»مدى مشروعية التغيرات الاقليمية الناتجة عن استخدام القوة«

حالة الجزر العربية الثلاث في الخليج العربي *

 

* المستشار عبدالوهاب العبدول

 

اهمية الموضوع

التغيرات الاقليمية هي تصرف او مجموعة من التصرفات او الافعال تتخذها دولة او اكثر حيال دولة او اكثر او حيال شعب او اكثر من شأنها انتهاك قاعدة دولية آمرة او ملزمة تنظم مركزا قانونيا او تنشئ حقا دوليا معترفا به.

وتتعدد صور التغيرات الاقليمية غير المشروعة. فقد تأخذ شكل حرمان شعب من الشعوب من ممارسة حقوقه المشروعة المقررة له وفق المواثيق والاعلانات الدولية كحقه في تقرير مصيره. او منعه من ممارسة حقه في ان يعيش في مجتمعه دون تمييز او تفرقة بسبب لونه او جنسيته او معتقده.

على ان اهم صورة من صور التغيرات الاقليمية غير المشروعة هي سعي دولة ما نحو تحقيق مكاسب اقليمية او ترابية عن طريق احتلال اراضي الغير او الاستيلاء عليها باستخدام القوة العسكرية.

وانطلاقاً مما سلف فإن اهمية الموضوع تتجلى في النقاط التالية:

اولا: ان التغيرات الاقليمية غير المشروعة مصدر تهديد دائم ومستمر للأمن والسلم الدوليين مهما طال بها الزمن ومهما تمتعت بفاعلية السيطرة. فوجود »اسرائيل« غير المشروع في قلب الوطن العربي، واحتفاظها بالاراضي المحتلة ظل ولايزال مصدر تهديد دائم ومستمر للأمن والسلم الدوليين في العالم بصفة عامة، ومنطقة الشرق الاوسط بصفة خاصة. وممارسة نظام جنوب افريقيا لسياسة التمييز العنصري جعل المنطقة بؤرة من بؤر التوتر في العالم. وانتهاك حقوق الاقليات في بعض الدول اشعل نيران الحروب الاهلية فيها.

ثانيا: ان ملامح المرحلة التي نعايش احداثها الآن والتي اصطلح على تسميتها بمرحلة ما بعد الحرب الباردة تتميز بالنزوع نحو حل وتسوية المشكلات والنزاعات الدولية والاقليمية بالطرق والوسائل السلمية حفاظا على الأمن والسلم الدوليين تمهيدا لولوج عالم »النظام الدولي الجديد«، ومن ثم فإن ابقاء الاوضاع الاقليمية غير المشروعة يناقض الهدف الذي يسعى المجتمع الدولي الى تحقيقه في هذه المرحلة.

ثالثا: تشكل التغيرات الاقليمية غير المشروعة عنصرا من عناصر المسؤولية الدولية، إذ انها تصرفات وافعال غير مشروعة وقعت بالمخالفة واحكام القانون الدولي تستوجب مساءلة مرتكبها دوليا فالاحتلال - مثلا - عمل من اعمال العدوان وفق قرار الجمعية العامة للامم المتحدة الخاص. بتعريف العدوان رقم 3314/29 واخلال بالتزام دولي ايجابي مؤداه عدم جواز استخدام القوة لتحقيق مكاسب اقليمية ومساس بحق الدول في ان تعيش داخل حدود آمنة ومعترف بها دوليا.

رابعا: واخيراً فإن ازالة التغير الاقليمي غير المشروع يمكن ان يتحقق اما باستخدام القوة المأذون بها كما حدث في ازمة احتلال الكويت، او بطرق باب وسائل التسوية السلمية التي تعتمد على قوة الحجة وسلامة المنطق وحضور البرهان. وهذا الحل هو ما يرتصد له هذا البحث حيث انه يعالج مسألة اقدام ايران قبل عشرين عاما على احتلال ثلاث جزر عربية في الخليج العربي التي لايزال ملفها مفتوحا حتى هذه اللحظة، وذلك من خلال مناقشة قانونية هادئة لمدى مشروعية الاحتلال الايراني للجزر العربية الثلاث، استنادا الى تقريرات القانون الدولي ووقائع التاريخ.

