جريدة الخليج10/5/1999    

 

حوار حول جزرنا المحتلة يثير التوجس

 

تمر خلال ايام قليلة الذكرى الثانية لوصول محمد خاتمي الى سدة رئاسة الحكم في الجمهورية الاسلامية الايرانية بإرادة شعبية حرة وانتخابات جريئة قلبت توقعات كافة المراقبين وهزت المؤسسة الدينية المحافظة التى تتولى زمام الامور في ايران منذ الإطاحة بالشاه. ففي مايو 1997 فاز خاتمي بأصوات اكثر من ثلثي الشعب الايراني، الذي كان يسعى بحرارة الى التغيير والتبديل، على ممثل تيار الاستمرار والابقاء على الحال كما هو. وقد نزلت المؤسسة الحاكمة عند رغبة الشعب على مضض وتردد.

ومنذ ذلك التاريخ وايران تشهد تقلبات وتطورات واحداثاً سياسية ساخنة تفيد بظهور تيارات متباينة عرفت بالمجمل العام بأنها تيار اصلاحي تحديثي مدني في مقابل تيار محافظ ملتزم. ويبدو ان قابل الايام سيشهد نوعا من الشد والجذب وحرب الاعصاب بين عناصر هذين التيارين.

ويسعى الرئيس الايراني الى تقوية مركزه وإسناد عناصر تياره الاصلاحي ذي النبرة القومية بالاقتراب من الشارع الايراني وهموم ابناء الجيل الجديد وقد نجح الى حد كبير في ذلك. ويدعم ذلك ايضا مسعاه على المستوى الاقليمي والدولي في تطوير علاقات ايران الخارجية بزياراته العديدة الى الغرب وها هو يبدأ اليوم بزيارات اقليمية جريئة لم يسبقه اليها أي من الزعماء الايرانيين السابقين.

ولدولة الامارات مصلحة في استقرار الوضع الايراني لصالح التيار المعتدل العقلاني والتقارب معه لإكسابه ارضية اوسع في الوسط الايراني. اذ إن تخفيف حدة أزمات الداخل الايراني قد ينعكس ايجاباً، متى كان ذلك لصالح تيار الحوار وحسن الجوار، على مسألة احتلال الجزر الاماراتية الثلاث. ومع كل هذا التفاؤل فإن التوجس له مكان والنقاش والحوار مع ممثلي الطرف الايراني قد يزيل جزءا من هذا التوجس.

وقد قدر لي ان اشترك يوم 28 ابريل الماضي في ندوة علمية عقدت في لندن نظمها مركز الدراسات العربية بعنوان »العلاقات العربية الايرانية ــ الحاضر والمستقبل«. وكنت برفقة الزميل الفاضل الدكتور حسن العلكيم لعرض وجهة النظر الاكاديمية لدولة الامارات. وفي الجانب الايراني كان الدكتور محمود سريع القلم استاذ العلاقات الدولية في الجامعة الدولية بايران ومدير مركز الدراسات الاستراتيجية للشرق الاوسط ود. مصطفى زهراني استاذ العلاقات الدولية بجامعة طهران. كما شارك من الاطراف الخليجية عضوا مجلس الشورى السعودي د. فهد العرابي الحارثي ود. عثمان الرواف. وكان للحضور غير الخليجي نصيب في الندوة مثله الاستاذ فتحي الشاذلي مساعد وزير الخارجية المصري والبروفسور فرد هاليداي من جامعة لندن وأحد المهتمين بشؤون الشرق الاوسط مع جمهور من المهتمين والدارسين وذوي الصلة بالعلاقات العربية الايرانية.

وعلى مدار الحوارات واوراق العمل المقدمة والنقاشات الجانبية اتضح ان المسعى لبث الثقة والتقارب بين الطرفين له مجال واسع بشرط الاخلاص وحسن التفهم لمطالب الطرف الآخر وإزالة الشكوك المتبادلة والتي قد يكون لجزء منها اساس حقيقي.

وما خصني من النقاش والحوار الواسع كان موضوع »الجزر الاماراتية الثلاث« وكيفية التوصل الى حل حضاري سلمي لاحتلالها من طرف ايران منذ 30 نوفمبر 1971 حتى يومنا الحاضر وإزالة هذه الشوكة من طريق العلاقات العربية الايرانية. وتسنى لي في هذه الندوة ان اسمع بوضوح وجهة النظر الايرانية بعد ان كنت قد تعرفت عليها من خلال الدراسات والابحاث المنشورة لبعض الاكاديميين الايرانيين.

ولأصدق القول فإن ما تم طرحه من طرف اساتذة علاقات دولية واكاديميين باحثين من الطرف الايراني في هذا الموضوع لم يكن ما توقعته او قد هيأت  نفسي له قبل مغادرة الوطن. فهو خطاب اقرب الى الايديولوجية والتعميم السياسي الذي يغلب المصالح الآنية ولو على حساب حقوق الغير منه الى الخطاب العلمي والبحث الرصين.

