرة امن وسلامة الدول العربية المطلة على الخليج، وتظهر خطورة هذا التهديد بوجه خاص بالنسبة الى الامارات والبحرين وقطر وذلك من حيث ان ايران وهي اكبر دولة في منطقة الخليج الى حد لا يقبل المقارنة بجميع الدول العربية المذكورة آنفا، قد اختارت طريق القوة والتهديد باستعمالها القوة بدلا من طريق القانون فيما كانت تطالب به من توسع اقليمي على حساب البلاد العربية وهو الامر الذي لابد وان ينعكس على الوزن السياسي لهذه الدول.

وبطبيعة الحال لا تنصرف تلك الاهمية المرتبطة بالجزر الثلاث فقط الى وقت ظهور البترول في هذه المنطقة عقب الحرب العالمية الثانية، او الحديث منذ اواخر الستينات عن امن المحيط بهذا الخليج، فالسياسة السوفييتية قد درجت منذ بطرس الاكبر على محاولة الزحف نحو الخليج اتساقا مع ازمة السوفييت المرتبطة بعدم قدرتها على الوصول الى البحار الدفينة (10). وفي الوقت ذاته فالامبراطورية البريطانية قد درجت هي الاخرى في ضوء مصالحها شرقي السويس وامتدت اداتها الى جنوب القارة الآسيوية ان تجعل من هذه المنطقة موضع سيطرة واهتمام منها، والامر كذلك إذا نظرنا اليه بمفهوم اوسع في نطاق التنافس الاستعماري سواء البرتغالي - البريطاني أو السوفييتي - البريطاني أو السوفييتي - البرتغالي فكل منها يجعل نقطة ارتكازه منطقة الخليج (11).

ولكن الامر الاكثر اهمية هو ان من يسيطر على هذه الجزر يسيطر بالتبعية على الخليج، وعلى حركة التجارة الدولية دخولا وخروجا منه، كما انه يمكنه بتحقيق قدر ليس بيسير من النفوذ والتأثير في السياسة الدولية، ومن ثم من توجهاتها. ومن جانب آخر، فإضافة متغير البترول المرتبط بالمنطقة لابد وان يزيد من حجم هذه الاهمية، فواقع الامر يدل على ان منطقة الخليج دون ان يصل الامر الى حد المبالغة تمثل اكثر مناطق العالم خطورة واهمية، او بالأحرى احدى نقط او بؤر الصراع الذي يدور حول اعتبارين: الموارد من جانب والممرات من جانب آخر ولذلك لا تفلت المنطقة من هذه الحقيقة.

 

قضية التبعية

 

ان منطقة بمثل هذه الاهمية السابقة الذكر لابد وان تفترض الصراع حولها وهذا الصراع لابد وان يفترض الصدام بين ارادات يسعى كل منها لاحتواء الارادات الاخرى، ولكن بطبيعة الحال لابد من ان يكون لأحد الارادتين غلبه في النهاية ووفقا لمصدر الشرعية التي تستتر خلفه حتى لو تمكنت ارادة من احتواء او اعتلاء ارادة اخرى في فترة من فترات الزمن. ومن ثم فإن الامر يفترض في متابعة لقضية اخرى لا تقل اهمية عن الاولى التي تشكل جوهر الصراع، وهي قضية التبعية.

ان المتتبع لقضية الجزر الثلاث لابد وان يواجه بنظرتين كل منهما يستند على مجموعة من المبررات التي تؤيد وجهة نظره بشأن تحديد تبعية هذه الجزر له، وبمعنى آخر سوف نجد ان هناك - تجاوزا - ادعاءات من جانب الامارات، وفي المقابل هناك ايضا ادعاءات من جانب ايران. وتحقيقاً للحياد العلمي سوف نفترض بطلان كل من ادعاءات الطرفين في أحقية امتلاك الجزر الثلاث.

وهنا لابد من وجود مصدر يؤيد صحة أي من الادعاءين او أحقية أي من الطرفين وهنا نسلم بفرضية اخرى، وهي الرجوع الى الوثائق البريطانية وهي التي تؤكد صحة أي من الادعاءين وهنا نستعرض عددا من تلك الوثائق لتبيان صحة هذين الادعاءين في مواجهة بعضهما بعضا.

 

وثيقة رقم (1)

رقم 1488 ي

من.. سكرتير حكومة الهند في وزارة الخارجية

الى المقدم س.أ.كيمبالي

ارخت في فورت وليام 10 مارس 1903

سيدي،

1- اعترف باستلام كتابكم رقم 3 المؤرخ في 12 يناير 1903 المتعلق باقتراح بعض التجار بأن جزيرة ابو موسى يجب تقسيمها الى لينجا كمرفأ لتوقف السفن. للتعبئة ضد اية احتمالات طارئة من جانب الحكومة الفارسية، التي تطالب بالسيادة على الجزيرة، انك تقترح بأن رئيس الشارقة، والتي هي ملكه، يجب نصحه لرفع علمه عليها دلالة على ملكها.

2- ان الجزيرة ليست معتمدة على الحكومة الفارسية، وان حكومة الهند توافق على انه من المرغوب فيه اتخاذ الاحتياطات مقدما ضد الادعاءات المشابهة لتلك التي قدمت في قضية جزيرة صيري. ولذلك فإنني اطلب إذا اراد رئيس الشارقة ان يتخذ اجراء فعليكم الترتيب له لرفع علمه فوق ابو موسى. وانه ايضا من اجل البحث إذا وجب نصيحة شيخ رأس الخيمة لرفع علمه فوق طنب والتي بشكل واضح تتبع الى  عائلة القواسمي وحيث انه من الواضح حتى الآن ان ايران لم تفرض سيطرتها عليها من قبل.

نرجو مشورتكم بخصوص هذه النقطة دون تأخر.

 

ولي الشرف ان ابقى يا سيدي  خادمكم المطيع

التوقيع

سكرتير الحكومة الهندية

 

وثيقة رقم (2)

 

نموذج برقية

الوزير

طهران

رقم: 71 تاريخ 13 يوليو 1905

»بي« لقد ابلغ دار يابيحي الحكومة الفارسية بأنه قد ذهب الى طنب وان رئيس الشارقة حقيقة قد شيد (30) ثلاثين منزلا ورفع علمه عليها.

يرجى ابلاغي عن حقيقة الامر.

جواب

الى: الوزير، طهران

رقم 97 تاريخ 17 يوليو 1905

(بي). برقيتكم رقم 71 عن طنب. ان علم القواسمة العربي بعد تمزيقه من قبل الجمارك الفارسية في مارس 1904 قد رفع ثانية من قبل الشارقة في حزيران (راجع الى كتابنا رقم 100 بتاريخ 15/7/1904) وقد تم مرفوعا على مسؤولية ممثلي الشيخ بعد ذلك. وأن الثلاثين بيتا المذكورة هي اكواخ من القش والطين في القرية الاصلية على الجزيرة (ارجع الى الخارطة الاميرالية المعنونة بـ »الدخول الى الخليج الفارسي«). انه لا توجد اعمال جديدة. ان اعادة فتح القضية الآن يعود الى المفاجآت الروسية حيث ان مندوب القنصل الروسي في بندر عباس قد اصطحب واريابيجي في رحلته الاولى. لكن الاخير لم يهبط ارضا وقدم اليه تقرير بعد مسح الجزيرة بواسطة التلسكوب.

يرجي رؤية مراسلاتكم في السنة الماضية الخاصة بجزيرة صيري. وهي يحق لنا الآن ان نرفض مناقشة هذه التقارير الزائفة الخاصة بطنب إلا إذا ازالوا اولا العلم الفارسي من صيري. انه لا يوجد فارسيون على صيري الآن عدا مأجور واحد مسؤول عن العلم.

ارسلت نسخة الى الخارجية

(كوكس)

 

وثيقة رقم (3)

 

بوشاير 28/4/1918

عزيزي السير دراموند وولف

 

انني ارسل اليكم بطيه ترجمة التقرير المرفوع الى امين السلطان من قبل حاجي احمد خان، سيرتيب، المتعلق بالمطالب الفارسية في السيادة على »جزيرة صيري« وجزر اخرى في الخليج الفارسي. ان الورقة قد وجهت الي سرا. ومن المرغوب فيه ألا تعلم السلطات الفارسية بها. ومن المفيد لسعادتكم ان تعلموا بدقة الاسباب التي يعزو اليها الفارسيون مطالبهم وإلا فإنه لا جديد في تقرير حاجي احمد.

ان جملة الخاصة بـ صيري« لا تمس الموضوع وقت صدوره.

اننا اعترفنا بأن الجزيرة قد تمت ادارتها من قبل حكام الينجا، ولكن كشيوخ عرب »القواسمة« وليس كموظفين فارسيين، ان كتاب »المرشد البحري الفارسي« هو بحري وليس سياسيا وان البيانات التي به عن وضع اماكن مختلفة لا يمكن اعتبارها رسمية.

ان الادعاء المقدم بخصوص جزيرة »ابو موسى« ليس له تبرير على الاطلاق، وان اية محاولة لتأكيد السيطرة الفارسية هناك وبشكل عملي سيؤدي حتما الى اضطرابات وقلاقل.

 

المخلص

توقيع.. اي.س.روس

 

وثيقة رقم (4)

 

ملاحظة حول قضية جزيرة طنب

انه في برقية الوزير رقم 54 بتاريخ 20/،5 وفي هذه قيد الاجابة الآن فقد تبين ضمن صلاحية دار يابيجي بأن حاكم الشارقة يشيد المباني انه لمن دواعي الشك ان الشيخ صقر يشيد فعلا المباني على الجزيرة، ولكن إذا كان يفعل هذا أم لا فإن جوابنا على الادعاء يبقى كما هو، وهذا يعني.. اننا دائما رفضنا الاعتراف بالسيادة الفارسية على الجزيرة فإننا لسنا على استعداد لنستمع الى الشكاوى الخاصة بالبناء من قبل العرب الذين يقطنون في اكواخ على الجزيرة والتي تعتبر ابدا الميراث الحقيقي لهؤلاء العرب.

ان الحكومة الفارسية التي تشجعني بسبب نجاحها السابق الخاص بجزيرة صيري، تبدو متشوقة بشكل واضح لإعادة التجربة في جزيرة طنب، ولكنني احث بجراءة على تحذيرهم كما هو في معنى الجزء الاخير من برقية الوزير رقم 54 (ارجع الى الاشارة أ في الملف المرفق)، اضافة الى ذلك فإن قضيتنا الخاصة بجزيرة صيري هي اقوى من اي وقت مضى، وبسبب تأخيرنا لدعم المطالب العربية فإنه يبدو حتى الآن اننا نستطيع ان نعمل قضية كبيرة بناءً على كتاب القاطنين رقم 162 بتاريخ 11/6/1904 (راجع الى الاشارة ب في ملف 667). ان هذا الكتاب قد ارسل الى الخارجية والوزير، وبما انه لم يتخذ اي اجراء فيما بعد حول الموضوع فإنني اقترح الطلب من الوزير ان يرجع الى ذلك الكتاب وبهذا يؤهل نفسه لاستئناف الحوار حول صيري إذا استمرت الحكومة الفارسية في الاستمرار في الضغط لتحقيق اهدافهم ضد الاحتلال العربي لجزيرة طنب.

 

سي.اتش. جابرييل

16/7/1905

 

وثيقة رقم (5)

استلم في 15/8 مع كتاب السكرتير السياسي

رقم 31 بتاريخ 29/7/1904

من مكتب الخارجية الى مكتب الهند

15/7/1904

سيدي،

انا موجه من قبل ماركيز لاينز داون لأنقل اليه المرفق ليوضع امام وزير خارجية الهند، وان نسخة من المرسل من وزير جلالة الملك في طهران مقدما الانسجام مع الحكومة الفارسية في احترام جزر طنب وابو موسى.

ان اللورد لاتزدادن يقترح، إذا وافق السيد برودريك، على تصديق شروط الملاحظة المواجهة من قبل السير أ. هاردينج الى موشايرد داوله بتاريخ الخامس عشر من الشهر المنصرم.

 

المخلص

توقيع.. اي.جورست

 

وثيقة رقم (6)

 

مكتب الهند

27/7/1904

سيدي،

انني موجه من السيد السكرتير برودريك

لأعترف باستلام كتاب السير اي.جورست في الخامس عشر من تموز متضمنا رسالة رسمية من السير أ. هاردينج باعثا ترجمة الملاحظات التي تبودلت اخيرا بين الحكومة الفارسية وبين المندوب البريطاني في طهران لاحترام جزر طنب وابو موسى.

وجوابا على ذلك اقول ان السيد برودريك يتفق مع اقتراح اللورد لانزداون للموافقة على شروط الملاحظة الموجهة من السير أ.هاردينج الى موشايرد داوله في الخامس عشر من حزيران.

 

المخلص

توقيع. أ. جودلي

وكيل وزارة الخارجية

مكتب الخارجية

 

وثيقة رقم (7)

 

اتش.ام.اس. »سفينكس« في بوشاير

20/6/1904

 

سيدي،

يشرفني ان ابلغكم بأنني قد ذهبت الى الشارقة يوم السابع من حزيران واعطيت كتابكم الى الشيخ والمندوب. وقد وضعت خدمات السفينة تحت تصرف الشيخ من اجل الهدف الموضح في كتابكم الي ولكنه لم يفد نفسه من العرض.

وقمت بزيارة طنب وابو موسى في اليوم التالي ووجدت انه تم اخلاء هذه الجزر من قبل الفارسيين وازيلت الاعلام.

