جريدة الخليج 23/5/99

 

انعكاسات التقارب الايراني ـ السعودي 

 

د. عبدالخالق عبدالله

نأمل أن تكون نتائج التقارب السعودي ـ الايراني الراهن والذي قطع شوطاً متقدماً اثر الزيارة الناجحة للرئيس الايراني محمد خاتمي للمملكة العربية السعودية خلال الاسبوع الماضي، ايجابية بالنسبة للبلدين والشعبين ونأمل ان يفتح هذا التقارب الذي شمل المجالات كافة بما في ذلك المجالات النفطية والثقافية والامنية والدفاعية، صفحة جديدة في العلاقات التي كانت وإلى وقت قريب متأزمة كل التأزم ومتنافرة كل التنافر. ونأمل ايضا ان يكون التقارب السعودي الايراني بداية جادة لمرحلة جديدة في التاريخ السياسي للخليج العربي الذي عانى اشد المعاناة من الاحتقانات والتوترات الحادة بين دوله الكبيرة والتي تسببت في اندلاع حربين متتاليتين خلال العقدين الاخيرين. ونأمل ان يساعد هذا التقارب في دفن الخلافات والتوترات في هذه المنطقة الحساسة من العالم ويعيد لها الامن والاستقرار الذي افتقدته نتيجة للتنافس التقليدي بين القوى الاقليمية على زعامة المنطقة والتأثير على اولوياتها واستقطاب دولها  الصغيرة. كما نأمل ان يؤدي التقارب الى ازالة سوء الفهم بين ايران والمملكة العربية السعودية وينهي التنافس التقليدي بينهما ويفتح بالفعل وليس بالقول كل الابواب والنوافذ التي كانت موصدة ويحولهما إلى اصدق الاصدقاء بعد ان كانا ألد الاعداء على مدى العشرين سنة الماضية.

إن كانت هذه هي النتائج المتوقعة للتقارب السعودي ـ الايراني فأهلاً وسهلاً بهذا التقارب الذي أتى متأخرا عن موعده بحوالي عشرين عاماً، اي منذ قيام الجمهورية الاسلامية في ايران. ان كان الهدف من هذا التقارب هو تحقيق الاستقرار في الخليج العربي الذي هو بأمس الحاجة للاستقرار وتعزيز التعاون بين دوله الكبيرة والصغيرة والتي هي بأمس الحاجة للتعاون، فلابد من الترحيب به ودعمه اذا كان يصب في سياق عودة الامن للخليج العربي وايجاد الحلول المقبولة للقضايا والمشكلات الخليجية العالقة وفي مقدمتها احتلال ايران لجزر الامارات. كما لا بد من تفهم هذا التقارب السعودي ـ الايراني اذا كان يتم كما ينبغي له ان يتم في سياق التنسيق الخليجي وليس بالانفراد او السعي من اجل تحقيق مصالح خاصة وآنية تتجاهل المصالح الخليجية المشتركة. علاوة على ذلك فإنه ينبغي مباركة هذا التقارب اذا كان لايؤدي إلى استمرار الاحتلال المفروض بالقوة ودون وجه حق ولاينوي تعزيز دور القوى الكبرى في المنطقة ولايتطلع إلى ترسيخ هيمنتها على الدول الصغيرة التي عادة ما تتعرض إلى الابتزاز والتهديد المعلن وغير المعلن من الدول الكبرى المجاورة.

لاشك ان للتقارب السعودي ـ الايراني نتائج ايجابية وواضحة بالنسبة لإيران والمملكة العربية السعودية. فهدفه المباشر تعزيز التفاهم النفطي ودعم اسعار النفط في الاسواق العالمية والمحافظة على الزيادة التي طرأت على عائدات الدولتين من خلال الفترة الاخيرة والتي تؤدي بدورها إلى تخفيف ازماتهما المالية الحادة. لكن رغم كل الايجابيات الواضحة كل الوضوح بالنسبة للبلدين الا ان التقارب السعودي ـ الايراني له انعكاساته على الدول المجاورة وهي ليست بالضرورة انعكاسات ايجابية او حتى محايدة. فالتقارب المفيد لإيران والسعودية ليس بالضرورة مفيدا لبقية دول المنطقة وخاصة الدول الصغيرة التي دائما ماتخشى وتتوجس من تطلعات توسعية لدول كبيرة مجاورة. كما انه اذا كانت اهداف هذا التقارب واضحة كل الوضوح بالنسبة إلى طهران والرياض فهي حتى الآن ليست بالقدر نفسه من الوضوح بالنسبة لبقية العواصم الخليجية التي تحسب الف حساب عندما يحدث مثل هذا التقارب السياسي وربما الامني وبهذا الاندفاع بين القوى الاقليمية المتنافسة. كذلك فإنه اذا كانت النوايا السعودية طيبة وصادقة وعفوية بعفوية وحرارة استقبال الرئيس خاتمي في السعودية نفسها فإن النوايا الايرانية هي حتما ليست بالقدر نفسه من العفوية والصدق تجاه تطوير العلاقات مع السعودية والدول الخليجية الاخرى. علاوة على ذلك فإنه اذا كان جدول الاعمال المعلن للتقارب السعودي ـ الايراني مقبولا ومعقولا ويمكن فهمه وتفهمه على علاته الا ان هناك في السياسة دائما جدول اعمال غير معلن عادة مايناقش بعيدا عن الاضواء وهو اهم بكثير من جدول الاعمال المعلن والمغلف بالكلمات الطيبة والمطمئنة والمنمقة. ان اسرار السياسة هي دائما اكثر من وقائعها المعلنة التي تتصدر صفحات الجرائد والنشرات الاخبارية المسائية، وهذه الاسرار هي التي تثير المخاوف والتساؤلات المشروعة.

