جريدة العالم اليوم 27/9/1992

 

اخر تطورات الخلاف الايراني ــ الخليجي

اشارات صريحة من مصر لإيران حول جزر ابوموسى

 

لندن ــ عادل درويش:

تبدأ اليوم الاحد في ابوظبي اول مفاوضات مباشرة على اعلى مستوى بين الامارات وايران وذلك منذ تصاعد حدة النزاع بين البلدين حول جزيرة ابوموسى احدى الجزر الثلاث التي تحتلها ايران عام 1971 في عهد الشاه.

يلتقي في هذه المباحثات سيف سعيد رئيس ادارة شؤون الخليج ومجلس التعاون الخليجي بوزارة الخارجية الاماراتية بنظيره الايراني مصطفى خوئيني حائري فيما وصفته مصادر ايرانية وعربية بأنه محاولة لحل الازمة الحالية ومناقشة سبل تحسين العلاقات بين البلدين ويعقد الاجتماع في العاصمة ابوظبي ولكن الموفد وصل اولا الى الشارقة وتأخر هناك ليترك انطباعا بأن المفاوضات جرت في الشارقة لأنها شهدت توقيع اتفاقية عام 1971.

ويرى المراقبون ان الاجتماع يعد محاولة من ايران لتجنب مواجهة الجانب العربي الذي وصفته وسائل الاعلام الايرانية شبه الرسمية بأنه يضم »قوى غريبة عن المنطقة« في اشارة الى مصر والولايات المتحدة وكانت مصر والولايات المتحدة قد ارسلتا اشارتين لإيران تؤكدان فيهما ان موقفهما من جزيرة ابوموسى يعد غير مقبول وعقب الاشارتين سربت ايران معلومات الى مصادر صحافية كويتية مختارة حول اجتماع اليوم وبعدها اكدت وكالة الانباء الايرانية التقرير الصحافي وجاء ذلك ايضا عقب اجتماعين عقدا في نيويورك بين وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي ولوران ايجلبرجر القائم بأعمال الخارجية الامريكية والذي اكد خلالها انه ليس من حق اي طرف ان يفرض ارادته على اطراف اخرى او يهدد استقرار المنطقة واكد ايجلبرجر يوم الخميس الماضي لوزيري خارجية الكويت والامارات ان بلاده لن تسمح لإيران باستخدام القوة. وقد تزامنت اجتماعات نيويورك مع جولة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الامارات لمصر وسوريا والسعودية ويذكر ان اشارة مصر الحادة لإيران قد صدرت خلال زيارة الشيخ زايد.

وقد اتاحت قضية جزيرة ابوموسى فرصة لمصر وسوريا يجب عدم تفويتها لاستعادة دوريهما في الخليج وممارسة ضغوط لتطبيق اعلان دمشق.

وفي اطار الاعلان الحكومي والاعلامي المصري لتأييد الامارات استخدم الاعلام المصري اسلوبا خطابيا لم يستخدم بهذا الشكل منذ عهد الرئيس عبدالناصر.

وعلى سبيل المثال فإن محمد فخري سفير مصر لدى الامارات في تصريحات للاهرام ليلة مغادرة الشيخ زايد لمصر »اننا لن نسمح لأي قوى غير عربية ان تسيطر او تفرض سياساتها على اي ارض عربية«.

في الوقت نفسه نفى الدكتور اسامة الباز المستشار السياسي للرئيس مبارك ومهندس الدبلوماسية المصرية في العالم العربي اي احاديث حول الوساطة العمانية التي اعلن عنها من  قبل والتي نفتها عمان ايضا.

وقد اكد الدكتور الباز عقب محادثات مبارك ــ زايد ان مصر جادة تماما بشأن التزاماتها الخاصة بإعلان دمشق ومن الملاحظ ان الدكتور الباز كرر استخدام مصطلح »الجانب العربي« بشكل مفرط في اشارته الى دول مجلس التعاون الى جانب مصر وسوريا »دول اعلان دمشق«.

وأوضح مسؤولون مصريون انهم على علاقة وثيقة مع دمشق لمراقبة تطورات الموقف الايراني وذلك عقب زيارة فاروق الشرع وزير الخارجية السوري لإيران والتي اشار المراقبون الى انها تعني قول الدكتور اسامة الباز »لا توجد وساطات ولكن مبادرات«.

ويعتقد المراقبون ايضا ان ايران كانت تحاول الضغط على سوريا للتقليل من تأييدها للامارات، وذلك عن طريق تأكيدها ــ ايران ــ بأن نتائج الانتخابات اللبنانية التي كانت تدعم فيها حزب الله اكدت ان بإمكان ايران ان تحرك الحزب ضد الحكومة اللبنانية التي تدعمها سوريا.

وذلك إذا ما حاولت سوريا اتخاذ موقف ايجابي مع دول الخليج.

وفي زيارته لطهران الاسبوع الماضي اوضح فاروق الشرع تماما ان بلاده ضد اي طرف قد يقدم على احتلال اي ارض عربية على غرار ما اقدم عليه صدام حسين عند غزوه للكويت.

وقد حذر الشرع الايرانيين من اتخاذ اي خطوات خاطئة يمكن ان تقود الى موقف يصعب عليها التعامل معه.