 

ولي الشرف ان اكون يا سيدي خادمكم المطيع

توقيع

القائد وقائد البحرية في الخليج الفارسي

 

وثيقة رقم (8)

 

رقم 30/12 يناير

1903 (خارجي)

سيدي،

يشرفني ان اكتب ردا لخطابي رقم 55 د/14 مارس 1902 في موضوع جمارك لنجا.

خلال زيارتي الاخيرة الى لنجا عرفت ان التجارة في تلك المنطقة قد تدهورت كثيرا خلال العام الماضي، فالتجار الذين يحضرون بضائعهم الى لنجا ومن ثم يصدرونها الى الشاطئ المقابل قد اتفقوا مع شركة بومباي س.ن الفارسية لأجل ابراز خدمات مباشرة ومنتظمة مع اجزاء الشاطئ العربي.

وعند زيارتي لتلك الاماكن رأيت احدى السفن لتلك الشركة في دبي وعرفت انها تأتي الى دبي كل خمسة عشر يوما وفي بعض الاحيان يتوقف عدد كبير من سفن شركة ب.س.ن.ف في ميناء دبي ولربما في اعتقادي، يمكن ان نسلم بأن التجارة التي بوشرت في لنجا لن تعود الى قديم حالها، بالتالي فإن اهمية هذا الميناء ستستمر في التدهور نتيجة الادارة الجمركية البلجيكية.

ولقد اخبرت وأنا في لنجا ان التجار في تلك المنطقة متفقون مع شركة ب.س.ن.ف لاتخاذ ميناء جزيرة ابو موسى مكان توقف وذلك للامكانات المتوافرة لهم في اعمالهم، ولقد اخبرت بأنه إذا اكتملت هذه الاتفاقية فإن تجارة اللؤلؤ من المحتمل الا تعود الى لنجا وسيستمر هذا الميناء في التدهور.

وفي اعتقادي بعد البحث في هذا الامر حاليا فإني اعتبره في حدود احتمال استمرار اتخاذ السفن ميناء ابو موسى موقفا، فإن الفارسيين سيطالبون بكون هذه الجزيرة فارسية بالطريقة نفسها التي استولوا بها على جزيرة (صيري) والتي رفع عليها العلم الفارسي وجزيرة ابو موسى التي تقع على مسافة قريبة من جزيرة صيري قطعا تنتمي الى القاسمي شيخ الشارقة ويزورها سكان الخان والشارقة شتاء لغرض رعي ابقارهم. وفي غير هذا الموسم يترك السكان الجزيرة وتصلنا تقارير من ممثل الحاكم المقيم بأنه ينبغي ثلاثة رجال لحراسة شجر النخيل والتي يمتلكها الشيخ سالم عم حاكم الشارقة. وحاليا لا يرفع العلم الفارسي على الجزيرة ولكن اضع في الاعتبار مسألة نصح حاكم الشارقة بترك علمهم مرفوعا على الجزيرة علامة امتلاكها وفي حالة موافقة حكومة الهند فإنني سألفت انتباه حاكم الشارقة للامر. بيد ان احتمال احتلال الفارسيين للجزيرة يجب ان يوضع في الاعتبار.

نسخة للوزير

تعقيب جانبي.. في رأيي انه يجب ارفاق نسخة من خطاب (د.و) الكولونيل (روس) ك.ل.هـ (درموند ودلف) (ع 28/4/88). وبذا يبدو ان طلب الفارسيين لاحتلال جزيرة ابو موسى قد نظر فيه من قبل (س/59 ب، 45 قابل صيري).

نتبين ان الوثائق تعطي الصحة في الادعاء العربي في قضية التبعية، والامر لا يقف عند هذا الحد، فتأكيدا لما سبق وان استخلصناه من استعراض مجموعة الوثائق البريطانية (12)، فالامر يستلزم مقابلة بعض قواعد القانون الدولي في شأن طرق كسب الاقليم حتى يتبين لنا في النهاية مدى وجوب الاحقية المطلقة ام النسبية للادعاء العربي.

 

التكييف القانوني الدولي لطرق كسب السيادة القانونية على الاقليم

 

درج الفقهاء على تقسيم طريق اكتساب الاقليم في القانون الدولي الى طرق اصلية واخرى ناقلة وذلك بحسب ما إذا كان الاقليم موضوع الاكتساب خاضعا لسيادة دولة ما او غير خاضع فالتنازل والفتح والتقادم من طرق الاكتساب الناقلة ام الاستيلاء والاضافة فهما من طرق الاكتساب الاصلية وفي ما يلي تعريف موجز لكل من هذه الطرق.

اولا: الاستيلاء Occupation

هو ادخال الدولة في حيازتها المادية اقليما غير مملوك لدولة ما بقصد فرض سيادتها عليه فموضوع الاستيلاء يتصل بالاقاليم التي تتبع اية دولة من الدول اي الاقاليم المباحة Res Nullins وقد كان الاستيلاء فيما مضى الطريق الشائع لكسب ملكية الاقاليم نظرا لوجود بقاع كثيرة غير مأهولة او غير مملوكة لأحد وهو ما ليس متوافرا في الوقت الحاضر بعدما تم اكتشاف سطح الارض قاطبة ولم يعد هناك من الاقاليم ما لا يخضع لولاية دولة ما.

 ثانيا: الاضافة Accretion

تكتسب الدولة السيادة الاقليمية على المساحات الجديدة التي تضاف الى اقليمها الاصلي بفضل العوامل الطبيعية او بفعل الانسان، ويتم ذلك دون حاجة الى قيام الدولة بأي عمل او اجراء خاص من جانبها لتقرير سيادتها على هذه المساحات الجديدة التي تسعى بالإضافات لأنها تلحق اقليم الدولة الاصلي فتصبح جزءا لا يتجزأ منه. من امثلة ذلك الحواجز البحرية التي تقيمها الدولة عند شواطئها، إذ يترتب عليها ازدياد اقليم الدولة لأن مياهها الاقليمية تقاس في مثل هذه الحالة من نهاية الحواجز. اما المضافات الطبيعية فهي الاكثر حدوثا وامثلتها كثيرة.. منها الزيادات التدريجية او العجائية في الشواطئ البحرية ومنها حدوث زيادة في دلتا النهر ومنها نشأة جزر جديدة ضمن البحر الاقليمي للدولة.

ثانيا: التنازل Serrion

وهو تخلي دولة لدولة اخرى عن سيادتها على اقليم معين بمقتضى اتفاق بينهما وهو قد يكون بمقابل في صورة مبادلة او بيع وقد يكون دون مقابل ويطبق على اتفاق التنازل القواعد الخاصة بالمعاهدات لاسيما ما يتعلق منها بالشروط الشكلية والموضوعية لصحة المعاهدة ونفاذها كما يراعى فيه رغبات السكان القاطنين في الاقليم المتنازل عنه احتراما لحقهم في تقرير المصير.

رابعا: الفتح Conquest

وهو اخضاع دولة لاقليم دولة اخرى كلا او بعضا، بواسطة القوات المسلحة للدولة الفاتحة وضمه لإقليمها، ويكون الفتح عادة بعد انتهاء الاعمال الحربية ويتم بإعلان من جانب الدولة الفاتحة يضم الاقليم المفتوح، ويبلغ الاعلان لسائر الدول بالطرق الدبلوماسية توطئة لاعترافها بالضم صراحة او ضمنا، لكن هذا الاسلوب من اساليب ملكية الاقاليم اصبح غير مشروع البتة في عهد عصبة الامم (المادة 10) وتأكد من ذلك في ميثاق هيئة الامم المتحدة (المادة 3/4) وهذا رأي جمهور الفقهاء.

خامسا: التقادم Prescription

وهو وضع اليد لمدة طويلة على اقليم يخضع بالفعل لسيادة دولة اخرى فهو إذن من طرق الاكتساب الناقلة.

ونظرا لعدم وجود قواعد تفصيلية عرفية او اتفاقية تنظم احكام التقادم او انقضاء مدة طويلة على الحيازة الفعلية وقد ذهب بعض الفقهاء الى انكار وجود ذلك النظام في القانون الدولي (13).

بعد هذا العرض لاحكام القانون الدولي الناظم لاكتساب السيادة القانونية على الاقليم ننتقل الآن لتطبيق هذه الاحكام على الحالة المعروضة هنا ونعني حالة جزر ابو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى ونتناول هنا الوضع القانوني للجزر.

 

الوضع القانوني للجزر

 

ثابت من عرض الوقائع والادلة المكتوبة ان القواسم الذين يحكمون الشارقة ورأس الخيمة العربيتين هم الذين مارسوا بصورة فعالة ومستمرة مختلف مظاهر السيادة على جزر ابو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى وكانت هذه الممارسة تتناسب وظروف هذه الجزر من حيث صغر المساحة وقلة السكان، ومن تلك المظاهر لممارسة السيادة ادارة المرافق العامة ومنح امتيازات استقلال الموارد الطبيعية واستيفاء الرسوم ورفع العلم العربي للامارتين عليها. كل ذلك يثبت توافر الحيازة الفعلية والفعالة للجزر من قبل الامارتين ويقدم السند القانوني النافذ لكسبها السيادة عليها بالتقادم وبغض النظر عمن كانت السيادة القانونية له عليها قبل عام 1750 وهذا السند لا يمكن ان ينتقص منه ما قدمته ايران في اوقات متباعدة من ادعاءات او احتجاجات شكلية، لأن الاحتجاج الشكلي، الورقي، او الادعاء المجرد من أي سند لا يمكن ان يعارض الحيازة الفعلية والفعالة للاقليم وقد لاحظنا ان القضاء والتحكيم الدوليين يرفضان باستمرار الاخذ بالاحتجاج والتحفظ وخاصة المقتطع عنها، ضد الممارسة الفعالة للسيادة، ممارسة تتناسب مع ظروف الاقليم. والملاحظ ان تحفظات ايران المتقطعة هذه أنصبت على وضع جزيرة »ابو موسى« دون غيرها كما تدل الوثائق المعروفة حتى الآن. ولكن حتى في شأن هذه الجزيرة لم يكن موقف ايران مستمرا ومنسجما وجديا. اما بالنسبة لجزيرتي طنب فقد لاحظنا كيف تراجعت ايران مع الاعتذار عن مسألة رفع علمها عليهما وعلى ابو موسى عام 1904. ثم ان ايران لم تعترض يوما على منح حكام الشارقة ورأس الخيمة الامتيازات المتتالية بالتنقيب عن النفط وغيره من المواد المعدنية الخام بل ذهبت منذ البداية الى القرار بحق هؤلاء الحكام وحدهم في منح مثل هذه الامتيازات، وفيما يخص موقف الدول الاخرى فهو الآخر يعزز ويوطد الحيازة الفعلية للامارتين ويظهر ذلك بكل وضوح من جانب الحكومة البريطانية وممثلها منذ اوائل القرن الماضي وحتى انتهاء الحماية البريطانية في اواخر العام الماضي ومن سكوت الدول الاخرى على هذا الوضع وغضها النظر عنه مع علمها الكامل به لما رافقه من علانية وهدوء (14). وإذا كان الاجتهاد قد اقر بأن خمسين عاما من الحيازة الفعلية تكفي لاكتساب الملكية بوضع اليد إلا في حالات خاصة يقررها اتفاق الطرفين، افلا تكفي مائتا عام ويزيد من الحيازة الفعلية الهادئة والعلنية تجعل السيادة القانونية على الجزر الثلاث للشارقة ورأس الخيمة؟!

 

الوقائع التاريخية

 

اما التاريخ القديم فيدل على ان هذه الجزر خضعت عبر العصور للفاتحين المتوالين الذين حكموا منطقة الخليج من يونان ورومان وفرس وعرب ومغول وبرتغاليين وانجليز، وهو امر ينطبق على ايران ذاتها، فقد حكمها الميديون والفينيقيون وكل الاقوام الاخرى.

بل لقد اقتسمتها بريطانيا وروسيا في 31 اغسطس 1907 كذلك اعتلت بريطانيا الجانب الايراني من الخليج وقفزت منه على الجانب العربي، وفي الحرب العالمية الثانية اكتسح الحلفاء ايران عام 1941 وانزلوا الشاه من عرشه وبقيت جيوش الحلفاء في ايران الى ما بعد الحرب. ولو ان للاستعمار حقوقا تاريخية على مستعمرات ومناطق نفوذه لما كان للحكومة الشاهنشاهية حقوق في اراضيها ذاتها (15).

وان سكانها جميعا ينتمون الى فروع ذات القبائل العربية التي تسكن البر المقابل، وعندما فرضت بريطانيا الحماية على مشايخ الخليج ومنهم شيخ القواسم سلطان بن صقر القاسمي على اثر ما اسمته حروب القرصنة اعتبرت الجزر الثلاث من توابع الشارقة ورفعت اعلامها وقد حدث عام 1904 وعلى وجه الدقة في شهر ابريل من ذلك العام ان قام موظف بلجيكي يعمل في مصلحة الجمارك الايرانية بزيارة جزيرتي »ابو موسى« و»طنب« وانزل عنهما علم الشارقة، ورفع محله العلم الفارسي تاركا بعض حراسه لحماية العلم الجديد، فاحتج الممثل البريطاني في طهران نيابة عن شيخ الشارقة، وانكرت الحكومة الفارسية علمها بالحادث وأمرت بانسحاب الحرس وانزال علمها من الجزيرة وقد تم ذلك  في 14 يونيو 1904 حيث اعيد علم الشارقة على الجزيرة وظل هذا العلم يرفرف فوق »ابو موسى« وظل علم رأس الخيمة يرفرف فوق طنب الكبرى والصغرى الى ان انزلتهما القوات الايرانية عنوة في مطلع شهر ديسمبر 1971.

