جريدة الخليج 17/5/99

 

وجهة نظر

الامارات في مسألة احتلال  جزرنا     

 

طرح المشاركون  عن الطرف الاماراتي وجهة نظرهم بشأن  موضوع العلاقات العربية  ــ الايرانية بصفة عامة واحتلال الجزر الثلاث بصفة خاصة مؤكدين على ان حل المشكلات بين الطرفين يجب ألا يسمح باستغلاله من قبل اطراف اجنبية لتحقيق مصالحها  المخالفة او المضادة لمصالح ابناء المنطقة،  فكما ان الطرف الاجنبي المهيمن على مقدرات المنطقة طيلة القرن التاسع عشر وثلاثة ارباع القرن  العشرين ترك وراءه مخلفات  شائكة  وازمات حدودية متفجرة، فإن  الطرف الاجنبي القوي حاليا له مصالح واضحة في عدم استقرار المنطقة واستمرار التوتر.

ولكن الاطراف الاجنبية لم يكن لها ان تستفيد او ان تحقق اهدافها لو لم تساعدها الظروف  والاطراف المحلية في المنطقة. ومساعدة الاطراف المحلية قد تكون بشكل مقصود كالاستيلاء على اراضي الغير والتعاون مع الطرف الاجنبي في تحقيق هذا الاحتلال او قد تكون بشكل غير مقصود ولكنه نتيجة لتهور في التصرفات  او عدم مراعاة لاتفاقيات مبرمة فيستفيد الطرف الاجنبي  من ذلك.

فإيران الشاه تواطأت عمداً مع الطرف الاجنبي السابق في تفجير  الازمة وتوتير العلاقات العربية ــ الايرانية. وايران الثورة استمرت على النهج نفسه وان كان ذلك ليس متعمدا. فخطوات الثورة في بداياتها ونبرة صوتها العالية وخطابها الاعلامي الصريح ادت الى تراكم  التوجس والشك والريبة لدى الطرف العربي المقابل، والآن  بعد ان خفت حدة الخطاب وهدأت فورة الحماس وذهبت السكرة وحلت بدلا منها الفكرة فإن اجراءاتها الاحادية  الجانب على ارض الجزر الثلاث بما يخالف ما تم الاتفاق عليه عام 1971 بشأن ابو موسى لم تصب إلا في تيار الطرف الاجنبي الكبير، الولايات المتحدة الامريكية. فهي افادت من حيث لا تدري عدوها الاول والشيطان الاكبر كما تصفها الآلة الاعلامية الايرانية.

لقد تم التأكيد على ان استقرار السنوات العشر، التي ذكرها الباحث مجتهد زادة، في الفترة  من  1968 ولغاية  1978 لم يكن استقرارا بالمعنى الصحيح. فقد تخللت تلك الفترة التهديدات الشاهنشاهية  باحتلال البحرين (68 ــ 1970) ومن ثم احتلال الجزر الثلاث في 30 نوفمبر 1971، واخيرا الحرب في ظفار حتى 1975. كما تم توضيح ان دولة الامارات لا تسعى لإبراز الخلاف والنزاع على حساب التعاون وحسن الجوار في المنطقة كما يزعم الطرف الآخر.

فمنذ 1992 ولغاية اليوم فإن ايران تقوم بالفعل السلبي في مخالفة بنود اتفاقية مذكرة التفاهم وذلك عن طريق تحركات عملية كفرض التأشيرة على من يرغب في الزيارة او الاقامة في الجزء المخصص لدولة الامارات في جزيرة ابو موسى او التضييق على السكان الاصليين  في بناء منازلهم والحصول على خدمات لهم والعيش الكريم من مهنة الصيد او فتح خط جوي مع بندر عباس او بناء محطة كهرباء او افتتاح مقر بلدية  ايراني بالجزيرة  او سن قانون لحدود ايران البحرية يدخل الجزر ضمن اقليمها او اجراء مناورات  عسكرية في المياه  الاقليمية للجزيرة وهكذا من الامثلة العملية العديدة، التي يتم من خلالها خرق كل الاتفاق وتغيير البنية السكانية  والوضع القائم في الجزيرة.

