مجلة اوراق تاريخ 15/10/1992

 

قضية الجزر المحتلة

التاريخ.. القانون.. والتأييد العربي والدولي

حرص الدولة الدائم على حل القضية بالوسائل السلمية

معاهدة 1971.. فاسدة طبعا لقانون الدولة

طرح القضية في الامم المتحدة بعد وصول المفاوضات الى طريق مسدود

 

لا يمكن ان تلغي الضرورات المرحلية الحقوق والوقائع التاريخية، من هنا طرحت قضية جزرنا المحتلة ذاتها، لأنها حق تاريخي ثابت مدعوم بالادلة والبراهين والتحرك الذي قامت به الدولة بدءا من الجولة التي قام بها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة، وصولا الى الكلمة التي القاها وزير الخارجية راشد عبدالله في الامم المتحدة. كانت وماتزال تؤكد حرص الدولة على حل القضية بالوسائل السلمية حفاظا على علاقات الجيرة التي تربط الدولة بالجمهورية الاسلامية في ايران، وإذا كانت سياسة الشاه المخلوع مسؤولة عن هذا الارباك الحاصل منذ عشرين عاما. فهذا لا يعني ان يستمر هذا الارباك بعد زوال نظام الشاه. وهذا ما كانت تتوقعه دولة الامارات العربية المتحدة من جارتها الاقرب الجمهورية الاسلامية في ايران وعلى هذا الاساس قامت الدولة بتقديم مذكرة حول الجزر المحتلة في العام 1980 الى الامم المتحدة الا انها رأت في ذلك الوقت ضرورة التريث في اثارة هذا الموضوع نتيجة للظروف الاستثنائية التي كانت تشهدها المنطقة، هذا الانتظار جوبه بممارسات مرفوضة جملة وتفصيلا قامت بها السلطات الايرانية في جزيرة ابو موسى في شهر مارس/آذار تبعها تصعيد مستمر ادى في النهاية لسيطرة ايران على كامل الجزيرة، وهذا ما يتناقض مع مذكرة التفاهم الموقعة في العام 1971 بين الدولة وايران.

 

الوضع القانوني

 

فاحتلال الجزر الثلاث في نوفمبر/تشرين الثاني 1971 هو بالاساس امر مرفوض ولا يتناسب مع حقائق الجغرافيا والتاريخ، ومذكرة التفاهم الموقعة في العام 1971 هي ايضا معاهدة غير قانونية استنادا للتعريفات القانونية الدولية التي اجمع عليها عدد من فقهاء القانون الدولي، وبهذا الصدد يقول العالم الحقوقي بودان »ان المعاهدات غير المتكافئة هي التي يملي الطرف الاعلى فيها الشروط على الطرف الاقل«، وبالنظر الى الظروف السياسية التي كانت سائدة لحظة توقيع هذه المذكرة يكتشف المراقب عدم التكافؤ المقصود هذا، لاسيما ان البند الاول من المذكرة يعترف بأن القوات الايرانية التي ستصل الى جزيرة ابو موسى هي قوات احتلال والاعتراف الايراني آنذاك بأن القوات الايرانية قوات احتلال اسقط عن الاتفاقية كافة الصفات القانونية وجعلها غير متكافئة، مفروضة من الجهة الاقوى عسكريا على الجهة الاضعف.

إذ ان هوتفيل يقول بأن »المعاهدات غير المتكافئة هي تلك المفروضة من احد الاطراف المتعاقدة على الآخر ــ ويتفق معه العالم الحقوقي ستون ايضا إذ انه يقول »ان المعاهدات غير المتكافئة مرتبطة بالمعاهدات المفروضة بالإكراه او لا تتم بناء على عدم مبدأ المساواة او لا تتلاءم مع الارادة الحقيقية للدولة فإنها تكون باطلة طبقا للقانون الدولي« فإيران في العام 1971 كانت تشكل قوة عسكرية ذات وزن في المنطقة ومدعومة من احدى القوى العظمى آنذاك »امريكا«، وقيامها »باحتلال الجزر الثلاث، واعترافها بالمعاهدة التي وقعتها مع الشارقة حول جزيرة ابو موسى بأنها لن تتنازل عن مطالبتها بالجزيرة بالإضافة الى عدم تنازل الشارقة بالمطالبة بحقها ايضا. ولعدم توازن القوى بين الاطراف الموقعة على المعاهدة جعل منها معاهدة فاسدة حسب تعريف فاوست إذ انها اعترفت بأحقية الطرف الاضعف بالمطالبة ببطلانها، وهذا فعلا ما تضمنته المعاهدة بطريقة غير مباشرة.