ويقول الدكتور هانلي D. Hanley إن الحكومة البريطانية كانت منذ بداية وجودها في الخليج تعتبر الجزر ملكا لإمارة الشارقة ورأس الخيمة، وان الفرس لم يجعلوا من مطالبتهم بالجزر نقطة خلاف، كما انهم لم يحاولوا التدخل بأنفسهم بصورة مباشرة في شؤون تلك الدول.

وهذا الاستنتاج تدعمه الوثائق والمراسلات البريطانية ، ومن ذلك المراسلات الرسمية في اواخر القرن التاسع عشر حتى عام 1935 وهذه نماذج  عليها:

1- في 28 سبتمبر 1912 كتب المقيم السياسي البريطاني في الخليج »السير بيرس كوكس Percy cox الى شيخ الشارقة »وكانت رأس الخيمة مرتبطة بها« صقر بن سلطان القاسمي يطلب منه السماح بإقامة منار في جزيرة طنب التابعة له لهدي البواخر العابرة للخليج فأجابه الشيخ في 12 اكتوبر 1912 بموافقته شريطة »ألا يحدث تدخل في شؤون الجزيرة عدا هذا« (16).

2- في 14 رمضان 1354 هـ كتب المعتمد البريطاني كتابا للشيخ سلطان بن سالم اشار فيه الى جزيرتكم طنب« (الملحق رقم 7).

3- في 2 ذي الحجة الموافق 3 فبراير 1938 كتبت وكالة الدولة البريطانية في ساحل عمان المتصالح الى الشيخ سلطان بن سالم حاكم رأس الخيمة تطلب منه الاذن لاحد المهندسين في »ابو موسى« بزيارة جزيرة  طنب الذي يريد التفاهم مع حضرتكم في خصوصها، راجيا من حضرتكم ان تتفضلوا بالاذن له ليتسنى زيارة جزيرة طنب وكذلك تكتبون الى وكيلكم في جزيرة طنب عن ذلك (الملحق رقم 2)، وكانت هذه الرسالة الثانية بهذا الخصوص فقد سبقتها مراسلة مماثلة في السادس من صفر 1354 (الملحق رقم 3).

4- في آب 1929 ارسل المقيم والقنصل البريطاني العام في بوشهر كتابا الى حاكم رأس الخيمة في موضوعات شتى منها ما يتعلق بجزيرة طنب التي ذكرها بأنها »جزيرتكم« واشار الى أهمية رفع العلم عليها عند مرور السفن واقامة منارة لإهداء السفن (الملحق رقم 4).

5- في 13 مايو/ايار 1953 كتب المعتمد السياسي في الامارات المتصالحة رسالة برقم 57/1084 (الملحق رقم 5)، الى الشيخ صقر بن محمد حاكم رأس الخيمة يطلب فيها منه التأييد له عما إذا »كنتم ترفعون علمكم على جزيرتي طنب ونابيو طنب بصورة دائمة وانكم تبعثون مندوبكم في كل شهر للمراقبة على هاتين الجزيرتين«.

6- وفي 21 اكتوبر/تشرين الاول 1957 كتب المعتمد البريطاني في الامارات بدبي كتابا برقم 57/1211 (الملحق رقم 6) الى حاكم رأس الخيمة يخبره فيها بأن بارجة حربية بريطانية ستزور رأس الخيمة زيارة رسمية وتسافر بعدها الى جزيرة طنب التي »هي من ممتلكاتكم« وذلك بقصد نصب لوحة على شاطئها تشير الى انها »ملككم وهذه تساعد على عدم تشجيع ادعاءات السلطة الاجنبية. ونظرا لتأجيل الزيارة بعث المعتمد البريطاني (أ.ج.بي واكر) برسالة اخرى للحاكم تاريخها 17 مايو/ايار ،1958 اكد فيها مضمون الرسالة السابقة بكامله وطلب ارسال مندوب ليحضر اقامة اللوحة على »نابيو طنب« مكتوبا عليها بأن الجزيرة ملككم (الملحق رقم 7).

7- وفي 21 اكتوبر/تشرين الاول 1961 لما حاولت ايران ارسال جماعة لمسح جزيرة طنب بعث المعتمد السياسي البريطاني (أ.ج. ام كريك) برسالة للشيخ صقر القاسمي حاكم رأس الخيمة رقمها 61/1033 (الملحق رقم 8)، يفيد فيها ان حكومة صاحبة الجلالة احتجت باسمه لدى حكومة طهران على ذلك، وقد سحبت المجموعة بعد ذلك.

8- اضف لذلك كله سلسلة متصلة من تصريحات المسؤولين البريطانيين كلها تؤكد تبعية جزيرة ابو موسى للشارقة وطنب الكبرى والصغرى لرأس الخيمة، لسنا في حاجة الى التعرض لها تفصيليا، ولكن يمكن الاحالة اليها مرجعيا.

9- ثم ان تبعية »ابو موسى« للشارقة وطنب الكبرى والصغرى لرأس الخيمة بعد اعتبارها امارة مستقلة مثبتة باتفاق بين افخاذ القواسم المشكلين  لكلا الامارتين (الملحق رقم 9).

10- وحتى شيخ لنجة التابعة لإيران اعترف غير مرة بهذه التبعية. ففي كتاب من الشيخ علي خليفة الى شيخ رأس الخيمة مؤرخ في 13 محرم 1294 هـ يقول »لأن الجزيرة المذكورة (اي طنب) واقعة ضمن ممتلكاتهم.. ان هذا هو الدافع وانني مقتنع بأن جزيرة طنب هي احدى ممتلكات قواسم عمان. ونحن لا نمتلك اية ممتلكات هناك وليس لنا أي تدخل إلا بموافقتكم« (الملحق رقم 10).

وفي كتاب ارسله الشيخ يوسف شيخ لنجة الى الشيخ حميد بن عبدالله شيخ رأس الخيمة بتاريخ 1 جمادى 1301 هـ يقول »بالحقيقة ان الجزيرة تخصكم يا قواسم عمان ولقد وضعت يدي عليها ظنا مني انكم موافقون على اساس ان العلاقات بيننا هي علاقات مودة ولكن حيث انكم الآن لا تريدون ان ازرع اشجار النخيل هناك ولا تريدون آل بوسميط ان يقطعوا حشائش من هناك فإن شاء الله سوف امنعهم من ذلك وتبقى علاقاتنا معكم ودية« (الملحق رقم 11)، ونجدنا امام الاقرار نفسه في رسالة بعث بها خليفة بن سعيد الى الشيخ احمد بن عبدالله في 2 رمضان 1289هـ (الملحق رقم 12).

11- اكثر من هذا ففي رسالة برقم 72/1 ج/7 تاريخ 13 نوفمبر 1935 كتب المدير العام لشركة الزيت الانجلو ايرانية رسالة للشيخ سلطان بن سالم حاكم رأس الخيمة يناقش فيها مسألة التنقيب عن الزيت في جزيرة الطنب وعن بعض المواقع الاخرى »داخل حدود بلادكم«، ثم في 2 ديسمبر 1935 كتب يقول بوضوح اكثر »لاحقاً لكتابنا المرقم 72/هـ ان المؤرخ في 13 نوفمبر 1935 لنا الشرف ان نخبركم بخصوص جزيرتكم الطنب اننا سنواصل ان نطمح Prospect هناك إذا رأينا من الضرورة وحيث انها داخلة بحدودكم فإنها مضمونة بشروط الخيار (الملحقان ،13 14).

لدينا ادلة تثبت اعتراض او تحفظ ايران على هذا الوجود العربي المستقبل في الجزر الثلاث ولكن من الواضح من حادثة عام 1904 وقد يكون لها سوابق ولواحق ان ايران سعت بصورة متقطعة للمطالبة بحق ما على الجزر سواء بطريق التراسل مع بريطانيا كدولة حامية او بطريق التسلل لزرع علمها في هذه الجزيرة او تلك بين حين وآخر وبخاصة في نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحالي. اما بعد ذلك فكل الادلة المتوافرة تشير الى انها اذعنت للوجود العربي في الجزر وسلمت بسيادة العرب عليها وقد لاحظنا موقفها عن قضية رفع علمها على الجزر عام 1904 وكيف انها تنصلت منها وأمرت بإنزاله بعد ايام معدودات من رفعه وكيف اقرت في عام 1935 ان التنقيب عن الزيت في طنب يخص حاكم رأس الخيمة ثم كيف تخلت في الستينات عن فكرة مسح جزيرة طنب.

 

مناقشة الحجج الايرانية

 

بيّنا فيما سبق ان الحكومة الايرانية لم تتقدم علناً بأي دليل Evidence او Proof يدعم مطالبتها بالجزر الثلاث وإنما اكتفت في مناسبات متفرقة بذكر حجج Arguments يمكن ادراجها في ثلاث فئات (17).

1- ان السيادة على الجزر كانت لإيران قبل بداية الاحتلال البريطاني للمنطقة منذ ثمانين عاما.

2- ان الخرائط البريطانية تدخل الجزر في السيادة الايرانية.

3- ان مصالح ايران الاستراتيجية وأمن الخليج يتطلب من تبعية السيادة على الجزر لإيران.

1- اما بالنسبة للحجة الاولى فالرد عليها ينبع منها. ان حجة السيادة السابقة التي تزعم ايران انها كانت لها على الجزر قبل ثمانين عاما حجة يعوزها الدليل.

فأين ما يثبت ذلك من القانون؟ ثم ان ايران تزعم انها تخلت عن سيادتها على الجزر لتستعيرها بريطانيا فأين اتفاق الاعارة هذا وإذا كان هذا الادعاء صحيحا فكيف تنفيه بريطانيا بوثائقها التي استعرضناها وبتصريحات مسؤوليها الرسمية (18)؟ وكيف حصل ان السيادة الفعلية على الجزر لم تمارسها بريطانيا منذ وصلت الى الخليج حتى انتهت حمايتها عليه وإنما مارستها امارة الشارقة حتى 1921 ثم امارة الشارقة ورأس الخيمة بعد ذلك بلا انقطاع حتى الاحتلال الاخير للقوات الايرانية للجزر الثلاث وكيف حصل ان ايران اخيرا تفاوضت في شأن ابو موسى مع الشارقة وتوصلت معها وليس مع بريطانيا الى تسوية مؤقتة لهذه الجزيرة؟!

وإذن فلا محل للحجة الايرانية الاولى لا في الواقع ولا في القانون.

2- واما بالنسبة للحجة الايرانية  الثانية المتصلة بالخريطة  البريطانية التي رغم انها تدخل الجزر في السيادة الايرانية وهي الحجة التي استند اليها مندوب ايران في مجلس الامن دون ان يتجشم مشقة اثباتها بحجة ان مجلس الامن ليس محكمة، فتذهب الى ان الخرائط البريطانية الصادرة عام 1870 تشير الى جزيرتي طنب باعتبارها جزرا ايرانية ولعل المقصود بذلك ان هذه الجزر ظهرت في الخرائط باللون نفسه الذي اعطته الخريطة لإيران. والرد على هذه الحجة ميسور وممكن. يلاحظ ان المحاكم الدولية التحكيمية والقضائية تتحفظ كثيرا في قبول الخرائط بمنزلة دليل على الحدود. فلا عبرة مثلا بالخريطة إذا تعارضت مع وصف الحدود الوارد في معاهدة او مع غير ذلك من الادلة القانونية.

اما فيما يتعلق بالخرائط البريطانية التي يدعي الايرانيون بوجودها دون ان يبرزوها علنا، فمن الواضح انه لا يمكن نسبتها الى الحكومة البريطانية ما لم تكن موثقة من شخص يمثل الحكومة البريطانية في علاقاتها الدولية وهو شرط غير متوافر. ولكن حتى لو توافر لا عبرة به لأنه ليس اكثر من اعتراف ضمني من دولة اجنبية وهو اعتراف لا قيمة له لأن ذات الدولة ادلت غير مرة وبصورة اكثر وضوحا وقطعية باعترافات مضادة تفيد بسيادة الشارقة ورأس الخيمة على الجزر والاعتراف الصريح اللاحق لا يدفع باعتراف ضمني سابق ومطعون في استيفائه للشروط اللازمة للأخذ به مبدأ. وقد رأينا في سردنا للوقائع ان بريطانيا تقر بسيادة الشارقة ورأس الخيمة على الجزر في اكثر من وثيقة رسمية معلنة ومنشورة.

3- اما الحجة الثالثة التي ركزت ايران عليها في مطالبتها بالجزر فهي مصالح ايران الاستراتيجية وأمن الخليج يتطلبان تبعية الجزر لها وهي كما هو واضح حجة سياسية لا تجد محلاً لها في القانون. في كتابه المعروف »حيازة الاقليم في القانون الدولي المطبوع عام 1961 يقول ربى جنتفز« ثمة فرق بين الحقوق القانونية Legal Rights والادعاءات السياسية.. Political Claims فيما يتعلق بالسيادة على اقليم ما ويضرب لنا مثلا جزيرة ما تمارس عليها الدولة »أ« سيادة واقعية مما يمكن معه القول ان لها عليها حقا قانونيا او ان السيادة القانونية عليها تكمن في الدولة »أ« ثم تأتي الدولة »ب« فتدعي انه رغم ذلك توجد اسباب جدية تعمل على نقل السيادة على الجزيرة من الدولة »أ« اليها وذلك هو ادعاء سياسي في نظره لا قيمة له في القانون الا باتفاق بين الدولتين ما اشبه هذا بحالتنا، فالجزر الثلاث تخضع للسيادة الفعلية والقانونية لإمارتي الشارقة ورأس الخيمة لكن ايران تدعي ان امن الخليج وسلامته يتطلبان ان تكون السيادة على الجزر لها فهو إذن ادعاء سياسي بحت ما لم يتخذ الصفة القانونية باتفاق قانوني اصولي.

