جريدة الخليج  16/6/99       

 

حديث الذكريات.. وأهمية الاستراتيجيات! 

 

ضاحي خلفان تميم

 

في صبيحة ذات يوم، وبينما كنت جالسا في مجلس ــ المغفور له ــ الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، حدث ما لم يكن في الحسبان، إذ لم أكن على علم بما يجري آنذاك، فقد جئت الى المجلس كعادتي، وكان وفد ايراني قد هم بالمغادرة بعيد وصولي بعشر دقائق تقريبا. ملت الى الرجل الذي يجلس الى جواري وهو من علية القوم، ثم سألته: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ايرانيون جاؤوا الى الشيخ راشد ليطلبوا منه العدول عن »فكرته«. قلت: وما هي فكرته؟ قال: أرسل »راشد« الى الايرانيين بطريقة غير مباشرة من يخبرهم بأنه سوف يشق قناة من الفجيرة وحتى رأس الخيمة، ليوصل بحر العرب بالخليج، وبذلك يلغي الأهمية التاريخية لمضيق »هرمز« مادام أن ايران تقصف بالصواريخ وبالقوارب السريعة المراكب في خطوطها الملاحية، وان عليها ان تتوقف عن نشاطها هذا الذي يعرض ناقلات النفط وسفن الشحن والبواخر الى الخطر.

 كان ذلك اثناء الحرب العراقية ــ الايرانية، يوم ان اطلقت ايران للقوارب الحربية الصغيرة العنان لتهاجم ناقلات النفط وغيرها من السفن في عرض الخليج العربي، ثم توقفت ايران عن ذلك. إذن مضيق »هرمز« الذي يشكل موقعا استراتيجيا تتحكم فيه ايران، متى شاءت يمكن ان تلغى اهميته، وايران تحتل جزرنا لأهميتها الاستراتيجية في الخليج، وبالإمكان ان تلغى هذه الأهمية من حساباتهم، إذا »شقت القناة« التي ارتآها آنذاك ــ رحمه الله ــ الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم.

في 10/1/1994م، عادت الفكرة مرة اخرى تطل برأسها على خاطري، وأرسلت مسؤولا درس العلوم السياسية لتفقد الموقع عن كثب، ونصحته ان يتوجه بإكمال درجة »الماجستير« في: »أهمية شق قناة من الفجيرة الى رأس الخيمة«، وأثر هذه القناة الايجابي على الامارات من الناحيتين السياسية والاقتصادية، إلا أن صاحبي فضل دراسة »القانون« والحصول على »ليسانس« الحقوق بدلا من مواصلة دراسته في الاختصاص السابق، الذي حاز فيه درجته العلمية في العلوم السياسية.

في الحقيقة أن ورقة »شق القناة« يمكن استخدامها في المفاوضات مع ايران، فإذا كان التفاوض مع ايران سيصل الى حد حرماننا من حقوقنا الشرعية، فإن خيارنا المفضل يجب ان يتجه في الجانب الذي يكفل لنا في دولة الامارات استثمار موقعنا الاستراتيجي المطل على بحرين هما »الخليج العربي« و»بحر العرب«، لذا فإن الورقة الرابحة يجب ان يلوح بها مهما طال الزمن، وان الاعوام الخمسة المقبلة تحمل تنبؤات تشير الى اننا ما لم نسر خطوة في هذا الاتجاه، فإننا نضيع فرصة ثمينة يمكننا استثمارها الاستثمار الانفع لصالحنا.