والواقع ان هناك عدة اسباب دفعتني الى اختيار هذا الموضوع يمكن ايجازها في النقاط التالية:

اولا: ان الاحتلال الايراني للجزر العربية الثلاث يعتبر اول مشكلة واجهت دولة الامارات العربية المتحدة عقب قيامها مباشرة أنصبت على مطالبات اقليمية في اراض تابعة لها واستخدمت فيها القوة المسلحة لتحقيقها.

ثانيا: ان الاحتلال الايراني للجزر العربية الثلاث يعتبر اول مشكلة استخدمت فيها ايران القوة لتحقيق مكاسب اقليمية منذ الاعلان البريطاني عن الانسحاب من منطقة الخليج العربي.

ثالثا: ومن اسباب اختيار الموضوع بيان ازدواجية مواقف ايران ازاء قاعدة عدم جواز استخدام القوة لتحقيق المكاسب الاقليمية، ففي الوقت الذي اعلن فيه شاه ايران انه يحترم ارادة شعب البحرين في تقرير مصيره، ويستبعد استعمال القوة لتحقيق مطالبه فيها نجد انه يصر على استخدام القوة لاحتلال الجزر العربية الثلاث رغم وحدة اساس المطالبة الايرانية في المشكلتين.

رابعا: ندرة الدراسات والابحاث التي تناولت مشكلة الجزر من جانبها القانوني، إذ ان معظم الدراسات المنشورة قد تناولتها من جانبها التاريخي. وحتى تلك التي تناولتها من جانبها القانوني فإنها اصطبغت بالطابع الايديولوجي لكتابها، فهي تدافع عن توجهات دولهم فضلا عن انها لم تكتب بغرض الدراسة والتأصيل العلمي، وانما بغرض الدفاع عن مصالح معينة.

خامسا: واخيراً فإن الجزر العربية الثلاث جزء لا يتجزأ من تراب الوطن الذي انتمي اليه واطمع ان يكون عملي هذا جهدا متواضعا لخدمة وطني والدفاع عن مصالحه.

لقد اعتمدت في اعداد هذا البحث على مجموعة من الكتب العربية والاجنبية ذات الصلة الوثيقة بموضوع البحث، اضافة الى طائفة من البحوث والدراسات المبثوثة في ثنايا بعض الدوريات واليوميات العربية والمتعلقة بمسألة الجزر، وإني إذ اسجل ندرة الدراسات والابحاث التي تناولت مشكلة الجزر العربية الثلاث من جانبها القانوني، إلا أنني ارى ان ما توافر لدي من مراجع يمثل الحد المناسب لما يمكن ان يكتب عن المشكلة دون ان يعني ذلك طرح ما هو جديد ومفيد او تقبل اي نقد صائب وسديد.

وأود الاشارة الى ما لقيته من جهد وعناء اثناء اعداد هذا البحث فمن جهة اولى فإن مشكلتي سرية الوثائق وندرة المنشور منها كانتا تواجهانني اينما ذهبت، وتحت ضغط هاتين المشكلتين اكتفيت بما تيسر لي الاطلاع على المنشور منها وذلك من خلال ترددي على دار الكتب الوطنية، ومركز الوثائق، والدراسات ومكتبة وزارة الخارجية بأبوظبي، فضلا عن مكتبة المركز الثقافي بالشارقة، ومركز الدراسات والوثائق بإمارة رأس الخيمة.

ومن جهة ثانية فإن ارتباطي بالعمل القضائي أخذ جل وقتي فلم اتمكن من القيام بزيارة الاماكن المحفوظة فيها الوثائق كبريطانيا والهند وايران.