 

الفصل الثاني

 

الدوافع الايرانية للاستيلاء على الجزر

 

المتغيرات التي طرأت على المنطقة عقب الحرب العالمية الثانية

 من مجمل ما سبق يتضح ان الادعاءات الايرانية لا تستند على اساس من الصحة، ولكن في المقابل لذلك كانت قوى الجذب المرتبطة بأهمية الجزر عاملا اساسيا في تحديد الرغبة الايرانية في ان تمارس نوعا من السيطرة او الهيمنة على الجزر، لذلك فإننا سوف نجد انه بالرغم من تقادم تلك الرغبة، إلا انه في فترة زمنية معينة اصبحت المسألة اكثر الحاحا بالنسبة لها. ونقتصر بذلك انه عقب الفترة اللاحقة على الحرب العالمية الثانية ولظهور العديد من المتغيرات المرتبطة بإيران وبالمنطقة بصفة عامة اصبحت الدوافع الايرانية تنبىء بتحركات محتملة تتسق والاهداف المصلحية التي ترغب فيها.

بالرغم من ان مسألة الجزر لم تشهد تطورا حاسما خاصة منذ الفترة من 1936 حتى بداية الحرب العالمية الثانية، إلا انه من الملاحظ ان العامل الاساسي الذي اثر على نمط العلاقات العربية - الايرانية خاصة عقب الحرب العالمية الثانية، هو قضية النزاع حول ملكية جزر ابو موسى وطنب. ولكن التغير الذي طرأ على الاطراف الاساسية للقضية محور النزاع ينصب اساسا على الموقف البريطاني تجاه المشكلة او الدور البريطاني حيث ظلت خلال هذه الفترة تلعب دور الوسيط بحكم علاقة الصداقة التي تربطها مع ايران وفي الوقت نفسه تنامي مصالحها في هذه المنطقة ولذلك السبب ظل الوضع متجمدا فقد قامت بريطانيا بعملية ضبط التوتر. ولم يثر او يبرز هذا الوضع في حالة التفجر الا في عام 1970 اي بعد عام من القرار البريطاني بالانسحاب من الخليج.. معنى ذلك انه لابد من وجود متغيرات جديدة شهدتها المنطقة وهي التي اسهمت في تفجر الوضع واثارة القضية بشكل حاد وعنيف.

اولا: اول هذه المتغيرات هو ظهور ايران الحديثة تحت قيادة محمد رضا شاه كقوة اقليمية ذات وزن. ولها انشطة مكثفة في سياسات الخليج الخاصة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.. والملاحظ ان محمد رضا خلف والده في 1941 الذي خلعه البريطانيون، وعلى الرغم من المعارضة الداخلية الشديدة التي واجهها محمد رضا في الايام الاولى لحكمه فقد اكمل مهمة والده، خاصة فيما يتعلق بعملية بناء دولة حديثة مستقلة في ايران، ولقد تمكن في عام ،1953 وبتأييد من الجيش ان يعيد حقوقه المطلقة كملك متى اعلن نفسه شاهنشاه في سبتمبر 1967. انه منذ 1953 يمكن الحديث عن بروز ايران كقوة اقليمية حيث ارتبط بذلك العديد من المؤشرات (19).

نمو ضخم للمؤسسة العسكرية من حيث التدريب والعتاد حتى اصبحت ايران القوة الوحيدة ذات التدريب الجيد التي لها اسطول بحري له فاعلية محلية في الخليج - نمو الاقتصاد الايراني والاتجاه نحو التصنيع، عمليات التأميم التي اسهمت في اعطاء دفعة قوية للدخل الإيراني ومن ثم تمويل خطط التنمية - تزايد درجة التغلغل في شؤون الخليج (فالملاحظ انه خلال فترة الخمسينات كان الجيش الإيراني موجها اساسا نحو الشمال.. اي نحو الاتحاد السوفييتي اتساعا في سياسات الاحتواء، ولكن بدءا من عام 1962 الذي شهد تحسنا ملحوظا في العلاقات الايرانية - السوفييتية، كان هناك تحول من توجيهات القوات الإيرانية).. تزايد اندفاع العمالة الايرانية نحو المنطقة في ضوء تزايد الاجور الناتج عن اكتشاف النفط. كل هذه المؤشرات كانت تعني مزيدا من النشاط الإيراني في الخليج استنادا الى معايير القوة المتنامية التي شهدتها ايران ابان هذه الفترة. ولعل اهم مؤشر على ذلك يبرز ابتداء من 1965 الى ،1967 فقد سحب الشاه قواته وعلى وجه الأخص الجيش الثاني من الشمال الى طهران وتشكلت قوات جديدة اطلق عليها الجيش الثالث. كان الغرض منها مساندة الانشطة الإيرانية صوب الجنوب، أي المتعلقة بمنطقة الخليج (20). والدافع ان الاسباب الاساسية التي تفسر تعمق المصالح الإيرانية في الخليج وتركيز ايران لقواتها العسكرية وتنميتها في اتجاه الجنوب خلال اعوام الستينات يمكن ان يرجع الى:

البترول - أي الاهتمام بالبترول خاصة ان دوره في الاقتصاد الإيراني كان آخذا في التزايد وهو ما جذب الشاه نحو الاتجاه الى الجنوب لتحقيق عمليات تمويل لخططه التنموية واستعادة التفوق الإيراني في السابق في انتاج البترول مما يعني مزيدا من العملات الصعبة (21).

التحدي الذي شعر به الشاه خاصة من مصر ومن انتشار القومية العربية مما يعني ان احكام سيطرته على المنطقة يحول دون استجاباتها لبوادر التغير من ناحية، ومن ناحية اخرى الحفاظ على عرشه من امكانية الانهيار بحكم تهديد مصالحه في المنطقة (22).

الانسحاب البريطاني من الخليج، ومادام ان ايران لا تملك اي خط انابيب يمتد الى البحر المتوسط، لذا فإنه من الاهمية بمكان ان يتزايد الحديث عن أمن الخليج (23).

ولذلك يلاحظ انه خلال الفترة من 1968 وحتى 1971 كان الشاه يعبر تكرارا عن رغبته في تحقيق الاستقرار بجيرانه العرب، وعن قلقه من انشطة »رجال العصابات« - على حد تعبيره - في منطقة ظفار التي يمكن ان تمتد الى المنطقة.

ثانيا:

اما فيما يتعلق بثاني هذه المتغيرات شهدتها المنطقة وارتبطت بعلاقات ايران مع الامارات المتصالحة في اطار مضمون اوسع وهو علاقة هذه الامارات مع الدول العربية، فسوف نلحظ ان الفترة التي اعقبت الحرب الثانية قد شهدت تطورا من نوع آخر يرجع اساسا الى الجهود التي كانت ترمي الى تحقيق اتحاد بين الدول العربية من المحيط الاطلنطي الى الخليج العربي، والتي كان لها اثرها في اثارة اضطراب الشاه. ومن ثم فلابد ان ينعكس ذلك على سياساته تجاه المنطقة. ان النظرة العامة لعلاقة ايران مع الدول العربية توضح ان السمة الرئيسية لعلاقة ايران مع هذه الدول كانت الاضطراب وخاصة مع مصر - ويقصد بذلك العداوة التي نشأت بين الشاه وعبدالناصر والتي انعكست بشكل او بآخر على علاقة ايران بالبلدان العربية خاصة التي تقع على ساحل الخليج.

لقد كان الخوف الاساسي للشاه في اوائل الخمسينات منصبا على الانشطة التوسعية السوفييتية والخوف من احتمال وقوع ايران تحت السيطرة السوفييتية، وهذا ما شجعه على طلب العديد من الاسلحة من واشنطن (24). هذا بينما كان خوف عبدالناصر الاساسي منصبا على الامبريالية الغربية والاحلاف الغربية، وهذا ما دعاه ان يسلح نفسه بمساعدات تأتي اساسا من الكتلة الشرقية. ومن ثم فإن الارضية التي ينطلق منها كل من الرجلين تختلف عن الآخر. وقد كان هناك حلف بغداد 1965 بمنزلة خلاف واسع المدى بين كل منهما - خاصة وان عبدالناصر عقب حرب السويس 1956 اصبح القائد والمتحدث باسم القومية العربية، وبالتالي فإن صيته وانشطته قد اخذ في التنامي داخل منطقة الخليج خاصة لسبب تأكيده على عروبة البحرين وابو موسى وطنب والخليج نفسه وعربستان ايضا.. يعني ذلك ان من وجهة نظر الشاه كان الدور المتنامي للدور المصري في شؤون الخليج يعني مزيدا من المخاوف لدى الشاه تجاه عبدالناصر وطموحاته.

ومن جهة اخرى كان النزاع العراقي - الإيراني في الفترة من 1950 الى 1960 حول شط العرب داعيا لأن يسارع كل من الطرفين في بناء قوته المسلحة وتحصين حدوده. ولكن الأثر الخطير الذي انعكس على الشاه من جراء هذا النزاع خاصة تأثيره على مخططاته كان السعي نحو تقوية جيشه في الخليج.

ولكن بصفة عامة سوف نجد ان المسألة التي عكست نفسها بشكل حاد على طبيعة العلاقات الإيرانية - العربية كانت بسبب علاقة ايران بـ »اسرائيل«.

فالاعتراف بالأمر الواقع من جانب ايران بـ »اسرائيل« (1950)، وتدفق البترول الإيراني اليها كان داعية لعبدالناصر - خاصة في يوليو 1960 - لأن يقطع علاقاته مع ايران، وان يدعو الدول العربية الاخرى لاتخاذ المسلك نفسه، ولذلك اصبحت الاختلافات فيما بين مصر وايران تأخذ مظهر تنازع عربي - ايراني خاصة وان عبدالناصر كان يحاول ان يعزل ايران عن كل الدول العربية واصفا (الشاه) بأنه امبريالي من جانب وتوسعي من جانب آخر. وفي الناحية المقابلة كان الشاه ينظر لتورط عبدالناصر في اليمن 1962 بكثير من الحذر والتخوف (25). فقد كانت لديه قناعة بأن الخطوة التالية ستكون تدخلا مباشرا في الخليج من جانب عبدالناصر.

وحتى بالرغم من الانقسام الذي نشأ داخل الصف العربي بسبب حرب اليمن، فقد استمر الاحساس لدى الشاه بأن التحدي الناصري في الخليج يمكن ان داعيه له المزيد من الاتفاق على النواحي الدفاعية داخليا وتبرير هذه الزيادة لدى واشنطن ولدى حلف السنتو، مؤكدا ان التهديد الناصري حقيقة، وانه لابد من ضرورة وجود توازن عسكري بين التسلح المصري والتسلح الإيراني.

ومن جانب آخر، فإنه يلاحظ ايضا ان علاقة ايران مع مصر رغم اصابتها بنوع من التشوش او التوتر، فإن الشاه كان حريصا على ان يخلق روابط صداقة خاصة مع جيرانه في الخليج، ولذلك حرص منذ عام 1957 على ان يدعو بانتظام شيوخ الامارات المتصالحة لزيارة طهران على اية حال فإنه يشاهد خلال هذه الفترة اتجاهان واضحان يتعلقان بالعلاقات العربية مع ايران.

الاول: يرتبط بسوريا ومصر والعراق الذين كانوا ينظرون الى ايران على انها نظام ملكي امبريالي توسعي، وفي الوقت نفسه كانت نظرة الشك تجاه ما تقوم به ايران من انشطة وبصفة خاصة الهجرة الإيرانية الى الساحل العربي هي المحدد الاساسي لنمو علاقاتهم.

الثاني: يتعلق بدول ساحل الخليج، فعلى الرغم من انهم يتفقون مع القاهرة ودمشق وبغداد من حيث المبدأ، إلا ان منحاهم الفعلي يختلف مع ذلك. فهم يبدون متأثرين بالروابط الاسلامية والتاريخية معتقدين ان فتح حوار مع ايران هو امر يمكن ان يسهم في ايجاد حل لمشكلاتهم معها. وهذا الاتجاه قد تم التعبير عنه في لقاءات عديدة تمت بين الشاه وقادة دول الخليج، وعلى وجه الخصوص في عام 1965 في المؤتمر الاسلامي الذي عقد في الرباط. وفضلا عن ذلك، فقد كان للهزيمة العربية في حرب السادس من يونيو 1967 الأثر المباشر على العلاقات العربية - الإيرانية وعلى وجه الخصوص على سياسات الخليج (26). ذلك انه عقب الحرب سحب عبدالناصر قواته من اليمن وأصبح منخرطا بشكل اكثف في جبهة سيناء. معنى ذلك ان دور مصر في الخليج الذي كان يعد من قبل دورا مهما قد تلاشى بالتدريج، واصبحت هناك نقطة تحول في العلاقات الإيرانية - المصرية فسرعان ما بدأت في التحسن، ولكن لايزال للصورة الاجمالية وجه آخر.