وكما فعل الشيخ راشد ــ رحمه الله ــ يجب ان نعلم الاخوة في ايران بأن القطيعة بيننا وبينهم لا تخدم مصالحنا المشتركة، وان انسحابهم من الجزر الاماراتية الثلاث هو الحل الأمثل لموروثات »الشاهنشاهية« في المنطقة، وان حسن الجوار يتطلب ان تحب لأخيك كما تحب لنفسك، وهنا أرجو الا يظن البعض بأن هذا الحديث يأتي في ظل الظروف الراهنة التي نرى ان البعض يحاول جاهدا ان ينظر الى مصلحته دون النظر الى مصلحة إخوته أو جيرانه، وإذا كان الأمر كذلك، فإن الامارات قادرة ـ بإذن الله ــ ان تشق طريقها نحو المستقبل بخطى ثابتة، ولعل الفرصة الآن متاحة أكثر من أي وقت مضى، فالسيد/ خاتمي.. رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية قد تحدث عبر قناة »الجزيرة« من قطر حديثا قال فيه: ان من يسلم، لابد ان يرد عليه بالسلام، وان من طرق الباب ولج.. ولج.. ولج.. وإذا كان الامر كذلك، فإن الطرف الايراني عليه ان يدرك ان الفصل في النزاع هذا لابد ان يكون وفقا للعرض الذي تقدمت به الامارات، ألا وهو اللجوء الى »محكمة العدل الدولية«، واعتقد ان النتيجة يجب ان تكون مرضية لكلا الطرفين، اما ان تقول ايران: »لا« للحديث عن الجزر، فإن ذلك قد يقود الى »نعم« لشق القناة وإلغاء الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز وللجزر.

 كان هذا الحديث حديثا ذا شجون ذكرته لأحد الاصدقاء، وارتأيت ان اسطره على صفحة جريدة اخبارية لدينا ليقرأ من يعنيهم الامر كم كان ــ المغفور له ــ الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، رجلا يؤمن بأهمية التخطيط الاستراتيجي، ولاشك اننا اليوم احوج ما نكون الى خطط طويلة الأجل نضع فيها النقاط على الحروف، فكثيرون منا لا يعيرون الاهتمام المطلوب للتخطيط الاستراتيجي، ولذلك تمضي الايام، والشهور، والسنوات ونحن نراوح في المكان نفسه.

حديث الذكريات بأهمية الاستراتيجيات كلما عنّ على بالي قلت: رحم الله ذلك الرجل الذي تعلمت من مجلسه الشيء الكثير، لقد كان فحلا من فحول التجارة والاقتصاد والسياسة في آن واحد، رحل ــ رحمه الله ــ وترك لنا »فكرة« تنم عن عبقرية فذة، فهل نستثمر »فكرة راشد« في: »إما شق القناة، وإما اعادة الجزر الى اصحابها؟ أظن ان الامارات يمكنها ان تنفذ مشروع شق »قناة زايد« الموصلة من الفجيرة الى رأس الخيمة عبر شركات وطنية بأسهل مما يتصور الكثيرون، ويومها أؤكد لكم انه لن يبقى لإيران اي خيار ثالث على الاطلاق، لذا نأمل ان يستوعب الايرانيون جيدا اهمية هذه الفكرة وجديتها وتأثيرها، فنحن لا نرجو لإيران الا الخير، ولكن شريطة ان تعاملنا على اساس من الأخوة المتبادلة، فمصالحنا مشتركة، ويجب الحفاظ عليها من كلا الطرفين، اما إذا اصرت ايران على السير في الاتجاه المعاكس، فإن الامارات ستنهج طريقا آخر يحقق لها اهدافها الاستراتيجية، ولقد سألت قبطان احدى السفن الزائرة قائلا: إذا شقت قناة من رأس الخيمة الى الفجيرة، كم ستوفر عليكم من الوقت وانتم قادمون من بحر العرب الى الخليج؟ قال: ستوفر على الاقل من ثماني الى تسع ساعات، والمدة لها أهميتها بالنسبة لأطقم السفن الذين يتمنون دائما وابدا ان يصلوا الى الموانىء البحرية في اسرع وقت ممكن، وعندها لن نضطر الى الوصول حتى مضيق هرمز، ثم أردف قائلا: معنى ذلك »إلغاء اهمية مضيق هرمز الاستراتيجية«، قلت له: نعم، ولم لا؟!