 

الحقيقة التاريخية

 

هذا من الجهة القانونية اما من الجهة التاريخية، تجمع كافة المصادر والمراجع التاريخية والجغرافية على تبعية هذه الجزر لدولة الامارات العربية المتحدة، بل انها تذهب بعيدا من ذلك عندما تتحدث هذه المراجع عن عروبة بعض الجزر الاخرى مثل جزيرة قشم المعروفة بالمراجع التاريخية باسم جزيرة جسم، إذ يقول كتاب »ايضاح المعالم في تاريخ القواسم«، بأن »القواسم كانوا يسيطرون على جزيرة قشم بالإضافة الى وجود بعض المستعمرات العربية على الساحل الايراني في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر«، ويضيف الكتاب انه في العام 1740 تجددت ثورة البحارة العرب على القائد الفارسي، وحملوا سفنهم الى المشيخات العربية في قشم ورأس الخيمة. وفي العام 1747 كانت بندر عباس تحت سيطرة الضابط العربي ملا علي، وكان كل من الضباط العرب ناصر حاكما لبوشهر، عبدالشيخ رئيسا لقشم، وهم من شيوخ قبيلة بني معن، وهذه الحقائق تنفي بالواقع اية مطالبة ايرانية ان في العصور القديمة او الحديثة بأي من الجزر العربية المحتلة حاليا من ايران وهذا ما كانت تدلل عليه المحاولات الايرانية المتعاقبة في حقب زمنية مختلفة لاحتلال الجزر، إذ ان المحاولة التي جرت في العام 1904 بين شهري مارس/آذار وابريل/نيسان لم تستطع ان تثبت وجودها على هذه الجزر آنذاك حيث انها عادت بعد فترة بسيطة وانسحبت القوات الايرانية من على هذه الجزر، ففي هذا العام قامت هيئة العوائد الايرانية على السفينة الايرانية المسماة مظفري وعلى ظهرها مستر دامبرين المسؤول الاوروبي عن العوائد في بوشهر، بزيارة جزيرتي طنب وابو موسى، فأنزلوا علم الشارقة ووضعوا على كل جزيرة رجلا كمسؤول عن العوائد الايرانية، وكان ذلك بناء على اوامر مشير الدولة الايرانية (وزير الخارجية) وقامت على الاثر بريطانيا وارسلت مندوبها الى طهران، وبقي فيها حتى صدر الامر بإنزال العلمين معا، وانسحب من المكان المندوبان الايرانيان وبعد ذلك بأيام اعيد رفع علم الشارقة ورأس الخيمة على الجزيرتين، هذه المحاولات التي تكررت في العام 1971 لا يمكن ان تشكل سابقة تاريخية تعطي الحق لإيران احتلال الجزر، بل هي تشكل مسوغا قانونيا وتاريخيا للامارات بالمطالبة بعودة الجزر اليها، لاسيما ان الوجود السكاني العربي موجود في تلك المنطقة منذ اقدم العصور ولايزال لغاية اليوم.

 

التحرك السياسي الحكيم

 

هذه المسائل مجتمعة شكلت الحافز الاساسي لدولة الامارات في تكثيف تحركها السياسي والدبلوماسي على كافة الصعد وعلى كافة المستويات ولهذه الاسباب الواضحة كان لابد من ان تتضامن كافة الدوائر الاقليمية والعربية والدولية مع موقف دولة الامارات العربية المتحدة، فالجولة التي قام بها صاحب السمو رئيس الدولة على كل من الرباط والقاهرة ودمشق وجدة، كانت تهدف بالدرجة الاولى الى توضيح الحقائق التاريخية والقانونية في الحق الاماراتي بالجزر، ونتيجة ذلك جاء قبول الجمهورية الاسلامية في ايران بالمفاوضات مع الدولة، إلا ان ارسال طهران وفدها الى ابوظبي جاء نتيجة التأييد الخليجي والعربي والدولي للامارات، وهو بالحقيقة كان لتجنب طرح القضية امام المحافل الدولية وهذا ما لا ترغب فيه ايران.