ولكن مؤقتا لنا ان نقرر ان النتيجة المباشرة لهذه التغيرات هي ان الكويت والمملكة العربية السعودية المتنامية في ظل قيادة الملك فيصل قد توليا بشكل اكثر فعالية مسؤوليات تتعلق بحماية المصالح العربية في المنطقة. وعلى الرغم من ان العراق في هذه الفترة قد لعب دورا مهما في سياسات الخليج، إلا انه اصبح في المناخ العام فرصة مواتية له من اجل دور اكثر فعالية. ولكن الوجه الآخر للصورة كان مزيدا من تنافس القوة الإيرانية. ثم تجيء مسألة اخرى لا تقل اهمية، تلك انه منذ عام 1949 - خاصة حين اعلان مبدأ ترومان (*).. طالب مشيخات الخليج بجميع حقوقها فيما يتعلق بالجرف القاري. ان الموضوع الذي طرح نفسه في هذه الفترة هو البترول. فبين الفترة من عام 1957 شرعت ايران في مجموعة من الانشطة تتعلق اساسا بالبترول، وبالفعل منحت ثلاثة امتيازات للتنقيب عن البترول. ولكن مع ذلك ظل الصراع قائما حول هذا الموضوع - الذي يتعلق بتحديد الجرف القاري والذي يتعلق اساسا بقضية البترول وتقرير أحقية الاطراف المتنازعة في الحصول عليه - ولم تكن منذ البداية تبشر المباحثات بالنجاح بسبب الاصرار الإيراني على استخدام الجزر وهي المسألة التي اصبحت بمنزلة حجر العثرة في المفاوضات خاصة فيما يتعلق بالخط الفاصل بين ايران، والامارات المتصالحة، فالتصور الإيراني كان قائما على جعل جزيرة قشم كجزء من الخط الساحلي، ثم انه من وجهة اخرى كان مطالبا بجزر ابو موسى وطنب.

اما التغير الثالث الذي يمثل تطورا آخر حول مسألة الجزر ويتعلق بالعلاقة بين ايران وبريطانيا وتأثيرها على هذه المسألة وخاصة في شأن التسوية، فإنه يمكن تناوله في اطار اكثر من مرحلة:

(1) تطور العلاقات الانجلوايرانية من 1941 - 1953.

(2) تطور العلاقات الانجلوايرانية من 1954 - 1962.

(3) تطور العلاقات الانجلوايرانية من 1962 - 1971.

كان لاحتلال ايران من جانب القوات البريطانية والسوفييتية، وتعيين رضا شاه بالقوة اثناء الحرب العالمية الثانية اثرهما الواضح ليس فقط على الشعب الإيراني ولكن على اتجاهات الشاه الصغير، خاصة اتجاهاته نحو بريطانيا. وإذا اضفنا انه قد نتج عن انهيار النظام المؤيد للسوفييت في اذربيجان عام 1947 والذي كان يقوده حزب توده آثار واضحة على البريطانيين (**)، قطع العلاقات الدبلوماسية بين بريطانيا وايران.

فقد فشلت بريطانيا في مواجهة الاتحاد السوفييتي، وهو ما كان يعني فرض التزام على الولايات المتحدة بأن تزيد من حجم مساعداتها لإيران ولتحل محل بريطانيا وتلعب الدور نفسه الذي كانت تلعبه بريطانيا كقوة غربية مهيمنة في المنطقة، وفي الوقت نفسه تسعى (الولايات المتحدة) الى صد التأثير السوفييتي او امكانية التوسع السوفييتي. ونتج عن ذلك ايضا تقلص حجم السيطرة البريطانية خاصة فيما يتعلق بالنواحي الاقتصادية. فعقب سقوط حكومة مصدق ،1953 وعقب الاتفاقيات الجديدة مع بريطانيا فيما يتعلق بامتيازات البترول اصبح لدى بريطانيا فقط 40% من هذه الامتيازات، معنى ذلك ان تقلص السيطرة البريطانية كان يزيد من اثر القوة الإيرانية الجديد خاصة وان عوائد البترول قد اصبحت موجهة الى عمليات النمو الاقتصادي الإيراني.

وفي هذه الفترة، وبالذات ابتداء من 1955 وجد الشاه - الذي استعاد الآن كل قوته والذي يسعى ايضا الى زيادة حجم المساعدات الامريكية لبلاده، وفي الوقت نفسه المحافظة على سيادة دولته في مواجهة التهديدات السوفييتية - انه من الاوفق ان يدخل حلف بغداد مع بريطانيا - وعلى الرغم من ان الحلف كان بمقدوره ان يعمق العلاقات فيما بين الدولتين، إلا ان الشاه وبالذات في عام 1957 اعاد التأكيد على مطالب دولته في البحرين - كاستجابة للضغط الآتي من الجناح اليميني للحزب الاسلامي الايراني - مما زاد من حجم التوتر بين الدولتين. ولكن مع ذلك استطاعت بريطانيا في عام 1963 ان تستعيد تأسيس علاقات وثيقة مع الشاه كنتيجة لاتجاهما المشترك نحو معاداة التدخل الناصري في اليمن ودعاياته في الخليج، ولذلك ارجئ الشاه مطالبه بالنسبة للبحرين الى وقت مناسب حتى لا يعكر صفو العلاقات الجديدة (27). وما لبث ان تغير الوضع مرة اخرى في ضوء التأييد البريطاني لقيام اتحاد الامارات العربية، مما اثر بشكل واضح على توجهات الشاه نحو قضية البحرين.

ومن جهة اخرى، فإن مازاد الامر توتراً بين ايران وبريطانيا هو الضغط البريطاني على ايران لتقبل قيام اتحاد الامارات حتى يمكن ان تضمن تعاونا عربيا - ايرانيا في التصور المتعلق بإقامة حلف خليجي، ومع ذلك ظلت ايران تحتفظ بعلاقات قوية مع الامارات المتصالحة، كما ان ذلك لم يحل ايضا من استمرار الحوار بين بريطانيا وايران، وتلك العلاقات هي التي مكنت بريطانيا من ان تزيد قدرتها على ان تلعب دورا فعالا ونشيطا خاصة خلال عام ،1968 كوسيط في مسألة مستقبل الخليج وقضية الجزر.

وكان للتقارب بين ايران ومصر في يناير 1968 اثره في خلق مناخ طيب في المنطقة، وللتباحث مع ايران، ولذا سوف نجد ان ايران - في ضوء تأييد بريطانيا لقيام اتحاد الامارات، والتأييد العربي خاصة من جانب الكويت والسعودية فيما يتعلق بالبحرين -  قد تبنت استراتيجية اكثر واقعية فيما يتعلق بمطالبها التقليدية في الخليج. وفي خطاب للشاه - القي في نيودلهي في يناير 1969 - قال »ان ايران سوف لا تستخدم القوة لتستعيد البحرين، وإنما سوف تصغي الى رغبات سكانها لتقرير مستقبلهم« وهو القرار الذي رحبت به بريطانيا في الحال، وكذلك السعودية والدول العربية الاخرى (28).

وفي بداية 1970 وبينما كانت البحرين تسير نحو الاستقلال ظهر موضوع النزاع حول جزيرة ابو موسى وطنب اثناء المفاوضات بين ايران وبريطانيا. وكان واضحا ان هناك اختلافات في الرأي بين ايران وبريطانيا والدول العربية حول هذه القضية. وفيما يتعلق بالتوجه الإيراني بالذات، فإن الشاه قد تبين الاتجاه الإيراني المتعلق بالبحرين الذي يعود الى ثلاثينات هذا القرن الذي بُني على الاستعداد للتخلي عن المطالب المتعلقة بالبحرين من اجل الحصول على موضع قدم في ابو موسى وطنب. لذا فإن الشاه اعاد التأكيد على ان الموضع الاستراتيجي للجزر خاصة عند مدخل الخليج قد يدفع قوى خارجية للاستيلاء عليها، وهو إذا ما تم (الاستيلاء) فسوف يؤثر على حركة تدفق الزيت وعلى استقرار المنطقة. ولذلك فهو يرى ان ايران وقد اظهرت نوعا من التسامح فيما يتعلق بقضية البحرين، فقد حان الوقت بالنسبة لبريطانيا والعرب للامتناع عن اتجاهاتهم السابقة فيما يتعلق بالجزر. وقد توقع ان تفرض بريطانيا ضغوطا على العرب بقبول حل يمكن ان يرضي ايران (29).

في هذه الاثناء - خاصة  في الفترة ما بين مايو واغسطس 1971 - تم استعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين القاهرة وطهران، وكنتيجة لذلك تخلت ايران عن سياستها السابقة المتعلقة بالحياد والنزاع العربي - »الاسرائيلي«، ووقفت مع العرب في مطالبهم في شأن حقوق الفلسطينيين في وطن ومعارضة السياسية »الاسرائيلية« خاصة فيما يتعلق بالقدس. وفي ابريل 1970 ابدى الشاه - رغبة في اعطاء القضية الإيرانية دفعة قوية -  الرغبة في تقديم مساعدات اقتصادية الى الشارقة ورأس الخيمة تحت شرط ان يتم ابرام تسوية بشأن الجزر وفي الوقت نفسه اتخذ موقفا متشددا تجاه الامارات المتصالحة الاخرى. ففي مايو 1970 هددت ايران باستخدام القوة تجاه شركة البترول الغربية في الشارقة في حالة ما إذا لم توقف عملياتها في جزيرة ابو موسى.

وفي فبراير 1971 وكرد فعل لعدم رغبة العرب في اعادة المفاوضات حول الجزر، اعلن انه إذا كانت هناك حاجة ضرورية لأن تلجأ دولته الى القوة لتستطيع ان تستعيد الجزر، فإنه لن يتردد في ذلك. وتبع هذا الاعلان حملة صحافية لتعبئة الرأي العام الايراني ولخلق شعور متعاطف معه حول النزاع، وعلى الرغم من ان بريطانيا كانت لاتزال تمثل الشارقة ورأس الخيمة في الشؤون الخارجية، إلا انه فيما يتعلق بهذا النزاع كان السير »وليم لوس« المبعوث الخاص لبريطانيا في الخليج يقوم بدور الوسيط بين طهران والامارتين اكثر من كونه يقوم بدور المفاوض.

وفي مايو 1970 اوعزت بريطانيا الى شركة البترول الغربية في الشارقة بإيقاف عملياتها من ان تحول دون قيام مواجهة عربية - ايرانية  مع ذلك فإن سلوك الشاه حول نزاع البحرين.. الذي كانت تنظر اليه بريطانيا على انه اكثر اهمية من ابو موسى وطنب - كان محققا لإعجاب البريطانيين. وكان البريطانيون قد اعدوا انفسهم لاستخدام نفوذهم على العرب من اجل الوصول الى تسوية تتعلق بهاتين الجزيرتين (***)، ولكن من وجهة اخرى كان ملاحظا ان امارات الساحل تصر على حقها الكامل في هذه الجزر ومع ذلك فقد توصلت ايران الى اتفاقية »مبهمة حول ابو موسى مع الشارقة، صحيح ان اي منهما لم يعترف للآخر بالسيادة للآخر على الجزيرة، إلا انه وفقا لهذا الاتفاق كان على ايران ان تقدم للشارقة مبلغ 3،75 مليون دولار في صورة معونة سنوية حتى يصل دخل البترول في جزيرة ابو موسى او من مياهها الى 7،5 مليون عندئذ تقسم ايرادات البترول بينهما مناصفة وكان على حاكم الشارقة ان يسمح للقوات الايرانية بإقامة معسكرات لها على نصف الجزيرة، يبقى علم الشارقة مرفوعا على النصف الآخر من الجزيرة، وقد رفض مثل هذا الاتفاق تماما شيخ رأس الخيمة ومن جهة اخرى كان رأي الشاه يتحدد في ان يحصر هذا النزاع في ايران وبريطانيا والامارتين المعنيتين من اجل ان يتماشى اي مواجهة مع الامارات المتحدة التي سوف تكون ولذلك فإنه في 30 نوفمبر 1971 - وهو اليوم الاخير للحماية البريطانية في الخليج - حطت القوات الإيرانية على ابو موسى واحتلت لضعف الجزيرة. وفي الوقت نفسه هاجمت جزيرتي طنب الكبرى والصغرى وتم الاستيلاء عليهما بالقوة (30).

 

الفصل الثالث

التحركات الإيرانية للاستيلاء على الجزر

 

اولا: احتلال الجزر وردود الافعال العربية تجاه احتلال الجزر

ثانيا: الموقف الإيراني عقب الثورة

 

اولا: الاستيلاء  وردود الافعال

هذه المتغيرات التي سبق ذكرها كان لابد ان تسفر عن تحديد المسلك الذي سوف تسلكه ايران حتى تستطيع ان تحقق مصالحها التي ارتبطت بها كدولة او قوة اقليمية بارزة تسعى للعب دور معين في الخليج، هذا من جانب، ومن جانب آخر كقوة اقليمية تلعب دورا من نوع آخر لصالح مجموعة من الدول التي تنتمي اساسا للاحتكارات الغربية، وفي ضوء ذلك التحديد العام انتهى الامر بإيران الى القيام بالاستيلاء في 20 نوفمبر 1971 على الجزر الثلاث.

ففي هذا التاريخ اقدمت ايران بعد تهديدات استمرت عاما  يسبق هذا التاريخ او يزيد على احتلال ثلاث جزر عربية هي: جزيرة ابو موسى التابعة للشارقة، وجزيرتا طنب الكبرى والصغرى التابعتان لرأس الخيمة. وقد تم الاحتلال الايراني لجزيرة طنب الكبرى بعد معركة صغيرة في حجمها كبيرة في معناها. فقد أبى رجال الشرطة القلائل الذين كانوا يتولون حراسة تلك الجزيرة الاستسلام لقوة تفوقهم عدة وعددا، وقاموا حتى استشهد اربعة منهم وأصيب الآخرون بجراح ضاربين بذلك اروع امثلة التضحية في سبيل الدفاع عن عروبة تلك الجزر، وقد اثبتت ايران باحتلالها تلك الجزر تحديها لمشاعر وكرامة الشعب العربي في اقطاره كافة كما اثبتت انها غير عابئة بقواعد القانون الدولي.