اما دولة الامارات ــ المتهمة زوراً بأنها تسعى لإثارة النزاع وتوتير العلاقات ــ فلم  يتمكن اي من الباحثين الايرانيين من رصد ولو عمل انفرادي وحيد خالفت بموجبه ما تم التوقيع عليه في مذكرة التفاهم. بل غاية ما في الامر ان دولة الامارات تتخذ ردود فعل رسمية في حدودها الدنيا ممثلة في خطاب رسمي رافض لخطوات ايران العملية التغييرية واستصدار  بيانات  تأييد لحقها المشروع في جزرها الثلاث من المنظمات  الاقليمية والدولية.  ورد الفعل العقلاني القانوني هذا تستكثر ايران  على حكومة الامارات القيام به. وللامارات الحق الشرعي في رفض ذلك الاجراء او غيره مما يحصل من الطرف الايراني وتأكيد موقفها الرسمي في كل محفل دولي حتى  لا يتخذ صمتها وسكوتها عن الاجراءات والافعال المخالفة  للاتفاقية  التي تصدر عن الجانب الآخر كدليل  لقبولها الضمني  لتلك الافعال ومن ثم سقوط حقها الوطني مع مرور الزمن  وتحقق شروط ما يعرف في القانون  الدولي بالتقادم المكسب للملكية.

ومسألة اخرى تم التطرق اليها في النقاش حول الجزر  ان ما هو حاصل في جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى وهو احتلال عسكري بموجب القانون الدولي. وقد رددت على انزعاج مجتهد  زادة من الحديث حول مصطلح »الاحتلال« بأن من صاغ الاتفاقية  هم الانجليز ــ سادة  الصياغة القانونية الدولية ـــ وكانوا حريصين  في اسباغ صفة الاحتلال على الوجود الايراني في جزيرة ابو موسى وليس على الجانب الاماراتي.

اما قوله بأن  انزال القوات الايرانية في الجزر كان متفقا عليه وانه تم استقبالها بشكل حسن، فذكرته بأن ذلك صحيح على الاقل بالنسبة  لجزيرة ابو موسى لوجود اتفاقية، اما في الطنبين ــ وهو ما تغاضى عن ذكره في كتابه ــ فإن نزول القوات الايرانية رافقه قتل شرطيين وجرح  بضعة اشخاص وطرد سكانها. فيا له من استقبال  جماهيري حافل!!

 

الجزر موضوع قانوني يحل سلما

 

وفي شأن ما ذكره الباحثان الآخران ــ د. محمود سريع القلم  ود. مصطفى زهراني ــ من ان الجزر غدت مسألة سياسية  جماهيرية ولا ينظر اليها على انها مسألة قانونية او حقوق تاريخية وان التفاوض عليها يخدش الهيبة الوطنية او وحدة  الكيان الاقليمي للدولة الايرانية، فإنه مردود عليها من عدة اوجه. فالإجماع السياسي المذكور في الجانب الايراني ليس مطلقا بل ان الجماعات اليسارية ومن ضمنها »مجاهدي خلق« نددت عند احتلال الجزر ايام الشاه بتلك الخطوة واعتبرتها توسعا استعماريا.

