جريدة الخليج تاريخ 9/9/1992

 

التصعيد الايراني.. الى اين؟!

 

برغم الحرص الواضح الذي تبديه دولة الامارات العربية المتحدة لحل الخلاف الاخير مع ايران حول جزيرة ابوموسى ووضع حد لتجاوزات المسؤولين الايرانيين بالحوار والوسائل السلمية.

وبرغم اعلان الامارات رسميا ان استمرار التجاوزات الايرانية في جزيرة ابوموسى ينعكس سلبيا على علاقات التعاون المرجوة بين الدولتين.

وبرغم الجهود التي بذلتها الامارات لحل الازمة الراهنة بما يكفل حقوق الجميع تطبيقا لترتيبات مكتوبة وموثقة.

وبرغم الاسئلة المطروحة في مجلس التعاون حول التصرفات الايرانية.

برغم ذلك كله، يواصل المسؤولون الايرانيون تصعيد الموقف، ليس بعدم التراجع عن التجاوزات في جزيرة ابوموسى فحسب. انما ايضا بتصريحات تؤكد تمسكهم بهذه التجاوزات في جانب، وتسوق مزاعم واغاليط لتبرير التجاوز في جانب آخر.

فبعد التصريحات التي اطلقها مندوب ايران في الامم المتحدة وزعم فيها مسؤولية بلاده عن الامن في الجزيرة، وتصريحات وزير الخارجية الايرانية في جاكرتا التي لم يتورع فيها عن »نفي وجود مشكلة مع الامارات حول الجزيرة«، خرج علينا الرئيس الايراني في مؤتمر صحافي في لاهور الباكستانية امس، زاعما ان »جزيرة ابوموسى« التي تديرها ايران والشارقة هي جزيرة ايرانية.

وليس هذا فحسب فقد فاجأ الرئيس الايراني الجميع بالحديث عن اكتشاف »مؤامرة« تحاك في الجزيرة، معلنا ان ايران اعتقلت عددا من الافراد المشبوهين المسلحين من خارج المنطقة، »وتعتقد انه من المحتمل وجود مؤامرة«.

ولم يقل السيد رفسنجاني متى اعتقل هؤلاء وعلى ماذا يتآمرون في جزيرة ابوموسى، او تحديدا في الجزء التابع للامارات منها؟!

على اي الاحوال، قبل »رواية« المؤامرة المزعومة هذه سمعنا تبريرات من اوزان والوان شتى، لم تستثن بالطبع »العبارات الرنانة الطنانة اياها« التي اعتاد الاعلام الايراني اطلاقها عن الاستكبار العالمي والمؤامرات التي تحاك في المنطقة ومسؤولية ايران عن امن الخليج، كأنما هنالك شيء يمكن ان يهدد الامن والاستقرار في المنطقة اكثر من مثل التصرفات الايرانية في ابوموسى، وكأن الامن والاستقرار في المنطقة يعنيان ايران فقط؟!

ان هذا المسلك السياسي الايراني له تفسير واحد، وهو انها تحاول التمويه على استكمال احتلال جزيرة ابوموسى.. ولا محل لأي تفسير آخر.

لكن على المسؤولين في جمهورية ايران الاسلامية ان يدركوا استحالة السكوت على تصرفاتهم التوسعية هذه، فليس في الامارات مواطن واحد ولا مسؤول واحد يقبل بالتنازل عن حقوقنا.

ان استمرار مسؤولي ايران في هذا النهج يعني انهم غير معنيين بعلاقات اخوة وحسن جوار مع دول المنطقة وشعوبها، وانهم لا يقابلون بالمثل سعي دول مجلس التعاون لإقامة علاقات جيدة، حيث - كما قال الامين العام المساعد لمجلس التعاون امس - لم يتخذوا من جانبهم خطوات جادة للتقارب مع دول المجلس.

نأمل ان يتنبه المسؤولون في ايران الى ان التصعيد الذي يمارسونه يمكن ان يفتح جرحا جديدا في المنطقة لا تسعى له الامارات ولا دول مجلس التعاون.. فلماذا يسعون هم اليه؟

ونتمنى على المسؤولين الايرانيين ان يعودوا لقراءة ملفات قضايا جزرنا المحتلة: طنب الكبرى وطنب الصغرى وابوموسى وسيجدون اننا لم نتنازل عن هذه الجزر ولم نسلم باحتلالها ولن نقبل ببقائها تحت الاحتلال، وننتظر حسم امرها وعودتها بالوسائل السلمية.

ومادام المسؤولون الايرانيون مصرين على تجاوز حقوقنا في ابوموسى، فإننا نطالب المسؤولين في بلادنا ان يفتحوا ملف الجزر الثلاث، فمجلس الامن موجود، ومحكمة العدل الدولية موجودة، والشرعية الدولية موجودة، وحقوقنا في جزرنا المحتلة ثابتة بوثائق التاريخ البعيد والقريب وبوثائق الجغرافيا.

ولعل المسؤولين في ايران يدركون ان الزمن الذي تستند فيه دولة الى حجمها او عدد سكانها او قوتها العسكرية للاستيلاء على اراضي الغير وحقوقهم ومحاولة الهيمنة عليهم قد ولى الى غير رجعة.

ان عدم ادراك هذه الحقيقة، واستمرار التصرف بعكس معطياتها لا يعني سوى اللعب بالنار، وزرع الغام مفخخة قابلة للتفجير في اية لحظة.

فهل يضع المسؤولون في جمهورية ايران الاسلامية حدا للتجاوزات في جزيرة ابوموسى، ويتوقفون عن اطلاق التصريحات المستفزة التي لا تفعل شيئا سوى تعقيد امكانية تسوية المشكلة سلميا بالاعتراف بحقوقنا كاملة غير منقوصة؟!

هذا ما نأمله ويرجوه كل مخلص حريص على اقفال الابواب امام كل ما يمكن ان يؤثر على الاستقرار في منطقتنا التواقة فعلا الى استقرار مكين وعلاقات حسن جوار قائمة على الانصاف والعدل واحقاق الحقوق والاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الآخرين.

 

الخليج