وفي ضوء ذلك تباينت ردود الافعال المترتبة على هذا السلوك الإيراني، ولنا ان نتناول ولو بشيء من الايجاز الأثر المنعكس على ذلك بالنسبة لتوجهات الدول العربية وموقفها من ذلك الاعتداء.

لقد كان رد فعل الطرف المعني بالدرجة الاولى وهو دولة الاتحاد الناشئة، ولم يكن بوسعها ان تجابه بالقوة الاجراء الإيراني، ولم يكن يوجد لأي من الدول العربية قوة بحرية تضارب الاسطول الايراني ومادام انه لا توجد وراء الحق قوة لتحميه فإنه يصبح بوسع البعض القبول بالامر الواقع؟! وهو ما حدث بخصوص جزيرة ابو موسى. وفي ما يلي خلاصة الاتفاق بين حاكم الشارقة وايران حول جزيرة ابوموسى. (31)

1- احتفاظ الشارقة بالسيادة النظرية على الجزيرة وبقاء سكانها رعايا لحاكم الشارقة ويرفع علم الشارقة على الجزيرة.

2- تستمر الشركة الامريكية صاحبة الامتياز في التنقيب عن البترول في ابو موسى ومياهها الاقليمية.

3- ترابط قوات ايرانية في منطقة الجزيرة يتفق عليها الطرفان.

4- تقدم ايران مساعدة مالية للشارقة تقدر بمليون ونصف المليون جنيه سنويا لمدة تسع سنوات وتتوقف هذه المساعدة متى وصل دخل الشارقة من النفط ثلاثة ملايين جنيه استرليني، ويسود شك في الشارقة بأن الاتفاق المعلن لا يمثل الحقيقة وتدور في الشارقة آراء حول مصير الجزيرة وما حدد بشأن هذه القطعة من ارض الشارقة، ويقوم الشعب بكامله من عمال وموظفين وطلاب مدارس بقيام مظاهرات تستهدف تغيير الحكم في هذه الجزيرة التي اصبحت تابعة لإيران واستمرت المظاهرات اكثر من ثلاثة ايام، وتصدى لهذه المظاهرات رجال الامن، واستطاعوا ان ينهوا المظاهرات بالقوة، وخرج عدد من كبار المسؤولين واستطاعوا ان يقنعوا الناس من اهل الامارة، ولكن مازال تأثر ابناء الامارات بهذه الواقعة التي تمثل غضباً كبيراً على ايران لما قامت به من تطاولات على منطقة من ارضهم العزيزة.

كما ان اول تقرير للمجلس الاعلى للاتحاد (اتحاد الامارات)، تم فيه التعبير عن الحزن العميق لهذا العمل الذي قامت به ايران، ومن وجهة اخرى ارسل شيخ رأس الخيمة خطابا قدم بواسطة العراق الى مجلس الامن، وفي 9 ديسمبر اعلن مندوب الامارات الذي حضر جلسة خاصة لمجلس الامن عن احتجاج بلاده على هذا العمل الذي قامت به ايران (32).

 

دور العراق

 

عندما عقد مؤتمر وزراء الخارجية العرب بمبنى الامانة العامة لجامعة الدول العربية بتاريخ 12/11/1971 بادرت الحكومة العراقية بتوجيه المذكرة المدونة التي شرحت فيها المخاطر التي تواجهها الامة العربية من جراء التهديدات الايرانية للخليج، وتقدم الوفد العراقي الى المؤتمر بالاقتراحات التالية:

1- ارسال وفد ينسبه وزراء الخارجية العرب من بينهم للاتصال بالحكومة الإيرانية وبيان مخاطر تهديداتها باحتلال الجزر على أمن وسلامة المنطقة العربية والطلب اليها الكف عن التهديدات والاقرار بعودة هذه الجزر الى كل من امارتي الشارقة ورأس الخيمة.

2- الضغط على بريطانيا وإدانتها في عدم المساومة على هذه الجزر وتسهيل تسليمها الى ايران والإصرار على العائدية العربية لهذه الجزر ذلك لأن بريطانيا مسؤولة مسؤولية تاريخية وانسانية في ضمان الحقوق الشرعية كاملة للشعب العربي في الخليج العربي، وتخويل السيد الامين العام للجامعة لكي يتابع الاتصال والتحدث الى الحكومة البريطانية، وتحذيرها من مغبة السياسة الاستعمارية التي ماتزال تمارسها ضد عروبة الخليج.

3- قيام الحكومات العربية بصورة منفردة وخاصة تلك التي لها علاقات طيبة مع ايران وبريطانيا ان تستمر في ضغوطها على هاتين الدولتين لردعهما عن سياستيهما المناوئة للمصلحة العربية.

4- في حالة ما إذا فشلت الجهود السلمية هذه مع ايران فإن الدول العربية تتفق منذ الآن على ان يباشر الى إخبار مجلس الامن وطلب عقد اجتماع له للنظر في التهديدات الايرانية بالنسبة للجزر العربية وبيان تأثير ذلك على أمن وسلامة المنطقة والعالم.

5- دراسة اتخاذ الامور الدفاعية التي يراها السادة المجتمعون للدفاع عن عروبة الجزر امام اي اطماع اجنبية وذلك عن طريق قوات عربية رمزية في الجزر.

ولقد رفض العراق رفضا قاطعا كل اتفاق يمس عروبة الجزر العربية ووجه احتجاجا شديد اللهجة الى السفارة البريطانية بتاريخ 20/11/1971 اعلن فيه رفضه للاتفاق الذي تم بين حاكم الشارقة والحكومة الإيرانية بشأن جزيرة ابو موسى لمساس ذلك بالسياسة العربية اضافة الى كونه مخالفا لأحكام اتفاقية 1892 المعقودة بين بريطانيا وشيوخ الامارات العربية. كما قدم مذكرة ثانية الى السفارة البريطانية على أثر الاحتلال الايراني للجزر الثلاث بتاريخ 20/11/1971 حمل فيها الحكومة البريطانية مسؤولية استقطاع جزء من الارض العربية وتسليمه الى دولة اجنبية، كما وجه مذكرة احتجاج شديدة الى الحكومة الايرانية بيّن فيها ان ايران انتهكت بشكل صارخ مبادئ ميثاق الامم المتحدة لأن الجزر العربية الثلاث عربية بحكم موقعها الجغرافي والتاريخي، وطالب بسحب قواتها من الجزر وانهاء احتلالها فورا وقدم مع بعض الدول الشقيقة شكوى الى مجلس الامن لوضع حد للعدوان الايراني على الجزر العربية والمطالبة بسحب القوات المعتدية كما قطع علاقاته الدبلوماسية مع كل من بريطانيا وايران لتواطئها في عدوان الاخيرة على الجزر الثلاث وحدد يوم 19/12/1971 موعدا نهائيا لمغادرة بعثتها الدبلوماسية العراق (33).

 

ردود الفعل العربية في طلب انعقاد مجلس الامن

 

انضمت الجزائر وليبيا واليمن الديمقراطية الى العراق في طلبه عقد اجتماع طارئ لمجلس الامن الدولي لبحث الاحتلال العسكري الإيراني للجزر الثلاث.

وذكر مراسل وكالة الانباء العراقية في نيويورك انه من المتوقع ان تضم سوريا والسودان في وقت لاحق صوتيهما الى جانب الطلب العراقي.

وقال مصدر مأذون في الامم المتحدة ان العراق وعدد من الدول العربية الاخرى قد اتفقت على طلب عقد اجتماع لمجلس الامن الدولي للنظر في احتلال ايران ثلاث جزر استراتيجية في الخليج. وقد ابرقت وزارة الخارجية الى مندوب العراق الدائم في مجلس الامن وطلبت اليه اتخاذ الاجراءات اللازمة لعقد جلسة طارئة لمجلس الامن الدولي لبحث العدوان الايراني المدعم من قبل الاستعمار البريطاني في احتلال الجزر العربية. وقد جاء طلب عقد مجلس الامن في رسالة وقعها اربعة من المندوبين العرب سلمت الى اسماعيل تايلورركارا مندوب سيراليون ورئيس المجلس آنذاك، وتضمنت الرسالة الطلب ايضا بالسماح للمندوبين بالاشتراك في المناقشة والتصويت في المجلس.

وقال ناطق باسم الامم المتحدة ان رئيس المجلس يجري الآن مشاورات مع اعضاء مجلس الامن الدولي في جلسة طارئة (34).

 

جهود جامعة الدول العربية

 

في القاهرة اجتمع السيد سليم اليافي الامين المساعد للجامعة العربية الى السفير نشأت الحسيني مندوب سوريا الدائم بالجامعة والى حسين نايل مندوب مصر، وكذلك الى سفير الجزائر بالقاهرة، وتناول اجتماع اليافي بحث موضوع احتلال ايران للجزر العربية الثلاث وقد اجتمع اليافي لمدة ساعة كاملة الى خرو خرواني سفير ايران بالقاهرة للغرض نفسه.

كما صرح الدكتور سيد نوفل الامين المساعد للجامعة العربية بأنه يجري الآن النظر في عقد اجتماع عاجل لمجلس الجامعة العربية لبحث موضوع العدوان الايراني.

وقال ان الجزر الثلاث هي جزر عربية تاريخيا وواقعيا، وان الدول العربية ملزمة بتأييد عروبتها وتحمل مسؤولياتها للدفاع عنها.

واضاف الدكتور نوفل ان بريطانيا تتحمل مسؤولية ذلك لأنها لاتزال ملتزمة حتى الآن بمسؤوليات الامن والشؤون الخارجية للامارات العربية.

واختتم السيد نوفل تصريحه قائلا ان على ايران ان تعيد النظر في موقفها وتجلوا عن هذه الجزر، واستقبل سليم اليافي الامين العام المساعد للجامعة السفير البريطاني في القاهرة، وطلب منه الرد على اسئلة تتعلق باحتلال ايران للجزر العربية الثلاث في الخليج، وطلب اليافي الى السفير سرعة الاتصال بحكومته لتلقي الاجوبة وقد وعده السفير البريطاني بتقديم الاجوبة في اقرب وقت ممكن.

وقد تابعت الامانة العامة اتصالاتها الواسعة مع رؤساء البعثات العربية في القاهرة، كما اتصلت بإمارتي الشارقة ورأس الخيمة وهما الامارتان المعنيتان بالموضوع.

كما بعث السيد اليافي الى حكومات الدول العربية المذكرة العراقية حول طلب عقد اجتماع لمجلس الجامعة العربية لاتخاذ موقف موحد بهذا الخصوص (35).

 

موقف الحكومة الاردنية

 

اعربت الحكومة الاردنية عن أسفها لقيام قوات ايران باحتلال الجزر العربية الثلاث.

وقال الناطق الرسمي بلسان وزارة الخارجية الاردنية في تصريح له بهذا الشأن ان الاردن يرى وجوب انهاء الخلاف بين ايران وبين الدول العربية المعنية بالطرق السلمية حفاظا على الامن في المنطقة وعلى العلاقات التقليدية التي تربط الشعبين العربي والايراني (36).

 

مصر تستنكر العدوان

 

وفي القاهرة صدر بيان استنكرت فيه الحكومة المصرية العدوان الايراني وحملت بريطانيا مسؤوليته ودعت ايران الى سحب قواتها، وفي ما يلي نص البيان »ادلى المتحدث الرسمي باسم جمهورية مصر العربية ببيان حول الوضع في الخليج جاء فيه ان جمهورية مصر العربية تنظر بقلق شديد للتطورات الخطيرة التي تحدث حاليا في الخليج وان مصر تعتبر بريطانيا المسؤولة عن حماية الجزر العربية في الخليج من اي اعتداء خارجي بناء على اتفاقيات الحماية التي لاتزال نافذة المفعول والى ان تسلم الجزر الى اصحابها. وقال المتحدث الرسمي في بيان ان مصر ترى ان قيام ايران بتغيير الوضع السائد في الجزر من طرف واحد عمل يتنافى مع ميثاق الامم المتحدة  والصداقة التاريخية بين الشعبين الايراني والعربي.

وقال المتحدث.. ان مصر فوجئت بهذه الاجراءات العسكرية في الوقت الذي كانت تأمل فيه ان تقوم ايران بالتفاوض مع دول الخليج بعد ان يتم استقلالها. وقال ان مصر تدعو ايران الى سحب قواتها من الجزر في مفاوضات للوصول الى حل سلمي عادل.. وان مصر لا يمكن ان تقر اتفاقا بخصوص هذه الجزر في ظروف من الضغط العسكري والاحتلال كما ان مصر ترى ان بريطانيا لا تستطيع ان تتنكر لمسؤولياتها تجاه امن الجزر وعليها ان تفي بمسؤوليتها التصاعدية تجاه اي اعتداء عليها وستعمل مصر بالتعاون مع الدول العربية للمحافظة على عروبة الجزر ولصون السلام (37).

 

الموقف السوري

 

اهتمت الحكومة السورية بالأحداث الجارية في الخليج، وقد اعلن رسميا في دمشق ان السيد عبدالحليم خدام نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية السورية قد توجه في زيارة رسمية لدول وامارات الخليج.

