جريدة الخليج 3/4/99

 

ذاكرة التاريخ                   

 

لن يكون مصير الجزر العربية هو مصير شط العرب

 

زكريا نيل

 

لم أكن أتصور أن مقال السبت الماضي »ذاكرة التاريخ« تحت عنوان إلى أي مدى تبقى ايران دولة محتلة للجزر العربية؟ سيثير تساؤلات لدى العديد من القراء.. وكانت معظم التساؤلات البريدية والهاتفية تتركز حول عدة نقاط..

النقطة الأولى ـ كيف تفسر استمرارية حكومة جمهورية ايران الاسلامية، في تمسكها باحتلال هذه الجزر العربية الثلاث »أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى« وهي في الأصل تابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة، وفي الوقت نفسه ترفض الدخول في مفاوضات رسمية تستهدف تسوية هذا الخلاف بالطرق الودية المتعارف عليها في تسوية النزاعات؟

 النقطة الثانية ـ هل معنى ذلك أن مصير هذه الجزر العربية سيكون نفس مصير »شط العرب« الذي يعتبر ملتقى لأهم نهرين في القارتين الآسيوية والافريقية »بعد نهر النيل« وهما نهرا دجلة والفرات، وبعد أن تنازل رئيس العراق عن تبعيته الكاملة للتراب العراقي، ليكون لإيران الحق نفسه الذي للعراق؟

النقطة الثالثة ـ إذا كان هذا العدوان على الجزر العربية حدث في عهد الحكم الامبراطوري الذي كانت سياسته في المنطقة تقوم على مبدأ التوسع الاقليمي على حساب جيرانه من العرب الخليجيين.. فقد غامر شاه ايران باحتلال هذه الجزر لأول مرة عام 1904 احتلالاً عسكرياً، لكنه طرد منها بأمر من السلطات البريطانية التي كانت تبسط حمايتها في ذلك الوقت على كل إمارات الساحل الخليجي ولم يبق في تلك الجزر غير ثلاثة أشهر!!

وإذا كان هذا العدوان تكرر بعد 67 عاماً عندما عاد الشاه بتواطؤ مع بريطانيا هذه المرة، وكانت ساعة الصفر، هي اجتياح قواته لتلك الجزر في الموعد نفسه الذي قررت فيه بريطانيا انسحاب قواتها من الخليج بصفة نهائية عام 1971 ثم استمرت حكومة الثورة الخمينية التي تفجرت عام 1979 في احتلال هذه الجزر ولم تذعن لطلب الامارات المتحدة سحب قواتها منها.

فهل معنى ذلك أن سياسة حكومات جمهورية ايران الاسلامية، تعتبر تراجعاً عن مبادئها الثورية وامتداداً لسياسة الحكم الامبراطوري في ايران؟

لن يكون مصير الجزر الثلاث مصير شط العرب نفسه. لماذا؟ لأن العراق هو الذي تنازل ـ في سابقة خطيرة ـ عن حقه في كامل تبعية كل شط العرب للملكية العراقية..!!

وكيف حدث ذلك؟

إنها قصة مثيرة للغاية وفي الوقت نفسه كانت مؤلمة وموجعة، واكتملت مأساويتها باتفاقية وقعت عام 1975 وعرفت باتفاقية الجزائر، كان طرفاها الرئيس العراقي صدام حسين والامبراطور الايراني السابق محمد رضا بهلوي وأيضاً السؤال كيف؟

كانت القضية في مجملها عبارة عن صفقة سياسية بين الطرفين لتبادل المنافع، إلا أنها كانت غير متعادلة وفيها خسارة وطنية كبرى للعراق.. كان معروفاً عن الشاه الراحل أنه لا يرتاح للزعماء العرب خاصة منهم الأقوياء في المنطقة.. ومن هنا استغل أزمة الصراع بين أكراد العراق وحكومة بغداد، إلى جانب أنه منذ أن تولى رئيس العراق الحالي حكم العراق، لم يرق للشاه توجيهاته في خطته السياسية ومن ثم اتخذ من أكراد شمال العراق ورقة لإحداث المتاعب لسلطات الحكم في العراق. وتطورت هذه المتاعب إلى ما يشبه »التمرد« الكردي في الشمال العراقي وذلك تحت شعار الكفاح الوطني لإقرار الحقوق المشروعة للشعب الكردي.. ومن خلال الدعم الامبراطوري للحركة الكردية بالمال وبالأسلحة وبالمساعدات العينية، لممارسة ضغوط عسكرية على بغداد تكبد الجانب العراقي خسائر فادحة.. مما اضطر القيادة العراقية في النهاية إلى أن تمد يدها إلى »الشاه« وتقابلا بوساطة الزعيم الجزائري الراحل هواري بومدين في العاصمة الجزائرية.

وكانت الصفقة السياسية غير المتكافئة؛ حيث طالب الشاه في مقابل وقف أي مساعدة من جانبه للأكراد، أن يتنازل الرئيس العراقي الحالي »صدام حسين« عن حق الملكية الانفرادية للعراق في مقابل أن يوقف الشاه دعمه لأكراد شمالي العراق وبالتالي وقف المعارك التي ظلت تستنفد طاقات العراق الاقتصادية والعسكرية. ومن هنا أصبح لإيران موطئ قدم في شط العرب شأنه شأن العراق!