 كما ان الاهمية السياسية او الاستراتيجية لإقليم ما بالنسبة لدولة معينة لا يمنحها سندا قانونيا دوليا في احتلاله او انتزاع سيادته من طرف آخر. ولو اخذ هذا الامر على اطلاقه لتغيرت الجغرافيا السياسية للعالم المعاصر. فالجزر مسألة قانونية وذات صلة بحقوق تاريخية مثبتة تم الاعتداء عليها. وكون انها غدت محورا مجمعا عليه شعبيا فإنه لا يسبغ الشرعية على ما جرى او يجري عليها من قبل الطرف الايراني. ومع رفضي وكرهي لعقد المقارنة مع العدو المشترك للطرفين العربي والايراني وهو »اسرائيل« إلا ان وضع القدس في المنظور الصهيوني العام المتفق بكافة اطيافه على ضمها لدولة »اسرائيل« لا يمنحها الشرعية او التعدي على الحقوق التاريخية والقانونية للشعب الفلسطيني كما هو الحال بالنسبة للجزر الثلاث.

 نعم ان لدى ايران حساسية خاصة فيما يتصل بإقليمها الجغرافي الوطني ولا تريد ان توجد سابقة تتنازل فيها عن جزء من اقليمها كي لا تسارع بقية الاجزاء التي تقطنها اقليات عرقية او طائفية بالمطالبة بالمعاملة نفسها. وهذه حقيقة لابد من مراعاتها وضمانها لإزالة الشكوك، ولكن الجزر لم تكن يوما جزءا من اقليم ايران المعاصر فمن ثم فالتفاوض او التنازل عنها، في اسوأ الفروض الايرانية، ليس له صلة بوحدانية  الاقليم الجغرافي الوطني او الهيبة الوطنية الايرانية.

ومن قال ان التفاوض او الحديث او حتى التحكيم الدولي حول اقليم ما يعني التنازل او عدم الاقرار بملكية هذا الاقليم لأي من الاطراف المتفاوضة او المتقاضية، وسوابق طابا وجزر حنيش خير دليل على ذلك. ولكن كل ما في الامر ان الوسائل السلمية لحل الخلاف السيادي من مفاوضات او مباحثات او تحكيم او اللجوء الى محكمة العدل الدولية هي وسائل حضارية اتفقت عليها البشرية كبديل راق للحروب والاقتتال والدمار.

 ومهما كان الخلاف حول جزئية  معينة فإن السياسة العاقلة والحكيمة لدولة الامارات تفيد بأن المناشط الاخرى من اوجه العلة بالطرف الايراني الجار (اقتصادي ــ سياحي ــ استثماري ــ اجتماعي) لم تتأثر به او يتم تقليصها او قطعها بشكل عاطفي غير متزن. فالحل للخلاف لابد انه آت عاجلا أم آجلا ولكن قطار الحياة والصلة بين الشعوب ماض في دربه ومستمر في سيره. ودول الخليج افضل فهما وتفهما للمجتمع الايراني من الدول الاخرى، اوروبية او امريكية او حتى عربية بعكس ما قاله د. سريع القلم. فهذه الدول اكثر الاطراف تأثرا بما يجري على الساحة الايرانية وبين ظهرانيها تعيش جالية ايرانية كبيرة منذ أمد ليس بالقصير بل وبها بعض المؤسسات الرسمية الايرانية كالمستشفيات او المدارس. من ثم فاطلاعها على ما يجري وطريقة التفكير والتحليل السياسي لدى الطرف الآخر جيد.

 ومع ذلك فقد اقترحت مازحاً في نهاية اللقاء الاكاديمي والحوار الشيق المتبادل مع الطرف الايراني تأسيس جمعية او هيئة شعبية على نمط  FIFA  (الفيفا) اتحاد كرة القدم الدولي تدعى  AIFA  (إيفا) (جمعية الصداقة العربية ــ الايرانية) وذلك بمناسبة المقابلة الكروية في ذات يوم الندوة (28/4) في طهران بين فريق العين الاماراتي والفريق الياباني ولزيادة التعرف على ما لدى الجانبين وازالة اي غموض او نقص في الفهم لدى اي منهما بعد اتهام الطرف العربي من قبل د. سريع القلم بأنه قديم المعلومات ومتأخر في فهم ما هو حاصل في ايران!!

 

د. محمد عبدالله الركن