جريدة الخليج تاريخ 10/9/1992

 

الكرة في ملعب طهران

رسالة »التعاون« مباشرة وواضحة

 

لسنا في العام 1971.

هذا ما يجب ان تتذكره جمهورية ايران الاسلامية وتضعه نصب عينيها وهي تخطط لسياساتها في المنطقة وعلاقاتها مع دول الخليج العربية.

وعلى الايرانيين الذين نتطلع فعلا الى علاقات اخوة وحسن جوار معهم ان يعلموا ان »اللحظة التاريخية« التي اطلقت نوايا الشاه السابق التوسعية ونهمه للتمدد في اراضي الغير وللهيمنة على المنطقة ليست قابلة للتكرار، ولا العدوان والاحتلال الذي مورس على اراضينا خلالها قابل للاستمرار.

وتستطيع ايران التأكد من استحالة تكرار تلك اللحظة التاريخية بالعودة الى ارشيفها الدبلوماسي وقراءة ردود فعل ومواقف دول الخليج العربية لدى احتلالها جزرنا الثلاث، ومقارنتها بالموقف الراهن كما عبرت عنه ادارة حكومة بلادنا للأزمة الراهنة حول »ابوموسى« وموقف دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الواضح والحاسم كما عبر عنه البيان الصادر امس عن اجتماع جدة.

ان الملابسات والتوازنات الاقليمية وسلطة الاحتلال البريطاني التي لم تمكن بلادنا ودول الخليج العربية في العام 1971 من التصدي الفعال لاحتلال جزرنا الثلاث لم تعد قائمة. وبالتالي، فإن ايران تخطئ إذا ظنت ان ما حدث في العام 1971 يمكن ان يتكرر اليوم، وحتى في ذلك العام، وبرغم الخلل الضخم في التوازن الاقليمي اعلنت بلادنا رفض احتلال الجزر، واكدت في المحافل الدولية تمسكنا بحقوقنا واصرارنا على استعادة جزرنا المحتلة.

ندرك ان تاريخ العلاقات العربية - الايرانية مليء بالاشواك والشكوك وندرك ان بقاء هذه الاشواك والشكوك ليس من مصلحة العرب والايرانيين.

لكن نزع هذه الاشواك وانهاء الشكوك ليس مسؤولية العرب الخليجيين وحدهم، انما هو مسؤولية مشتركة، يتحمل فيها الجانب الايراني اعباء توازي ما يتحمله الجانب العربي - الخليجي.

ومع الأسف لم يبذل الجانب الايراني اي جهد فعلي لتحمل نصيبه من الاعباء. وبدل ان يقابل سعي دول مجلس التعاون لتطبيع العلاقات وارساء قواعد حسن الجوار والاحترام المتبادل، نقض الترتيبات المتفق عليها في جزيرة ابوموسى واستكمل احتلال الجزيرة.

ومثل هذا السلوك السياسي يتناقض مع كل الاحاديث الايرانية عن الرغبة في التفاهم والتعاون مع دول الخليج العربية، ويطرح ثنائية خطيرة يقف فيها القول الايراني في واد والفعل والممارسة العملية في واد آخر، ويزيد المساحة المزروعة بالاشواك ويعمق الريب والشكوك.

لقد عملت حكومة جمهورية ايران الاسلامية منذ 2 اغسطس 1990 على استثمار موقفها من عدوان نظام صدام حسين على الكويت للتقرب من دول مجلس التعاون، ولم تترك مناسبة إلا وذكرت بهذا الموقف بما يشبه »تحميل الجميل« وبما يوحي بطلب المقابل.

وعلى الرغم من ان اي مبتدئ في السياسة يدرك ان مصالح ايران الوطنية - في البداية والنهاية - هي التي املت عليها موقفها (ولا عيب في هذا الامر حيث العلاقات بين الدول تبدأ دائما بحسابات المصالح)، فإن دول مجلس التعاون ابدت تجاوبا واضحا رغبة منها في فتح صفحة جديدة للعلاقات مع ايران، وتقديرا بأن ايران قد استوعبت المستجدات والمتغيرات الاقليمية والدولية الضخمة التي لم تطو دور الدولة »المراجعة« فحسب، انما الى ذلك، تفرض سلوكا سياسيا لا محل فيه للعنف او استخدام القوة او التلويح بها سواء لحل الخلافات او ممارسة الهيمنة والابتزاز السياسي.

ولكن يبدو ان حكومة جمهورية ايران الاسلامية لها رأي آخر في المتغيرات الدولية، ولها تفسيراتها الخاصة والخاطئة لتجاوب دول مجلس التعاون مع سعيها الى علاقات حسنة معها، ولها فهمها الخاص لكيفية ادارة العلاقات مع دول الجوار.

وإلا كيف نفسر ما فعلته ايران في جزيرة  ابو موسى؟!

مرة اخرى، نأمل ان تبادر حكومة جمهورية ايران الاسلامية الى اصلاح الخطأ الذي ارتكبته، وذلك بالتراجع عن اجراءاتها في جزيرتنا، ان الكيفية التي ستتصرف فيها ايران حيال الازمة التي تسببت فيها ستقرر الى حد بعيد مستقبل علاقاتها مع دول الخليج العربية، والى حد بعيد مستقبل الامن والاستقرار في المنطقة، وقد كانت رسالة مجلس التعاون لدول الخليج العربية امس مباشرة وبالغة الوضوح: »حرص على حقوق الامارات، وحرص على الامن والاستقرار في الخليج، ورغبة اكيدة في علاقات طبيعية مع ايران قائمة على مبادئ رفض العدوان ونبذ اللجوء الى القوة والتعايش السلمي وعدم التدخل في شؤون الغير وحل المشكلات بالحوار«.

 

»الخليج«