الاهرام 19/9/1992

 

ذاكرة التاريخ

 

كيف صنعت جزيرة ابوموسى اقوى موقف للاجماع العربي

وماذا وراء إنكار العراق اعتباره الكويت المحافظة التاسعة عشرة؟

 

الظواهر التي استوقفت اهتمام المراقبين لمسار حركة العمل العربي المشترك في مناقشات وزراء الخارجية بمجلس جامعة الدول العربية بدورته الجديدة، عكست لدى هؤلاء المراقبين رؤية مختلفة لتطور آليات العمل الجماعي في هذه الدورة بما جعلها تشغل صدر الصفحات الاولى من معظم الصحف العربية، وهو الامر الذي استقطب الى قضاياها المطروحة للمناقشة اقلام المعلقين والباحثين.. كان الانعقاد هادفا، ولأول مرة منذ اكثر من عامين بعد كارثة الثاني من اغسطس كانت تسود المناقشات روح لم تكن موجودة من قبل وهي روح التفاهم والالتزام كما اشار الى ذلك رئيس مجلس الجامعة عمرو موسى وزير الخارجية المصرية في الجلسة الختامية، لم تكن هناك ازمات كما جرت عليه العادة، سواء أكانت ازمات مفتعلة او عارضة، وكانت اهم ظاهرة لافتة هي اختفاء المزايدات على القضايا ذات الطابع القومي، كما اختفت معها نزوات التعامل مع الخطب الحماسية او الاستعراضية!!

ازمة جزيرة ابوموسى تطغى على اعمال المجلس..

لاشك ان عناصر القوة في قرار ادانة احتلال ايران لجزيرة ابوموسى، وتحذير السلطات الايرانية من ان انتهاكها لسيادة دولة الامارات المتحدة على هذه الجزيرة وعلى جزيرتي طنب الصغرى وطنب الكبرى تعرض امن المنطقة واستفزازها للخطر، قد عكس قوة الاجماع العربي في مؤازرته لدولة الامارات المتحدة وتأييده المطلق لكل ما تتخذه من اجراءات تأكيدا لسيادتها على تلك الجزر.

كما كان لدور الشيخ حمدان بن زايد وزير الدولة للشؤون الخارجية اثره الواضح في صناعة القرار على هذا المستوى من الرصانة والقوة.

والسؤال:

إذا كانت السلطات الايرانية تدعي حق السيادة على جزيرة ابوموسى، وان هناك اتفاقا منذ عام 1970 نظمت احكامه علاقاتها وعلاقة امارة الشارقة تجاه هذه الجزيرة، فأين كانت هذه السيادة الايرانية منذ عقدين من الزمان؟ ولماذا لم تطبق اجراءاتها السيادية على الجزيرة منذ ذلك الوقت؟ ثم كيف يمكن ان يقبل عقلا ان تكون هناك سيادة لدولة على ارض تدعي ملكيتها ثم تتنازل عن نصف ثروتها النفطية الى غيرها؟ أليس في هذا التنازل اجهاضا فعليا لحق السيادة الذي تدعيه؟

نحن نود ان تراجع السلطات الايرانية نفسها فيما ارتكبته من اعمال استفزازية لانتهاك سيادة دولة جارة لها على جزء من ترابها الوطني، ثم ان تبرير هذا الانتهاك بمقولة ان ايران حريصة على الوجود في »جزيرة ابوموسى« لأسباب (استراتيجية) بحتة بسبب وجودها قريبة من مضيق هرمز، مما يضفي على موقعها اهمية بالغة في حساباتها الامنية، مقولة مهتزة ومهترئة، فهل مضيق هرمز تدخل ملكيته هو الآخر في السيادة الايرانية؟ أليست هناك دول عربية وتقع على هذا المضيق وتقاسمها الحرص الامني على سلامة اراضيها؟

وعلى اية حال فإن حساب المكسب والخسارة في هذه المشكلة، سيرتد بالضرر على المصالح الايرانية ذاتها إذا ما استمرت في ممارساتها التوسعية على حساب سيادة جيرانها، ولن يجد النظام الايراني من صديق يقف الى جانبه إذا لم يعدل عن خطط توسعه الاقليمي في منطقة مازالت ملتهبة!