 

اشكالية البحث

 

يتخذ البحث من الاشكالية الكبرى ألا وهي اشكالية العلاقة بين القوة والقانون منطلقا له ليجيب عن السؤال الآتي:

ما مدى مشروعية التغيرات الاقليمية الناتجة عن استخدام القوة؟ او بعبارة اخص ما مدى مشروعية احتلال اراضي الغير عن طريق استخدام القوة؟ وهل مازالت القوة هي التي تخلق المراكز الواقعية ويقوم القانون بعد ذلك بإضفاء المشروعية على المواقف المترتبة على انتصار القوة؟ ام ان التنظيم الدولي الحديث يأبى الاذعان لما تنشئها القوة من تغيرات اقليمية على خلاف قواعد القانون الدولي؟

وللإجابة عن السؤال يقتضي تقسيم البحث الى بابين يرتصد الاول منهما للبحث فيما إذا كان الاحتلال الايراني للجزر العربية يحظى بأساس قانوني واضح وسليم يسبغ عليه صفة المشروعية أم انه يفتقد لمثل ذلك الاساس. فيغدو التصرف الايراني تغيرا اقليميا غير مشروع ومناط الاساس القانوني بتقريرات القانون الدولي واحكامه لا بما قد تقدمه الدولة من تبريرات وتتذرع به من ذرائع.

ولبيان مدى تمتع الاحتلال الايراني بصفة المشروعية تعين اجراء مقارنة بين موقف القانون الدولي التقليدي، وخلفه الحديث من مشروعية التغيرات الاقليمية الناتجة عن استخدام القوة. وهذا الموضوع هو محور الفصل الاول من الباب الاول بمبحثيه. واسفرت المقارنة عن نتيجة مؤداها ان القانون الدولي التقليدي اسبغ المشروعية على كافة التغيرات الاقليمية الناتجة عن استخدام القوة وتعليل ذلك ان السمات التي طبعت القانون الدولي آنذاك جعلت منه مطية ذلولاً بيد الدول الاستعمارية لأنها كانت هي التي تضع قواعده وتسن نصوصه بما يتوافق ومصالحها الاستعمارية في العالم، ومن ثم استحق هذا القانون ان يقال عنه انه عبارة عن »قواعد ذات بعد جغرافي ومسحة دينية وتوجهات مركنتلية وغايات امبريالية«.

ولما كانت الدول الاوروبية المسيحية صاحبة الصدارة والقوة في العلاقات الدولية، فمن ثم فإن القانون الدولي التقليدي نظر الى القوة بكافة صورها واشكالها على انها معطى لا يمكن تجاوزه، فهي وسيلة مشروعة لتحقيق الاهداف الوطنية ومظهر للسيادة وأسلوب قانوني لتسوية المنازعات الدولية وأداة لاحداث التغيرات الاقليمية واكتساب السيادة على الاقاليم، فجاءت قواعده اما مؤيدة للقوة، او منظمة لها او معترفة بآثارها وصلاحيتها لإحداث التغيرات الاقليمية، فأباح الحرب وأجاز استخدام سائر اشكال وصور القوة لإحداث التغيرات الاقليمية وتحقيق المكاسب الترابية.

ولم يكتف القانون الدولي التقليدي بإضفاء المشروعية على التغيرات الاقليمية، بل انه ربط مشروعية التغيرات الاقليمية بفاعلية السيطرة عليها انطلاقا من ان السيطرة الفعلية على الاقليم تؤدي الى شرعية التغير الاقليمي حتى لو كان سببه باطلا تغليبا للمبدأ القائل ان القانون وليد الواقع، فضلا عن فاعلية السيطرة تؤدي الى استقرار العلاقات الدولية فقد كانت الدول الاوروبية تأخذ بفاعلية السيطرة كمقياس لشرعية الاحتلالات على اقاليم الشعوب غير الاوروبية المسيحية، فمؤتمر برلين (1884 - 1885) دعا الدول الاوروبية الراغبة في امتلاك المستعمرات ان تدعم احتلالها بممارسة فعلية لسلطتها.