وكان السيد خدام قد استقبل السفير العراقي في دمشق حيث دار البحث حول موضوع احتلال ايران للجزر الثلاث في الخليج (38).

 

لبنان وموقفها من الاحتلال الايراني

 

واصلت الجماهير العربية وقواها الوطنية استنكارها للعدوان الايراني البريطاني على الجزر العربية وطالبت الحكومات العربية بالوقوف بحزم بوجه المخططات الاستعمارية ونوايا ايران التوسعية.

وقد دعت الاحزاب والقوى الوطنية والتقدمية في لبنان الى تنظيم تظاهرة كبرى في بيروت استنكارا لاحتلال ايران للجزر العربية.

وقال بيان اصدرته هذه القوى ان توقيت العدوان الايراني على الجزر العربية يكشف موضوع طبيعة القوى الضالعة فيه إذ انه ما كان ليتم لولا تواطؤ الاستعمار البريطاني والدعم الامبريالي والمساندة الصهيونية.

ودعا البيان الدول العربية الى اتخاذ تدابير رادعة ضد المخططات التوسعية الايرانية والوقوف بحزم ازاء الاستعمار البريطاني وعملية احتلال ايران للجزر (39).

 

الكويت تطالب بقطع العلاقات الدبلوماسية مع ايران

 

وفي الكويت اجتمع مجلس الامة في جلسة عقدها للتصويت على مشروع يقضي بقطع العلاقات الدبلوماسية مع ايران ردا على احتلالها لجزر ابو موسى وطنب الكبرى والصغرى، وينص المشروع الذي تقدم به عدد من النواب على اعتبار امريكا وبريطانيا طرفين في الاحتلال الايراني للجزر العربية وعرض الموضوع على جامعة الدول العربية ومجلس الامن الدولي ودعم حركات التحرر في الخليج.

هذا وقد دعت جريدة »السياسة« الصادرة في 5/12/1971 شعب وحكومات الدول العربية الى اتخاذ كافة السبل لردع خطر التسلل الايراني في الارض العربية وقالت إن المتسللين يشكلون طابورا خامسا ينبغي عدم التقليل من اهمية خطره خاصة بعد احتلال الجزر العربية ووضحت الجريدة خطر التسلل الايراني بقولها انه لا يقل عن التسلل الصهيوني الذي يعتبر احد اسباب ضياع فلسطين واغتصابها (40).

 

الموقف الجزائري

 

وفي الجزائر قالت مجلة »الجاهد« الاسبوعية لسان حزب جبهة التحرير في افتتاحيتها ان عملية الغزو الايراني لم تكن مفاجئة للحكام العرب فقد كانوا على علم مسبق بنوايا ايران التوسعية وان العراق قدم الى الحكومات العربية مذكرات حذر فيها من المخطط الايراني العدواني، واضافت المجلة قائلة: »لكن الغريب والخطير هو ان القادة العرب لم يستفيدوا من دروس الماضي، وضياع اجزاء عزيزة من الوطن العربي، ولم يدركوا ان سبب بليتهم يكمن في تفرقهم وتخاذلهم واستسلامهم واتباعهم اساليب الحلول السياسية التي لم تلحق بهم سوى المذلة«.

وبعد ان نددت المجلة بالعمل العدواني الذي قامت به القوات الايرانية بالتواطؤ مع بريطانيا دعت الى ضرورة ممارسة الكفاح الشعبي المسلح لتحرير الارض العربية ومواجهة كل عملية غزو جديدة.

وكتبت صحيفة »الشعب« حول الموضوع نفسه فهاجمت بريطانيا وايران وقالت ان على ايران والاستعمار واعوانه ان يدركوا بأن ارادة الشعوب لا تقهر وان شعبنا في الخليج سيعرف كيف سيتعامل مع من اعتدوا على ارضه ومع من استسلم للعدوان (41).

 

الموقف في الجمهورية العربية اليمنية

 

وفي صنعاء دعت ادارة الشؤون العامة والتوجيه المعنوي للقوات المسلحة للجمهورية العربية اليمنية في حديث لها اذيع ضمن برنامجها اليومي الاقطار العربية الى التكاتف واتخاذ المواقف الموحدة ازاء احتلال ايران للجزر العربية الثلاث في مدخل الخليج.

وجاء هذا الحديث الموجه الى افراد القوات المسلحة اليمنية تعليقا على ما اقدمت عليه ايران وتأييدا لموقف اليمن بوقوفها الى جانب العراق من هذه القضية العربية المصيرية (42).

 

الموقف في جمهورية اليمن الديمقراطية

 

استقبل السيد علي ناصر محمد رئيس وزراء اليمن الديمقراطية ووزير الدفاع القائم بالاعمال العراقي واستعرض معه آخر تطورات الوضع في منطقة الخليج.

وقد اعرب السيد علي ناصر محمد عن ارتياح حكومته لموقف العراق من الاحتلال الايراني لجزر طنب الكبرى والصغرى وابو موسى ودوره في الدفاع عن عروبة الخليج ووقوفه في وجه الاطماع الايرانية الامبريالية.

كما اعرب رئيس الوزراء اليمني خلال المقابلة التي استغرقت حوالي ساعة عمق استنكار حكومته لاحتلال ايران للجزر العربية الثلاث (43).

 

الإجراءات الليبية

 

اصدرت الحكومة الليبية قرارا أممت بموجبه شركة النفط البريطانية العاملة في ليبيا حيث تستخرج ما لا يقل عن 20 مليون طن من النفط الخام سنويا بالإضافة الى قيام الحكومة الليبية بسحب كل موجوداتها النقدية المودعة في المصارف البريطانية وتقدر بما لا يقل عن 500 مليون جنيه استرليني.

وقد علقت صحيفة »الثورة« الليبية على قرار التأميم وسحب الارصدة قائلة إن هذا الاجراء موجه ضد بريطانيا بسبب تسليمها الجزر العربية الثلاث في الخليج لإيران قبل يوم واحد فقط من موعد انسحاب القوات البريطانية من المنطقة. وقد ذكرت الجريدة ان الحكومة البريطانية تمتلك 49 في المائة من اسهم الشركة المذكورة. كما ذكرت جريدة »الرائد« الليبية بأن مسيرة كبرى جرت في العاصمة الليبية استنكارا لاحتلال ايران للجزر المذكورة ووصفت الجريدة الاحتلال الإيراني بأنه امتداد لمؤامرة كبرى تجرى ضد الامة العربية، وان بريطانيا هي المسؤولة بصورة رئيسية عما جرى.

وعلقت جريدة »التآخي« البغدادية الصادرة في 12/11/1971 قائلة: »وبغض النظر عن جسامة النتائج الاقتصادية المترتبة على هذين الاجراءين سلبا لبريطانيا وايجابا الى ليبيا فإن مجرد الاستعانة بمثل هذه الخطوات معناه تطبيق عملي للرأي القائل بضرورة استعمال النفط كسلاح في المعارك السياسية التي تخوضها الامة العربية ضد اعدائها وإذا كان الكلام الكثير قد قيل من قبل عن كون النفط سلاحا فعالا يمكن توجيهه بشكل مؤثر ضد كل الذين يتمادون في تجاهل المطالبة العربية العادلة والاساءة الى ارادة الشعب العربي فإن الاجراءات الليبية تظل والحق يقال اول ما نفذ في هذا المضمار« (44).

 

المحامون العرب يستنكرون

 

استنكر اتحاد المحامين العرب في بيانه الذي صدر في القاهرة اقدام ايران على احتلال الجزر العربية ووصفه بأنه عدوان مسلح على الامة العربية وهو محاولة مكشوفة لضم جزء من اراضيها الى الارض الايرانية بالقوة خلافا لأحكام القانون الدولي وميثاق الامم المتحدة وتنكرا لكل القيم والمبادىء الاخلاقية في العلاقات الدولية (45).

 

ثانيا: الموقف الايراني عقب الثورة الإيرانية

 

الملاحظ انه عقب عملية استيلاء ايران على الجزر الثلاث اي ابتداء من عام 1971 فقد اخذت ايران تسعى الى بناء اقوى قوة ضاربة في المنطقة، وفي الوقت ذاته تسعى الى تطوير مفهوم ايراني لأمن الخليج وان تلعب دورا يسعى للحفاظ على المصالح الايرانية من جانب، والمصالح من جانب آخر في تلك المنطقة، وعند اذن اخذت تراود الشاه احلام استعادة مجد الامبراطورية الفارسية والقيام بدور القوة العظمى في الخليج، كما انه يلاحظ ايضا انه منذ عام 1975 أخذت ايران على لسان الشاه تقترح بعض اشكال التعاون الدفاعي في الخليج تكون لها فيه اكبر قدر من السيطرة والهيمنة، بطبيعة الحال هذا الدور الذي سعت الى تكريسه ايران قد تبدل عقب قيام الثورة فيها عام ،1979 لسنا بحاجة الى الحديث عن طبيعة مثل هذه الثورة بقدر ما يعنينا مغزى تلك الثورة ودرجة عدم الاستقرار الذي يكمن في منطقة الخليج المحيطة، ومدى التغير الذي طرأ على ميزان القوى هناك وطبيعة الاحتمالات التي ينطوي عليها المستقبل القريب والبعيد.

في واقع الامر سوف نجد ان المغزى الذي تمثله الثورة الايرانية ليس فقط تخليها عن الدور الذي كان الشاه قد رسمه لحماية مصالحه في المنطقة بل ان هذا الدور الايراني في حراسة امن الخليج اخذ في التقلص مع احتدام احداث الحركة الشعبية الايرانية وانشغال القوات المسلحة لمواجهة القلاقل والاضطرابات داخل البلاد ثم سحب آخر حكومة ملكية اي حكومة بختيار في 20 يناير 1979 طائراتها العسكرية الموجودة في سلطنة عمان وما لبثت الحكومة الجمهورية الثورية اي حكومة باذرجان ان اوضحت سياستها الجديدة التي تقوم على معاداة »اسرائيل« وقطع البترول عنها والتخلي عن دور الشرطي الخليجي الذي كان يقوم به الشاه (46) ومن ثم اصبح التوجه الاستراتيجي لإيران رهن طبيعة حسم الخلافات الايديولوجية الدائرة الآن وعموما فأينما كان الامر فإن مستقبل الثورة الايرانية يتوقف الى حد كبير على ابتعادها عن السقوط في دائرة الفوضى التي قد تصل الى حد الحرب الاهلية معنى ذلك، هل يمكن القول ان ما تعانيه ايران داخليا هو المحدد النهائي لتحركاتها الاقليمية (47)؟ وهل يمكن القول بأن الحرب العراقية ــ الايرانية قد تسفر عن تحديد آخر وتقيد للتحركات الايرانية المستقبلية؟ إذا كان الامر كذلك فمن الممكن الحديث عن انهيار الدور الإيراني ومعنى ذلك من الممكن استبعاد مثل هذه الجزر ولكن مع ذلك فمع وجود مثل هذه الحقائق فلايزال هناك اتجاه لدى ايران للحفاظ والتمسك بهذه الجزر رغم عدم احقيتها في ذلك وهو ما يبرز ويمكن اثباته من مجموعة التصريحات الصادرة عن قادة الثورة الايرانية على سبيل المثال. تصريح الرئيس الايراني ابو الحسن بني صدر الذي اتهم فيه الانظمة القائمة في الدول العربية بأنها حكومات غير مستقلة. وهدد الرئيس الايراني بتنظيف منطقة الخليج من الوجود الامريكي ومن كل ما هو مرتبط بالولايات المتحدة الامريكية وقال: ان دولة الامارات وقطر والبحرين وسلطنة عمان والكويت والمملكة العربية السعودية ترتبط بالولايات المتحدة، وليست مستقلة. وقال بني صدر ان ايران لن تعيد الجزر العربية الثلاث التي كانت احتلتها عام 1971.

كما نسبت اليه مجلة »النهار العربي والدولي« الاسبوعية عن اللبنانيين في باريس قوله »لا ننوي اعادة هذه الجزر، بل بالعكس ننوي تنظيف الخليج من الوجود الامريكي ومن كل ما هو مرتبط بالولايات المتحدة«.

وكانت ايران قد احتلت جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وابو موسى الواقعة عند مدخل الخليج والتابعة للامارات في سنة 1971 في عهد الشاه.

وقال: »في طرف الخليج يوجد مضيق هرمز الذي يمر عبره النفط وهم خائفون من ثورتنا، فإذا سمحنا لهم بالحصول على هذه الجزر فإنهم سيسيطرون على الممر، اي ان الولايات المتحدة ستسيطر على هذا الممر، فهل يمكن ان نقدم هذه الهدية الى الولايات المتحدة«.

ووصف بني صدر علاقات ايران بالحكومات العربية بأنها ليست جيدة وقال »ان العلاقات الحالية التي تربطنا بالحكومات العربية ليست جيدة هذا واضح لأننا لا نعتبرها حكومات مستقلة وبالتالي لا نريد التعامل معها«.

واضاف يقول: ان المشكلة هي ان العرب يتصورون اننا مرض خطير وانهم إذا تركوا الابواب مفتوحة امامنا فإن العدوى ستصيب الجميع.

وسئل إذا كانت ايران ستتجاوب في حالة قيام الحكومات العربية بمبادرات تجاه ايران فقال: لا استطيع ان اؤكد تجاوبنا ما لم تحدث يقظة اسلامية في العالم العربي فإن علاقات طهران مع العواصم العربية لن تتحسن.

وكما ان هناك تصريحات مماثلة لوزير خارجية ايران قطب زاده ادلى بها خلال زياراته الى عدد من دول الخليج ونصت على ان ايران لا تنوي تسليم الجزر الثلاث لإمارتي الشارقة ورأس الخيمة (48).