 

ايران: الجزر مسألة سياسية لا نقاش حولها

 

واستعرض هنا بعضا مما تم طرحه من وجهة النظر الايرانية على المحاورين والمشاركين في الندوة. فالدكتور بيروز مجتهد زادة ــ وهو باحث في الجغرافيا السياسية بجامعة لندن وأحد الاشخاص ذوي الصلة المباشرة بموضوع الجزر منذ عام 1971 ــ يؤكد في ورقته التي قدم بها الحوار بأن الوجود الاجنبي تاريخيا وحاضرا لم يكن في صالح دول المنطقة وانه يسعى الى تعميق الخلافات بين هذه الدول ليحقق مصالحه الخاصة من بيع للسلاح ووجود عسكري مكثف.  وأحد صور تعميقه للخلاف ــ كما يذكر د. مجتهد  زادة ــ هو قيام الطرف البريطاني بمنح اراض تابعة لدولة، واغلب الظن انه يقصد ايران هنا، دون مراعاة لمصالحها وأدلة تؤكد ملكيتها لتلك الاراضي الى دولة اخرى، واغلب الظن انه يقصد هنا الامارات. وقد شهدت العلاقات الخليجية الايرانية استقراراً لمدة عشر سنوات من 1968 ولغاية 1978 بسبب التخلص من النفوذ الاجنبي وتمتع الطرفين بعلاقات طيبة مع القوى الغربية.

ويختم مقالته بأن طريقة دولة الامارات العربية المتحدة في ابراز الخلافات والنزاعات على حساب التعاون وحسن الصلة في المنطقة ستكون لها انعكاسات سلبية ولن يؤدي ذلك الا لاستمرار التبرير للسيطرة الاجنبية على المنطقة.

والدكتور مجتهد زادة المتابع السياسي لاحداث المنطقة أدلى بشهادات غير موثقة لدعم وجهة نظره منها ان ما حصل في الجزر الثلاث لم يكن احتلالا وأبدى انزعاجه من هذا المصطلح. وذكر ان الامر بإنزال القوات الايرانية في الجزر كان متفقا عليه ووقعت بخصوصه وثائق. وان الامارات لم تحرك ساكنا ولم تطالب بهذه الجزر منذ 1971 ولغاية 1992 بعد حادثة إرجاع السفينة »مبارك« والتي كانت حادثة فردية تولى اثارتها مسؤول محلي لم يكن على علم بتوجهات المركز في طهران.

وطالب من يتحدث في هذا الموضوع ان يكون مستندا الى حقائق تاريخية وجغرافية.

اما المتحدث الآخر الدكتور محمود سريع القلم والذي يمثل الجيل الشاب المتعلم في ظل الثورة الايرانية فقد ادلى بدلوه في موضوع العلاقات العربية الايرانية بصفة عامة وموضوع الجزر بصفة خاصة. فذكر ان العالم العربي متخلف في فهم ديناميكية المجتمع الايراني والتقلبات الكبيرة التي حصلت فيه وان معلومات باحثيه لا تتجاوز حدود عام 1985 بينما يشهد للباحثين الاوروبيين والامريكيين بحسن اطلاعهم وسبرهم لاغوار المجتمع والثقافة الايرانية. بل ان دول مجلس التعاون ــ كما يؤكد د. سريع القلم ــ اقل تفهما للتغيرات الديناميكية في المجتمع الايراني من دول عربية اخرى كمصر والمغرب. فالرياح في ايران تهب منذ رئاسة رفسنجاني الاولى ورئاسة خاتمي لصالح علاقات حسنة ومتبادلة بين الطرفين.

وان كان ذلك لا يمنع من وجود ثلاثة تيارات في النخبة الايرانية في خصوص هذه العلاقات. فهناك تيار متشائم لأبعد الحدود من امكانية تحسين العلاقات مع العرب وينظر الى ان الاصل في العلاقات بين الطرفين هو العداوة والاقتتال. وهناك تيار متفائل لأبعد الحدود ينظر للعلاقات على انها استراتيجية دينية وعاطفية لا يمكن الانفصال عنها. وهناك تيار وسط برز مع الجيل الثاني من القيادات الايرانية ويدعو الى ضرورة التعاون مع الدول العربية الاقطاب كمصر والسعودية. اما باقي دول الخليج الصغيرة فالطريق اليها يكون من خلال البوابة الاوروبية او الامريكية. اي انه اذا نجحت ايران في مسعاها لتطبيع وتطوير علاقاتها مع هاتين البوابتين فإن دول الخليج ستفتح ابوابها لها دون تردد.

اما بخصوص الجزر فإن د. سريع القلم يتحدث عنها بوصفها غدت موضوعا وهما عاما PUBLIC ISSUE يشترك فيه كل الايرانيين بمختلف توجهاتهم وليست موضوع أو هم نخبة سياسية حاكمة ELITE ISSUE فالقضية الفلسطينية او قضية كوسوفا هي قضايا نخبة سياسية دينية قد لا يشاركهم فيها المجموع العام من الشعب، بينما قضية الجزر الثلاث مسألة عليها إجماع سياسي بين افراد الشعب الايراني،  وحساسة جدا إذ انها تتصل بالهيبة الوطنية او National image (ناشيونال ايمج). فكل ايراني ينظر الى موضوع الجزر ومن ضمنهم الاكاديميون على انها مسألة سياسية وليست مسألة تاريخية/قانونية. وينصح الطرف العربي بأنه من الخطأ الفاحش اتخاذ العرب لهذه المسألة كموضوع عربي عام او تحويلها الى مسألة دولية في علاقاتهم مع ايران.

وقد اكد الباحث الايراني الثالث د. مصطفى زهراني، وهو من المشاركين في الحرب العراقية الايرانية، في مداخلته على ما اورده من سبقوه من ان المسألة سياسية وليس لها صلة بحقوق تاريخية او قانونية بل ان ايران ترفض الحديث او التفاوض حولها لأنها تتصل بالوحدة الكيانية للدولة الايرانية territorial integrity  وهذه مسألة لا يمكن الحديث حولها او  المساس بها.

 

د. محمد عبدالله الركن