ان اكثر مايثير الاسئلة في التقارب السعودي ـ الايراني هو انه يحقق الحسابات الايرانية اكثر مما يحقق الحسابات السعودية، ويخدم الاهداف الايرانية اكثر مما يخدم الاهداف الخليجية المشتركة. الطرف الايراني هو المستفيد الاول والرابح الاكبر من هذا التقارب. فإيران تسعى من خلال الاقتراب من السعودية الالتفاف حول سياسة الاحتواء الامريكية التي فرضت على ايران من اجل الحد من تهديداتها لدول الخليج العربي. كما تحاول ايران من خلال هذا التقارب انهاء حالة العزل الدولي الذي يهدف إلى الحد من توجهاتها الثورية والراديكالية والتوسعية في المنطقة الخليجية والعربية عموما. كما تحاول الادارة الايرانية الراهنة استخدام التقارب مع السعودية من اجل الوصول إلى واشنطن وتحسين علاقاتها معها من اجل الحصول على الاستثمارات الامريكية وتحسين فرصها للحصول على القروض الدولية. لكن الاخطر من كل ذلك هو ان ايران تحاول من خلال التقارب السعودي ـ الايراني الالتفاف حول التأييد الخليجي والعربي لموقف الامارات العادل بالنسبة لقضية الجزر المحتلة.

إن هدف ايران التكتيكي من التقارب مع السعودية هو اضعاف الموقف الدبلوماسي الاماراتي الذي كان يسعى مؤخرا للضغط على ايران لوقف تجاوزاتها في جزيرة أبو موسى ودفعها من اجل حل قضية الجزر بالطرق السلمية او عبر محكمة العدل الدولية. لقد زادت المخاوف والشكوك بعد صدور البيان الختامي في ختام زيارة الرئيس خاتمي والذي خلا تماما من اية اشارة إلى قضية الجزر.

هذه هي الحسابات الايرانية وهذه هي الخطط الايرانية التي تنوي طهران تحقيقها عبر التقارب مع السعودية. فالتقارب السعودي ـ الايراني يأتي في الوقت الذي تتجاهل فيه ايران دعوة الامارات لحل هذه القضية. ولاشك ان هذا التقارب سيزيد من اصرار ايران على احتلالها للجزر وسيزيد من اصرارها على تأكيد سيادتها على جزيرة ابو موسى وسيزيدها اصرارا على انتهاك طائراتها لأجواء الامارات وتجاوز غواصاتها للمياه الاقليمية الاماراتية. هذه بعض من تداعيات التقارب السعودي ـ الايراني. بل ان هذا التقارب يأتي في وقت تواصل فيه ايران بناء قدراتها العسكرية التي تتجاوز التسليح المشروع للدول، لتصل إلى بناء قدرات صاروخية وربما نووية تهدد بها الدول المجاورة بما في ذلك المملكة العربية السعودية. كما يأتي هذا التقارب في الوقت الذي لم يحسم فيه الصراع في ايران بين القوى المعتدلة والراديكالية. لذلك ان كان الهدف السعودي من هذا التقارب هو دعم ومساندة التيار الاصلاحي والمعتدل في ايران فإن الدعم الاهم لهذا التيار يأتي من الداخل وليس من الخارج. بل ان الدعم الخارجي المكشوف يكن عداء مبدئيا للولايات المتحدة الامريكية واصدقائها. علاوة على ذلك فإن هذا التقارب يأتي في وقت تزعم فيه ايران انها هي القوة الخليجية الأولى وانها هي القوة الاسلامية الأولى وان على الجميع التكيف مع هذه الحقائق السياسية والاستراتيجية وهناك ثمن لمن لايتكيف مع هذه المعطيات الاقليمية.

كل ذلك يعيد إلى الاذهان السؤال حول من المستفيد ومن المتضرر من التقارب السعودي ـ الايراني هل سيفيد هذا التقارب كل الدول ام بعض الدول؟ هل سيفيد ايران ام سيفيد السعودية؟ هل سيصب في اتجاه الامن في الخليج ام انه سيضاعف من احساس الدول الصغيرة بعدم الامن؟ هل سيساهم في ابعاد القوات الاجنبية عن المنطقة ام انه سيزيد من الحاجة اليها؟ هل سيؤدي هذا التقارب الى ترسيخ التعاون بين دول مجلس التعاون ام انه سيضعف التعاون وسيدخل دوله في مزاج »بعد مجلس التعاون« حيث يكون المجلس قد فقد اصلا اهم مبررات قيامه وهو التصدي للتهديدات الايرانية التي برزت مع بروز الجمهورية الاسلامية في ايران؟ واخيرا هل سيؤدي هذا التقارب إلى انهاء احتلال ايران لجزر الامارات ام ان هذا التقارب سيفهم في ايران بأنه صك براءة لاستمرار احتلالها وعدم اكتراثها بدعوات دولة الامارات لحل هذه القضية حلا سلميا؟

هذه هي بعض من الانعكاسات المحتملة للتقارب السعودي ـ الايراني. ولاشك ان هذه الانعكاسات مقلقة وتثير المخاوف لدى البعض. بل ان هذه الانعكاسات السلبية العديدة تتطلب وقف الحماس الخليجي المبالغ فيه تجاه المعتدلين في ايران. ان هذا الحماس المفرط هو حتما حماس غير مبرر وغير مطمئن وغير مدروس وربما هو ايضا غير محسوب العواقب. لذلك فإن اكثر ماتحتاجه دول مجلس التعاون هو التنسيق في المواقف والتأكيد على المصالح الخليجية المشتركة ودراسة الاوضاع الايرانية الداخلية التي ما زالت في حالة سيولة ولم تستقر بل انه لايتوقع لها ان تستقر في المستقبل القريب.