لقد كان القانون في خدمة القوة

في حين ان نتيجة المقارنة جاءت مغايرة حينما تعلق الامر بمشروعية التغيرات الاقليمية الناتجة عن استخدام القوة في ظل القانون الدولي الحديث، فيحكم تعدد اشخاص هذا القانون، واتساع نطاق وظائفه، وتعدد القائمين على وضع قواعده، وسن نصوصه فإنه نزع عن القوة وعن التغيرات الاقليمية الناتجة عنها لباس المشروعية حينما حظر نهائيا استخدامها في مجال العلاقات الدولية. فنصوص ميثاق الامم المتحدة مثلا تحظر على جميع اعضاء المنظمة استخدام القوة على أي وجه لا يتفق ومقاصدها بل ان قاعدة عدم جواز استخدام القوة ارتقت الى مصاف القواعد الدولية الآمرة.

لم يكتف القانون الدولي الحديث بحظر استخدام القوة، بل شرع عدم الاعتراف كجزاء على التغيرات الاقليمية الناجمة عن استخدام القوة، وعدم الاعتراف - كجزاء - اجراء جماعي يتخذ في اطار الشرعية الدولية ويقصد من ورائه عدم الاعتداء، او التسليم بالحالة الواقعية، او المكاسب الاقليمية الناتجة عن استخدام القوة غير المشروعة، ويأخذ هذا الجزاء شكل تدابير سياسية، او اقتصادية توقعها منظمة دولية كالأمم المتحدة مثلا.

ورغم ان جزاء عدم الاعتراف يجد جذوره التاريخية في بعض الاتفاقات الدولية التي ابرمت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلا انه ظهر بشكل واضح وملموس عام 1932 في اعقاب استيلاء اليابان على اقليم منشوريا الصيني، وقد عرف بمبدأ »ستيمسون«.

ويجد هذا الجزاء اساسه القانوني في مجموعة النصوص الدولية (قرارات، اعلانات، توصيات.. الخ)، وكذلك في طبيعة قاعدة عدم جواز استخدام القوة لتحقيق المكاسب الاقليمية من حيث انها قاعدة ارتقت الى مصاف القواعد الآمرة.

كما شرع القانون الدولي الحديث - في سعيه الدائب نحو منع استخدام القوة في العلاقات الدولية - الحرب الدولية كجزاء ناجح لمنع التغيرات الاقليمية غير المشروعة، وممارسات الامم المتحدة في هذا الميدان خلال ازمتي كوريا والكويت واضحة للعيان، فقد اثبتت الممارسة الدولية لهذه الحرب انها وسيلة فعالة لمنع التغيرات الاقليمية غير المشروعة.

فهذا الجزاء يتمتع بميزة السرعة والتأثير، فهو يواجه التغير الاقليمي غير المشروع، وهو لايزال في بدايته فيمنعه من ان يصبح واقعا تتأقلم الدول واشخاص العلاقات الدولية الاخرى على التعامل معه بمضي الوقت تطبيقا للمبدأ القائل ان القانون وليد الواقع. فضلا عن انه جزاء مؤثر، ومناط التأثير فيه انه يوقع بشكل جماعي، وفي اطار الشرعية الدولية.

يتضح من العرض السالف ان القواعد الدولية تطورت وعلى الخصوص بعد انشاء الامم المتحدة نحو منع كافة التغيرات الاقليمية الناتجة عن استخدام القوة، وشرعت الجزاءات على كل تغير اقليمي غير مشروع، وهذا ما دفع بإيران الى البحث عن ذرائع لتبرر بها انتهاكها لقاعدة عدم جواز استخدام - القوة في العلاقات الدولية.

ويرتصد الفصل الثاني من هذا الباب في مبحثيه لبيان الذرائع ومناقشتها.

ففي محاولة للمجادلة والتشكيك في انطباق قاعدة عدم جواز استخدام القوة في العلاقات الدولية لتحقيق المكاسب الاقليمية تذرعت ايران بفكرة الحقوق التاريخية وبمقولة حماية مصالحها ذات - الطبيعة السياسية في الخليج العربي.

وتلخص فكرة الحقوق التاريخية في النقاط التالية:

اولا: تبعية الجزر تاريخيا للامبراطورية الفارسية.

ثانيا: اعتراف الخرائط البريطانية القديمة بفارسية الجزر.

ثالثا: الاعتراف العربي بالسيادة الفارسية على الجزر.