وفي اليوم التالي قامت صحيفة »طهران تايمز« والتي تحمل وجهة نظر قريبة من الرئيس الايراني هاشمي رفسنجاني بانتقاد سوريا في افتتاحيتها بسبب التزام دمشق بالدفاع عن الخليج، وفقا لاعلان دمشق.

وقد اعترض السفير السوري لدى طهران على هذه الافتتاحية في اتصال هاتفي مع المسؤولين عن الصحيفة.

وبعد يوم واحد من مغادرة الشرع لطهران اشار الرئيس رفسنجاني الى جزر ابوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى بأنها »جزر ايرانية« في الوقت الذي ابرقت فيه وكالة الانباء الايرانية اول برقية لها من مكتبها في ابوموسى يوم الاثنين الماضي وهو ما يعد انتهاكا لاتفاق الشارقة لعام 1971 حول السيادة المشتركة للبلدين على الجزر، الامر الذي اثار موجة جديدة من الاحتجاجات للسفراء العرب.

وقد هاجمت صحيفة »اطلاعات« المسائية الايرانية التدخل المصري وجاء ذلك في الوقت الذي هدد فيه وزير الدفاع الايراني بإسقاط اي طائرة تطير في سماء الجزر وتزامن ذلك مع التقارير التي اشارت الى تلقي ايران لثلاث غواصات سوفييتية لتصبح اول دولة في الخليج تمتلك مثل هذه الغواصات.

وفي اعقاب ذلك صدر تقرير للجنة الكونجرس الجمهورية حول حصول ايران على وحدات وانظمة نووية.

وتتباحث دول الخليج الآن حول الجهة التي يجب ان تتجه اليها طلبا للتأمين إلا ان الرأي العام العربي يشير الى مصر لتلعب هذا الدور.

ومن جانبه اشار د. اسامة الباز الى العلاقات الايرانية ــ المصرية والتي كانت طهران قد قطعتها عقب منح الرئيس السادات حق اللجوء السياسي للشاه السابق رضا بهلوي ــ المدفون في القاهرة وقال الباز ان ايران اعربت عن رغبتها في استعادة العلاقات إلا ان اجابتنا كانت ان مصر لم تكن الطرف الذي بادر بقطع العلاقات.

واضاف الباز ان مصر اوضحت لطهران تماما ان هناك بعض الشروط التي يجب على ايران قبولها إذا ما ارادت تحسين علاقاتها مع مصر، من بينها ان تحترم حقوق الدول العربية في تبني خياراتها بشأن سياساتها الداخلية والاقليمية والدولية وفقا لمصالحها القومية.

واضاف الباز انه على ايران ألا تتدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة عربية تحت ستار الدعوة او الحركة الاسلامية او مسمى آخر.

كما اشار الباز الى ان مصر وضعت شرطين جديدين اولهما ألا تقدم ايران على اي عمل يهدد امن اي دولة عربية او اي منطقة في العالم العربي وثانيهما تحذير ايران من ان اي محاولة لفرض ارادتها او توجهاتها السياسية على اي جهة سيكون نصيبها الفشل.

وتشير مصادر دبلوماسية غربية الى ان زيارة الشيخ زايد للقاهرة، واصدار اعلان مشترك يعد اكثر من ان يكون مجرد تعبير عن التزام مصر بأمن دول الخليج العربي وإنما ايضا خطوة محسوبة تعكس وجهات نظر الامارات، ففي مارس 1991 وبعد اسبوعين من انتهاء حرب الخليج، صرح الشيخ زايد في مقابلة خاصة اجرتها معه لحساب جريدة »الاندبندنت« »اننا نحترم حق ايران كجار في اختيار الاطراف التي ترتبط معها بعلاقات صداقة واتفاقيات ونتوقع منها ان تحترم حقنا في اختيار اصدقائنا الذين ساعدونا وقت الحاجة لحماية المنطقة فمصر دولة شقيقة ساعدتنا«.

وبالإضافة الى رغبة مصر في انتهاز الفرصة لتأكيد اهمية دورها لدول الخليج وانعاش اعلان دمشق فإن مصر ايضا قلقة من تنامي الانشطة الايرانية في فنائها الخلفي »السودان« يأتي ذلك في الوقت الذي يتزايد فيه قلق سوريا من النفوذ الايراني في لبنان.

وتقوم المخابرات المصرية والغربية ودول الشمال الافريقي بمراقبة التطورات الاخيرة لأنشطة معسكرات الارهاب بالسودان التي تساندها وتمولها ايران والتي وقعت مؤخرا اتفاقية مع السودان لاستغلالها ميناء بور سودان.

واكد تقرير مشترك للمخابرات المصرية والغربية انه تم عقد اتفاق سري بين النظامين السوداني والايراني.

وتدرك القاهرة ان لإيران دورا في مساعدة واقناع الخرطوم بنقض وعودها التي قطعتها للقاهرة من قبل وكذلك وقعت السودان اتفاقية مع اثيوبيا يتعارض مع الاتفاق التاريخي لعام 1959 بين مصر والسودان لاقتسام ماء النيل الامر الذي اعتبرته مصر خطوة خطيرة للغاية.

ومن خلال وجودها في السودان تقوم عناصر الحرس الثوري الايراني بترويج الاصولية الاسلامية في صعيد مصر وتدريب المتطرفين.