جريدة الخليج 28/5/99

 

التقارب الايراني الخليجي الى أين؟     

 

عبيد سلطان

 

هدف الجولة العربية التي قام بها الرئيس الايراني محمد خاتمي الى كل من سوريا والسعودية وقطر حسب بيان الرئاسة الإيرانية هو »بحث سبل تعزيز التعاون الثقافي والاقليمي وآخر التطورات في العالم الاسلامي«، وأهداف الجولة تلك عناوين جيدة، باتجاه بناء علاقات متطورة بين ايران والعرب، وتشكل تلك الأهداف مدخلا لتقارب عربي ايراني مبني على تلك الأسس، التي ستدشن ان تحققت عهدا جديدا في علاقات ايران مع العرب.

ولا شك، بأن الذي تابع الجولة والتصريحات الصادرة من القادة الذين التقاهم خاتمي، سيلاحظ نبرة من التفاؤل المفرط في تلك التصريحات، باتجاه دفن الخلافات القائمة، وان تحقق ذلك في القريب المنظور، فإنه بلا شك سيدشن العهد الجديد في علاقات ايران مع جيرانها العرب التي ظلت لفترة طويلة في حالة مد وجزر، منذ وصول النظام الجديد الى السلطة وحتى اليوم، واذا كان البعض يرى بأن الواقعية السياسية تغلبت في نهاية المطاف على الشعارات الثورية وأولها تصدير الثورة الى دول المنطقة، إلا ان تلك الواقعية، ينقصها الكثير الذي سنتحدث عنه لاحقاً خاصة بالنسبة لدولة الامارات.

الجولة الخليجية للرئيس خاتمي، حققت كما نعتقد أهدافها، بتجاوز النقاط الحمراء في علاقات ايران مع دول مجلس التعاون، وحسب مسؤول خليجي فإن التقارب الايراني مع دول المنطقة سيساهم في حل الكثير من القضايا العالقة. وهذا التصريح، سبق التصريحات التي أدلى بها الرئيس الايراني لقناة الجزيرة في قطر، وحسب المسؤول الخليجي ايضا، فإن تطور العلاقات بين ايران وبعض دول الخليج العربية سيسهم في حل مشكلة جزر الامارات التي تحتلها ايران منذ عام ،1971 باعتبار ان التقدم في تلك العلاقات، سيوفر عنصرا من عناصر الحل للمشكلة القائمة، كما ان مشاركة ايران في الترتيبات الأمنية بالمنطقة ستزيل الكثير من عناصر التوتر، وستدفع باتجاه تدعيم العناصر المعتدلة في ايران.

هذا المنطق، كما يبدو في ظاهره متماسكا وواقعيا أيضا، ولكن هل سيتحقق فعلا على أرض الواقع، ام ان ما قاله المسؤول الخليجي لا يتعدى ذر الرماد في العيون؟ فما ينقص هذه الواقعية السياسية، وهي مدرسة سياسية سيئة كما نعتقد، هو النظر الى المصالح الآنية والضيقة لهذا الطرف الخليجي او ذاك، دون النظر الى المصالح الجماعية الخليجية، التي تؤكد عليها وثائق مجلس التعاون واجتماعاته الوزارية، وقد قطع الرئيس خاتمي الشك باليقين وأخرس الآراء، التي تدفع باتجاه الواقعية السياسية، عندما أعلن موقفه الصريح والواضح من أهم قضية سياسية، من المفترض ان تحول دون الاندفاع باتجاه تطوير العلاقات الخليجية الايرانية، وهي قضية جزرنا المحتلة عندما أعاد الرئيس تكرار مسألة »سوء التفاهم« مطالبا بعدم تضخيم الخلاف الايراني مع الامارات، بينما هناك مشاكل حدودية عالقة بين دول المنطقة نفسها!

معنى هذا الكلام بأن قضية الجزر مسألة ستبقى عالقة، باعتبار ان هناك قضايا عالقة اخرى بين دول المنطقة ومنها القضايا الحدودية، ومعنى هذا الكلام ايضا بأن علينا الانتظار لسنوات حتى يتحقق الحل لقضية الجزر المحتلة، والتي من المؤسف حقا ان تتجنبها البيانات الختامية الصادرة في كل العواصم الخليجية التي زارها خاتمي حرصا على انجاح الزيارة الاولى لرئيس ايراني منذ عشرين عاما الى المنطقة، وهذا الحرص على التقارب، يتنافى كما نعتقد بل يتقاطع مع بيانات القمم الخليجية، وبيانات مجالسها الوزارية، ويجب ألا يفهم من حديثنا عن الواقعية في السياسة، بأننا ضد التقارب العربي الايراني، او الخليجي الايراني، لكن التقارب الذي ننشده هو العكس تماما لما يجري، لأن التقارب المنشود، يجب ان يؤسس على قاعدة ثابتة، تبدأ بقفل ملفات الشاه سيىء الذكر، او كما قال الباحث الدكتور يوسف الحسن، »بإعادة سيف الشاه الى غمده« وهو الاتفاق مع الامارات على حل سلمي لقضية الجزر، او القبول بالذهاب الى محكمة العدل الدولية لحل القضية.

بعد هذا يمكن الحديث عن التقارب الايراني الخليجي المنشود، وتؤسس ثانيا رؤية لأمن الخليج تقوم على احترام متبادل وعلى تعاون كافة دول المنطقة في تأمين استقرار المنطقة، وعندها يمكن الحديث ايضا عن قضية الوجود الأجنبي، الذي يعتبر محل خلاف بين ايران وجيرانها العرب، وتلك الرؤية اذا ما تحققت فإنها تؤسس للعلاقات التي ينشدها أبناء الخليج كافة وتؤسس ثالثا، على عدم انتهاك سيادة دول المنطقة، كما حصل بالنسبة للمناورات الايرانية قرب جزيرة ابوموسى، عدا ذلك فإن الحديث عن  التقارب الخليجي الايراني ليس في محله، بل يمكن اعتباره اختراقا ايرانياً ناجحاً للمواقف الجماعية الخليجية سواء السياسية او الأمنية.

نجاح الدبلوماسية الايرانية، الذي تحقق باتجاه دفن الخلاف مع المملكة العربية السعودية والتطور الملحوظ الذي تشهده العلاقات القطرية الايرانية يتطلب من الدبلوماسية الاماراتية، دراسة متعمقة لما يجري على الساحة الخليجية، بإعادة التأكيد على مواقف دول المجلس من قضية الخلاف مع ايران على قضية الجزر، وبالتأكيد مجددا على مطالبة ايران بضرورة حل القضية دبلوماسياً وبإفهام دول المنطقة، بأن علاقاتها مع الامارات أبعد وأهم من المصالح الضيقة التي تدفع بهذه الدولة او تلك باتجاه الانفتاح نحو ايران، وبإفهام دول المنطقة ايضا بأن قضية الجزر مسألة وطنية تمس سيادة دولة الامارات، وبأن شعب الامارات يرفض القفز فوق مصالحه وقضاياه الوطنية وفي مقدمتها قضية الجزر.