اما مقولة حماية المصالح ذات الطبيعة السياسية فموجزها ان مسؤوليات ايران المحلية والاقليمية، وموقعها الجغرافي المطل على الخليج، والمشرف على مضيق هرمز ووقوع معظم حقولها البترولية في مياه الخليج يحتم عليها ضم الجزر اليها كي لا تقع بيد الانظمة المعادية لها، والتي قد تستغل موقع الجزر الاستراتيجي للإضرار بمصالحها التجارية او المساس بأمنها القومي.

ان المناقشة التاريخية والقانونية لتلك الذرائع والمبررات تفضي الى انتفاء اساس الحق التاريخي، والى عدم قدرة المصالح السياسية على طرق قواعد القانون الدولي او اضفاء الشرعية على الاحتلال الايراني.

فوقائع التاريخ تكشف عن ان عروبة الخليج وجزره لم تكن محل شك، او خلاف منذ اوائل القرن الميلادي الرابع، فمؤرخو الاغريق يتحدثون عن نهضة وقوة عرب الخليج، وغاراتهم المتكررة على السواحل الفارسية منطلقين من جزر وسواحل الخليج العربي كالبحرين وقطر والاحساء، ومنذ قيام الدولة الاسلامية في النصف الاول من القرن السادس الميلادي، وحتى بداية عصر التنافس الاستعماري في الخليج العربي في مطلع القرن السادس عشر الميلادي، والخليج بمياهه وجزره وشواطئه بحيرة عربية خالصة رغم تفتت الدولة الاسلامية المركزية، وظهور الامارات والدويلات الاسلامية المستقلة، وحتى في عهد التنافس الاستعماري، فإن عروبة الجزر لم تكن محل انكار من الحومة الفارسية.

اما الخرائط البريطانية فإنها جاءت انعكاسا لجهل بريطانيا بحقيقة تبعية الجزر لأنها لم تكن - تعلم شيئا عن الاتفاق الذي تم بين حكام الساحل الشرقي للخليج، وابناء عمومتهم حكام الساحل العربي بخصوص اقتسام الجزر فيما بينهم - فضلا عن ان بريطانيا ذاتها اعتبرت كتاب دليل الخليج الفارسي خاصاً بالملاحة اكثر منه بالسياسة وأن ما ورد فيه بخصوص الجزر خطأ قامت بتصحيحه في حينه. هذا الى جانب ان الخرائط المذكورة لا تتمتع بأي قوة قانونية إذ انها لم تكن خرائط رسمية وحتى لو اعتبرت تلك الخرائط بمنزلة اعتراف ضمني من جانب الحكومة البريطانية بتبعية الجزر للحكومة الفارسية فإن سلوك بريطانيا اللاحق يدحض هذا الاعتراف ويجرده من كل قيمة قانونية.

وأخيراً فإن اعترافات حكام الساحل الشرقي للخليج لا تقوى لأن تكون دليلا صالحا للادعاء لما فيها من تناقض ولأنها صادرة ممن لا يملك لمن لا يستحق.

ومهما كانت حيوية المصالح السياسية فإنها لا يمكنها ان تكون ذريعة لخرق قواعد القانون الدولي، فحماية امن الخليج مسؤولية مشتركة تقع على عاتق دول المنطقة جميعها، كما ان مقولة حماية المصالح الاستراتيجية لا تقوى هي الاخرى على طرق قواعد القانون الدولي.

فالمادة (5/1) من قرار الجمعية العامة للامم المتحدة الخاص بتعريف العدوان تنص على ان »ما من اعتبار أياً كانت طبيعته سواء كان سياسيا او اقتصاديا او عسكريا او غير ذلك يصلح ان يتخذ مبرراً لارتكاب العدوان«.

وإذا كان الاحتلال الايراني للجزر العربية الثلاث قد جاء فاقداً لأساسه القانوني تأسيساً على تطور القواعد الدولية نحو عدم الاعتراف بالمكاسب الاقليمية الناجمة عن استخدام القوة وعاجزاً عن الارتكاز على المبررات التاريخية، او السياسية لإضفاء المشروعية عليه، ومن ثم فإن التكييف القانوني لهذا الاحتلال يعد تغيراً اقليميا غير مشروع.