 

الخاتمة

 

في ختام هذه الدراسة لا يسعنا إلا ان نتعرض لمناقشة الفرضيات الثلاث التي سبق وان صيغت في مقدمة هذا البحث. في ضوء الفرضية الاولى نستطيع ان نصل الى نتيجة مؤداها ان ايران في ضوء تصورها لمفهوم امن الخليج كان لابد وان تظهر قدرا معينا من الهيمنة على المنطقة يتواءم مع الدور الذي رشحت للقيام به عقب الانسحاب البريطاني، وترتبط بذلك رفض فكرة ان الهدف الايراني كان يسعى فقط الى اظهار القوة - اي ان تكون القوة هنا غاية.

وهو الامر الذي من شأنه ان يتناقض مع اهمية الجزر بالنسبة للنواحي الامنية والاستراتيجية في الخليج، وإذ سلمنا بالجانب الاول من الفرضية الثانية الذي يقضي بأن ملكية الجزر إنما لإيران فهذا من شأنه ان يتناقض هو الآخر مع ما تم استعراضه من وثائق تثبت بالفعل الملكية للإمارات، لذلك نصل الى حقيقة اخرى هي ان هذه الجزر تمثل اهمية استراتيجية وأمنية بالنسبة لإيران ليس لأنها ملك لها بل اقتناعا مع طبيعة الدور الايراني كما تحدده الفرضية الاولى، لذلك سوف نصل الى نتيجة مؤداها ان الجزر تخضع لملكية الامارات وبهذا ترفض الفرضية الثانية، وان التوجه الايراني لم يتم من فراغ وإنما بحكم الاهمية التي تضيفها الجزر على من يستولي عليها وبهذا ايضا نرفض الفرضية الاولى، ولا يبقى بعد ذلك سوى ان نقر بأن الجزر من الناحية القانونية والفعلية تخضع لملكية الامارات، وان التوجه الإيراني كان يسعى لاغتصابها بالقوة بحكم دور معين ترغب في ان تلعبه تحقيقا لمصالح عربية اساسا، وهذا بدوره يدعونا في النهاية الى التسليم بالفرضية الثالثة، واتساقا مع تلك الحقيقة فإنه يمكن القول ايضا - وبصفة اجمالية ان هناك اعتبارين سوف يحكمان الصراع المرتبط بهذه القضية.

الاعتبار الاول: ان منطقة الخليج سوف تظل ولسنوات قادمة موضع صراع سواء من جانب قوى خارجية وبعيدة عن المنطقة بحكم ارتباط مصالحها العسكرية والامنية والاستراتيجية والاقتصادية بما تقدمه من علامات اجتذاب او من جانب قوى محلية او اقليمية كل منهما يسعى لأن يلعب دور القوة الاقليمية المهيمنة.

الاعتبار الثاني: ان الجزر بما تتضمنه من ابعاد استراتيجية وامنية لاتزال تمثل بالنسبة للتوجه الايراني عامل جذب مستمرا وإذا كانت الثورة الايرانية قد فرضت قيودا على تحركات النظام الايراني الشاهنشاهي، إلا انه من الثابت حتى الآن وجود اتجاه واضح وان كان اقل تطرفا، إلا انه يعكس المضمون نفسه وهو عدم الرغبة في التخلي عن تلك الجزر بالنظر الى اهميتها بالنسبة لإيران، بالرغم من الاعتراف الضمني بملكية الامارات لها. والواقع انه برغم اننا سعينا في هذا البحث الى تنويع مصادر المعلومات إلا ان هنا حقيقة اساسية تكثف كل ما هو يتعلق بالخليج بصفة عامة وهي قلة الكتابات وبالأخص العربية، وقليل من الكتابات الاجنبية هي تلك التي تتناول الموضوع بالحيادية العلمية على الاقل.

 

الهوامش:

(1) يراجع في ذلك: د. السيد عليوه، »امن الخليج بعد الثورة الايرانية«، السياسة الدولية، عدد ،57 يوليو ،1979 ص 110

(2) للمزيد من التفاصيل حول السياسة الامريكية في الشرق الاوسط انظر: د. حامد ربيع، »العالم العربي في ملف الاستراتيجية الامريكية«، الموقف العربي، عدد ،10 يناير ،1978 ص 86 - 88

(3) د. لؤي بحري، »الاطماع الاجنبية في جزيرة ابو موسى العربية«، وزارة الاعلام العراقية، دائرة شؤون الخليج العربي، ،1971 ص 4 - 5

(4) »الجزر العربية بين الاطماع الاجنبية والاستراتيجية«، وزارة الاعلام العراقية، دائرة شؤون الخليج العربي، ،1971 ص 24

(5) د. جابر ابراهيم الراوي، الحق العربي في الجزر العربية الثلاث وموقف القانون الدولي من اكتساب الاقاليم عن طريق القوة، المؤتمر الدولي للتاريع، العراق، 25 مارس ،1973 ص 428 - 429

كذلك »ابعاد العدوان الامبريالي الايراني على الجزر العربية الثلاث في الخليج العربي«، ندوة جمعية الحقوقيين العراقيين، 15 يناير ،1971 ص 10 - 12

(6) »على سبيل المثال في سنة 1912 طلبت الحكومة البريطانية من شيخ القواسم صاحب السلطة والسيادة في حينه ان يسمح لها باقامة منارة لغرض ارشاد السفن على الطريق البحري في هذه المنطقة بسبب وجود الشعاب المرجانية في عقر الخليج، حيث ان هذه المنطقة تتميز بوجود هذه الصفة او الجزر الكلسية التي تتكون نتيجة لوجود الحيوانات البحرية في هذه المنطقة«.

(7) »هذا الاوكسيد قد استغل من قبل 57 سنة وان جميع العوائد التي تأتي الى جزيرة ابو موسى من استغلال هذا المعدن تعطى الى امير الشارقة ورأس الخيمة واخيرا اخذت الشارقة تستلم هذه العوائد من شركة »ميكوم« البريطانية«.

(8) جريدة الخليج، مركز البحوث والدراسات، التقرير السياسي، العدد الثالث، اكتوبر 1980

(9) ابعاد العدوان الامبريالي الايراني، مرجع سبق ذكره، ص 16 - 17

(10) د. مصطفى عبدالقادر النجار، »دراسات في تاريخ الخليج العربي المعاصر«، معهد البحوث والدراسات العربية، ،1978 ص 69 - 70

(11) د. محمود علي الداود، »الخليج العربي والعلاقات الدولية«، الجزء الاول، 1890 - ،1914 دار المعرفة، القاهرة، د.ت، ص 158 - 159

(12) يراجع في ذلك ايضا: د. مصطفى عبدالقادر النجار، »بريطانيا وتحديد السيادة على جزر الخليج العربي في فترة ما بين الحربين كما تكشفها الوثائق البريطانية«، الخليج العربي، عدد ،8 ،1977 ص 30 - 32

(13) د. جابر ابراهيم الراوي، مرجع سبق ذكره، ص 445 - 452

د. محمد عزيز شكري، »مسألة الجزر في الخليج العربي والقانون الدولي« جامعة دمشق، ،1972 ص 17 - 29

(14)  د. عبدالحسين القطيفي، »الجزر العربية الثلاث في الخليج العربي« المؤتمر الدولي للتاريخ، مرجع سبق ذكره، ص 65 - 66

 د. محمد عزيز شكري، مرجع سبق ذكره ص 29 - 32

 د. جابر ابراهيم الراوي، مرجع سبق ذكره، ص 440 - 441

(15) د. سيد نوفل، »الخليج العربي او الحدود الشرقية للوطن العربي«، دار الطليعة بيروت، ،1969 ص 116 - 117

(16) د. سيد نوفل، مرجع سبق ذكره، ص ،121 وهو واضح من سياق الوثيقة رقم (19)

(17) اعتمد الباحث على المراجع التالية في تفنيد الحجج الايرانية التي تدعي ملكية الجزر: د. محمد عزيز شكري ود. حسن الابراهيم، »قضايا معاصرة في السياسة الدولية« وكالة المطبوعات، الكويت، ،1972 ص 11 - 13

د. جابر ابراهيم الراوي، مرجع سبق ذكره، ص 429 - 430

د. محمد عزيز شكري، مرجع سبق ذكره، ص 32 - 36

جريدة الخليج - العدد ،328 4 ديسمبر 1971

جريدة الخليج - العدد ،329 5 ديسمبر 1971

(18) من ذلك مثلا تصريحات السير وليم لوس الذي اكد ان الحكومة البريطانية لم تغتصب »ابو موسى« من الايرانيين وتسليمها للشارقة كما ان الحكومة البريطانية واكد المعني ذاته المستر فودير وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية في كتابه المؤرخ في 28/10/70 كما اكده كتاب المعتمد البريطاني في دبي »جوليا - بولارد« المؤرخ في 8/11/70

(19) ر.م. بوريل، »الخليج العربي«، ترجمة مكي حبيب المؤمن، منشورات مركز دراسات الخليج العربي، بغداد، 1976/،1977 ص 22

(20) المرجع السابق، ص 23

(21) المرجع السابق، ص 27

(22) د. صلاح العقاد، التيارات السياسية في الخليج العربي، مكتبة الانجلو المصرية، ،1974 ص 388

(23) المرجع السابق، ص 389

(24) زكريا نيل، »بؤرة الخطر في الخليج العربي«، مطابع الاهرام، ،1974 ص 22 - 23 (القاهرة)

(25) N. Morsy Abdullah, زThe United Arab Emirates, A. Modern History (London: Croom Helm, 1978) P.277

(26) Ibid. P.278

(*) مبدأ ترومان يعني من حيث صياغته الاصلية نقل الالتزامات الدفاعية التي كانت تقوم بها بريطانيا خاصة فيما يتعلق بالدردنيل واليونان الى الولايات المتحدة، والذي انتهى الى تجاوز هذا المعنى ليلتقي مع اهداف سياسة حصر الشيوعية ما يعني مزيدا من الاعتماد على ايران، وهذا هو السبب الذي اضفى على ايران توجها نحو تحركات اوسع في منطقة الخليج في ضوء تنامي قوتها بمساعدة الولايات المتحدة.

(**) انضم حزب توره مع الجماعات والقوى القومية الاخرى وكان لذلك اثر واضح على الحكومة الإيرانية وعلى قرارها عام 1951 المتعلق بتأميم شركة البترول الانجلوايرانية وترتب على ذلك ان فقد العديد من البريطانيين كثيرا من الامتيازات التي سبق وان تمتعوا بها داخل ايران، وخاصة في ضوء اتجاهات رئيس الوزراء مصدق خلال الفترة 1950 - 1951.

(27) ر.م.بويل، مرجع سبق ذكره ص ،14 ص 28

(28) M.Morsy Abdullah, op. cit, P.281

(29) Ibid, P. 281 - 282

(***) شهدت صحافة الامارات المتصالحة شعورا متزايدا نحو تأييد حقهم في هذه الجزر ويكفي للدلالة على ذلك متابعة المقالات التي كانت تنشر في مجلة »الشروق« وجريدة »الخليج« إبان هذه الفترة في الشارقة على وجه الخصوص. وفي عام 1971 أعد الشيخ خالد بن محمد حاكم الشارقة دراسة تاريخية وقانونية موثقة حول تبعية الجزر. وكانت كل المقترحات الايرانية يتم رفضها من جانب شيوخ الشارقة ورأس الخيمة اللذين كان لديهما القدرة على الاصرار على ان اي اعلان يتعلق بالتسوية حول مسألة الجزر لابد وان يكون صادرا عن سيادتها.

(30) ر.م.يوريل، مرجع سبق ذكره، ص 56 - 58

 M.Morsy Abdullah, op.cit. P. 283

(31) د. خالد العربي، الخليج العربي بين ماضيه وحاضره، وزارة التربية، العراق ،1972 ص 233 - 234

(32) المرجع السابق ص 235

(33) جريدة الخليج، العدد ،330 7 ديسمبر 1971

(34) د. خالد العزي، مرجع سبق ذكره، ص 338 - 339

(35) جريدة الخليج، العدد ،331 8 ديسمبر 1971

(36) جريدة الخليج، العدد ،332 9 ديسمبر 1971

د. خالد العزي، مرجع سبق ذكره، ص 341

(37) جريدة الخليج، العدد ،334 11 ديسمبر 1971

(38) جريدة الخليج، العدد ،340 18 ديسمبر 1971

(39) د. خالد العزي، مرجع سبق ذكره، ص 243

(40) د. خالد العزي، مرجع سبق ذكره، ص 243 - 244

(41) جريدة الخليج، العدد ،348 28 ديسمبر 1971

(42) جريدة الخليج، العدد ،325 1 ديسمبر 1971

د. خالد العزي، مرجع سبق ذكره، ص 244

(43) د. خالد العزي، مرجع سبق ذكره، ص 245

 جريدة الخليج، العدد ،334 11 ديسمبر 1971

(44) جريدة الخليج، العدد ،338 28 ديسمبر 1971

د. خالد العزي، مرجع سبق ذكره، ص 245 - 246

(45) جريدة الخليج، العدد ،351 31 ديسمبر 1971

(46) د. السيد عليوه، مرجع سبق ذكره، ص 108 - 110

(47) صلاح ابو النجا، ايران من مشروعية الثورة الى شرعية الدولة، السياسة الدولية، العدد ،57 يوليو ،1979 ص 105 - 106

(48) مجلة النهار العربي، العدد ،151 مارس ،1980 ص 28 - 32