إذ ان هذا الامر سوف يفرض على ايران ترك الجزر، و»في حال الرفض فإنها ستواجه بانتقاد عالمي ومزيد من العزلة«، حسب قول المصادر التي تضيف »ان الرهان الايراني على التوصل لتسوية تلبي شروط طهران وتغفل اغفالا تاما قضيتي جزيرتي طنب الصغرى وطنب الكبرى« التي اكد المسؤولون الايرانيون على عدم استعداد بلادهم للانسحاب من الجزيرتين او وضع حد لاحتلالها، وتضيف المصادر الدبلوماسية المطلعة »ان موقف دولة الامارات العربية المتحدة في هذا الشأن والذي اكدته بالمذكرة التي قدمها وفد الدولة للوفد الايراني اثناء المفاوضات التي جرت في مقر رئاسة الدولة في ابوظبي مبدئي ولا رجعة عنه«.

إلا ان المغالطات التي اوردتها الصحف الايرانية في هذا الاطار كشفت عن حقيقة التوجه في عدم انهاء احتلال الجزر الثلاث المحتلة لاسيما حديث هذه الصحف عن »ان مذكرة التفاهم الموقعة في العام ،1971 موقعة مع الشارقة وانه طوال عشرين عاما كان يتم بحث المسائل المتعلقة بهذا الشأن مع الشارقة، لكن تلبية لطلب الشارقة رضيت ايران التفاوض مع ابوظبي. ان هذه المغالطات لا تقف في دلالاتها عند قضية التفاهم على الجزر، بل انها تحاول ان تصل الى محاولة الايحاء بالفصل بين امارة واخرى عن امارات الدولة، وتعتبر تجاهلا واضحا لقرارات المجلس الاعلى لحكام الامارات، لاسيما القرار الذي اتخذ في ابريل الماضي والقاضي بأن كل معاهدة موقعة بين امارة من امارات الدولة ودولة ما هي معاهدة اتحادية، وبالتالي يعتبر تجاوز هذه النقطة امرا مرفوضا بتاتا لأنه يعتبر مساً بوحدة التراب الوطني لدولة الامارات العربية المتحدة.

وتقول المصادر المطلعة في قضية الجزر »ان رفض ايران احالة القضية الى محكمة العدل الدولية، واصرار الوفد الايراني على رفض مناقشة مسألة جزيرتي طنب الصغرى وطنب الكبرى كان السبب الاساسي في ايصال المفاوضات الى طريق مسدود مما حتم على الدولة رفع القضية الى هيئة الامم المتحدة«، هذا الامر عبر عنه صراحة رئيس الوفد الايراني المفاوض السفير مصطفى فوميني في تصريحه للصحف الايرانية عقب عودة الوفد الى طهران، بالقول، انه من غير المسموح لأي مسؤول ايراني البحث في اي شبر من الاراضي الايرانية، يعني عمليا عدم وجود نية ايرانية في انهاء القضية، وبالتالي ابقاء الوضع على ما هو عليه، مما يعني وجود ارباك دائم في المنطقة لا يستفيد منه احد.

ان ما انتهت اليه تطورات قضية الجزر المحتلة يؤكد على ان القضية سائرة باتجاه محكمة العدل الدولية، خصوصا ان موقف دولة الامارات ما يزال لغاية الآن يدور في اطار ايجاد حل سلمي يضمن استمرار علاقات حسن الجوار بين الدولتين، إلا ان ذلك لا يعني ان الدولة على استعداد في ظرف من الظروف على التنازل عن حقها الثابت والمشروع في هذا الاطار، ومادام ان القضية ماتزال عالقة فإن الوضع مرهون بالمساعي الدبلوماسية المبذولة على اكثر من صعيد في هذا الاطار، ولهذا فإن المصادر الدبلوماسية العربية ترى ان هناك مزيدا من الدعم والتأييد العربي والدولي لدولة الامارات إذ ان القضية بتفاعلاتها المختلفة اوجدت موقفا عربيا حازما وموحدا قلما شهدته الساحة العربية وتصل المصادر الى درجة القول »ان قضية جزر الامارات شكلت نقطة مهمة في اعادة اللحمة والتضامن العربي، وهذا سوف يكون له انعكاساته الجيدة لجهة عودة الحق الى اصحابه الشرعيين«.