وتتحلى مظاهر عدم مشروعية هذا التغير الاقليمي في أنه احتلال انطوى على صفات العدوان المسلح تحققت فيه شروط التغير الاقليمي غير المشروع.

وجرياً على ما سرت عليه في الباب الاول قسمت هذا الباب ايضا الى فصلين تناولت في اولهما توافر صفات العدوان المسلح في الاحتلال الايراني سواء من حيث انه عدوان مسلح على دولة الامارات العربية المتحدة، او من حيث استمرار هذا العدوان في صورة احتلال حربي.

فمن حيث انه عدوان مسلح - وهذا هو محور المبحث الاول - فإن المجتمع الدولي لم يستقر على تعريف موحد للعدوان إلا في 14 ديسمبر 1974 رغم جهوده في هذا المضمار منذ انشاء عصبة الامم، ففي هذا التاريخ اقرت الجمعية العامة للامم المتحدة القرار رقم 3314/29 الخاص بتعريف - العدوان - حيث عرف هذا القرار العدوان وبين شروطه وصوره واعتبر الهجوم المسلح والغزو والاحتلال من اعمال العدوان.

اما من حيث استمرار العدوان - المبحث الثاني - فإن الاحتلال الايراني اخذ صور الاحتلال الحربي استنادا الى انطباق تعريفه، واكتمال عناصره وتوافر اسس عدم مشروعيته، وباعتبار الاحتلال الحربي حالة فعلية اوجدتها القوة القاهرة الناتجة عن وجود القوات المسلحة الاجنبية فإن له تعريفه الخاص به، والذي يميزه عن غيره من صور العدوان الاخرى وعناصره التي ترقى به الى مرتبة العدوان. واخيرا فإن للاحتلال الحربي آثاره القانونية سواء على السيادة الاقليمية، او على الافراد، كعدم جواز ضم الاقليم المحتل، او نقل السيادة الوطنية الى دولة الاحتلال، فضلا عن وجوب احترام الحقوق الشخصية والمالية لسكان الاقليم المحتل.

ولا يقتصر التصرف الايراني ازاء الجزر العربية الثلاث على مجرد توافر صفات العدوان المسلح فيه، بل انه تصرف تحقق فيه شروط التغير الاقليمي غير المشروع، وهذا ما يتولى الفصل الثاني من هذا الباب بيانه سواء من حيث المساس بالسلامة الاقليمية لدولة الامارات (المبحث الاول).. او من حيث تهديد الامن والسلم الدوليين للخطر (المبحث الثاني).

فمن حيث المساس بالسلامة الاقليمية لدولة الامارات، فقد جاء العدوان الايراني ليمس السلامة الاقليمية لدولة الامارات في عنصريها الواقعي والقانوني، وبعبارة اخرى فإن الاحتلال الايراني مس سلامة اجزاء معينة من اقليم الدولة وسلامة حقوق طائفة من سكانها فضلا عن سلامة سيادتها الواقعية.

ويتجلى المساس بالوحدة الاقليمية من خلال تغيير الحدود الواقعية لدولة الامارات باستخدام القوة العسكرية على خلاف ما تقضي به المواثيق والاعراف الدولية وذلك عن طريق احتلال اجزاء معينة من اقليمها تمثلت في جزر ابو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى اضافة الى اهدار حق سكانها في تقرير مصيرهم.

ولم تنج السيادة الاقليمية من اذى العدوان، وإذا كانت السيادة الاقليمية تعني السلطة او - الاختصاصات التي تمارسها الدولة على وجه الشمول والاستئثار فإن الشارقة ورأس الخيمة مارستا اختصاصاتهما على الجزر على ذات الوجه حتى يوم احتلالها، اخذت ممارستهما لاختصاصاتهما مظاهر متعددة. بيد ان الاحتلال الايراني لها فرض نفسه على سيادة الامارتين وبالتالي على سيادة دولة الامارات، حيث قضى على سيادة رأس الخيمة على الطنبين وانتقص منها في جزيرة ابو موسى.

اما من حيث تهديد الامن والسلم الدوليين للخطر (البحث الثاني) فإن الاحتلال الايراني يعد انتهاكا لقاعدة دولية آمرة تقضي بعدم جواز استخدام القوة لتحقيق المكاسب الاقليمية، وأي انتهاك لقاعدة دولة آمرة يحدث أثره السيىء على حالة الامن والسلم الدوليين فيعرضهما للخطر لأنه ينطوي على مساس بالمراكز القانونية والحقوق الدولية.

فلقد ادى الاحتلال الايراني الى إحداث ردود فعل عربية رسمية وشعبية عمت معظم انحاء الوطن العربي وصلت الى حد قطع بعض الدول العربية لعلاقاتها الدبلوماسية مع ايران وبريطانيا وتأميم المصالح النفطية لبريطانيا والتهديد بإرسال قوات عربية الى الجزر.

كما ان اصرار ايران على استخدام القوة لاحتلال الجزر ورفضها مشاريع التسوية السلمية الهادفة الى حل المشكلة سلمياً ادى الى زيادة درجة التهديد.

وفي ختام بحثي أود ان أوجز ما استنتجته وما توصلت اليه من اقتراحات.

فعلى الرغم من ان القانون الدولي الحديث منع استخدام القوة لإحداث التغيرات الاقليمية وشرع جزاء عدم الاعتراف على كافة الاوضاع الاقليمية غير المشروعة على النحو الذي سبق الالماع اليه، إلا ان للزمن اهميته في مسألة الاحتلالات، فالقانون ذاته لا يمكنه ان يتغاضى عن عنصر الزمن خصوصا إذا لم يكن الفعل غير المشروع محلا للمقاومة، او للاعتراض خلال فترة زمنية معينة، ذلك ان القانون الدولي الحديث لم يتحرر نهائيا من ربقة سلفه التقليدي، فما زالت بعض افكاره تلقي بظلالها عليه كفكرة التدعيم التي نادى بها بعض الفقهاء، وهي فكرة تقوم على اضفاء الشرعية على الحيازة الاقليمية الناجمة عن استخدام القوة بغض النظر عن مصدرها متى حصل الجائز على اعتراف الدول او عدم اعتراضها على الحيازة.

هذا الى جانب ان الممارسة الفعلية للسيادة على المناطق المحتلة ستؤدي في نهاية المطاف الى الاعتراف بسلطان الدولة المعتدية ان لم تتخذ الدولة المعتدى عليها الاجراءات الكفيلة بإعادة الحقوق لأصحابها.

وخشية من ان يؤدي استمرار الاحتلال الايراني للجزر العربية الثلاث والغياب الطويل للمعارضة من قبل دولة الامارات الى تكوين عقيدة ثابتة لدى الدول من ان الجزر هي اراض ايرانية استنادا الى السيطرة الفعلية التي تمارسها السلطات الايرانية عليها، فإن على دولة الامارات العربية المتحدة اتخاذ كافة الوسائل القانونية والسياسية التي تهدف الى عدم الاعتراف بالغير الاقليمي الناجم عن الاحتلال - الايراني بغية الحيلولة دون تحويل الاحتلال من احتلال مؤقت الى حيازة دائمة، ذلك عن طريق اصدار البيانات والاعلانات المتلاحقة الداعية الى عدم الاعتراف بالتغير الاقليمي غير المشروع في الجزر، واتخاذ الاجراءات الكفيلة بإعادتها الى سيادتها ومنها وسائل التسوية السلمية، إذ ان - الاحتلال الايراني يشكل تهديدا مستمرا للأمن والسلم الدوليين في هذا الجزء من العالم في وقت يسعى فيه المجتمع الدولي الى اعطاء كامل الفرصة لوسائل التسوية السلمية لإنهاء المنازعات الاقليمية والدولية.

بيد ان نجاح وسائل التسوية السلمية مرهون بفعالية نظام الامن الجماعي، وأن فعالية هذا الاخير لا تكون إلا في وجود تضامن دولي، ولا تضامن دولياً إلا في القضاء على الحرب الباردة.