إذن.. القضيتان مختلفتان.. فما حدث في شط العرب هو تنازل عراقي عن حق الملكية الكاملة من أجل أن يكون لإيران حق الانتفاع بها سواء بسواء..

أما ما حدث في الجزر العربية الثلاث التابعة للامارات المتحدة فهو عدوان قائم من جانب ايران ولن تنتفي منه استمرارية العدوان إلى أن تعود هذه الجزر الثلاث إلى الوطن الأم، وحيث لا تملك ايران أي سند قانوني أو وثائقي يتيح لها المشاركة في ملكية هذه الجزر العربية ولا حق الانتفاع أيضاً، ومن ثم فإن ايران تعتبر من وجهة نظر الواقع التاريخي والقانون الدولي دولة معتدية على ملكية الغير بقوة السلاح.. وذلك هو الواقع الحقيقي الذي يدفع حكومة »طهران« إلى التهرب من القبول بالتحكيم وبالتالي تفادي مواجهة قضاء محكمة العدل الدولية من دون أسلحة وثائقية أو حجج ملكية..

ومن هنا ومن واقع الحقيقة..

جاءت نقطة الضعف في نظام محكمة العدل الدولية. كيف؟

والجواب في سؤال: ما ذنب انسان أو دولة أو حتى شركة يملك كل منهم وسائل الاثبات للملكية الشرعية في حقه الذي يطالب به، ولمجرد أن خصمه المغتصب يرفض اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، لا يكون لصاحب الحق شرعية التقدم بمفرده إلى هذه المحكمة، ما دام خصمه لا يوافق على المثول أمامها؟؟

ومن هنا..

كثيراً ما تكون حقوق الدول الصغيرة معرضة للضياع، حيث يتيح هذا النظام الدولي للمعتدي أن يبقى على عدوانه دون أي مساءلة قانونية، وياويل المعتدى عليه وهو صاحب الحق إذا لجأ إلى المحاكم المدنية العادية عليه أن ينتظر من دون حدود زمنية من أجل انقاذ هذا الحق من قبضة المعتدي الذي يعض عليه بالنواجذ، ودون أي مخافة من عقوبة السماء!!

نعود إلى الإجابة عن تساؤلات بعض الإخوة من القراء..

بالنظر لملكية الإمارات العربية المتحدة للجزر الثلاث، فإن هذه الملكية غير قابلة للمساومات خارج دائرة الحق الثابت الذي لا تقبل التعامل بلغة الصفقات السياسية كما حدث في قضية شط العرب..

 فالإمارات العربية المتحدة تحترم نظامها كدولة مؤسسات لا تخضع لسيطرة فردية وإنما تخضع للغة الحوار الذي يحترم الرأي والرأي الآخر، وتأتي قراراتها مجسدة لمبدأ المشاركة الديمقراطية في صنع القرار.. هذا أولاً.

أما ثانياً ـ فإن شعب الإمارات المتحدة يؤمن بالمبدأ الراسخ الذي يقول: إن أي حق لا يمكن أن يضيع ووراءه مطالب.. وإذا كانت جمهورية ايران الاسلامية تبدو غير متلاقية حالياً مع بعض المبادىء التي تكرس عملية الوفاق العادل بين الجارين المتنازعين.. فذلك ربما يكون خارجاً مرحلياً عن إرادتها، إما لسطوة بعض القوى المضادة في تركيبة الحكم الايراني الراهن والتي تتخذ من الأفعال ما يحدث انزعاجاً وغضباً في المجتمع الايراني! ومع الأخذ في الاعتبار أيضاً أن الذين قد تضطرهم ظروف ضاغطة إلى المجاهرة بآرائهم الكاملة وخاصة من رموز الاعتدال في طهران، سواء وقت حكم ثاني رئيس للجمهورية الاسلامية »هاشمي رفسنجاني« أو تحت حكم الرئيس الحالي الدكتور محمد خاتمي والذي أصبحت العين عليه من جانب »الخوارج« منذ اكتساح مؤيديه صناديق الاقتراع من الشباب ذكوراً وإناثاً أصبحت العين عليه أيضاً كرافد واضح الأهداف من روافد الديمقراطية والاعتدال والحكمة الرزينة التي تصد بقوة تيار المتشددين من الأصوليين!!

إذا كان التساؤل الذي ورد في رسائل بعض المواطنين له مغزاه في الإشارة إلى أن أسلوب التعامل الثوري في »طهران« مع الجزر العربية المحتلة يمثل جوهر التعامل الامبراطوري في عهد أسرة الشاه بهلوي، مما يعتبر شكلاً من أشكال الامتداد لحكم الأسرة الملكية المخلوعة.. فإن ظواهر الحال تقول: نعم.. لكن جوهر الحقيقة قد يكون غير ذلك.. لكنها غير قابلة مرحلياً للإعلان!!

 أريد أن أقول، إن الشجاعة في احتضان الحق والمجاهرة به هي من شيم الحكام الشجعان أياً كانت النتائج المحتملة.. وهذا ما ننتظره من قادة »طهران« سداً لباب الفتق في هذه المنطقة الحساسة التي تسلط عليها الأضواء وتلتقي عندها عيون كل الطامعين!

ومن ثم.. كنا نتوقع فيما ران من ضباب على العلاقات بين دولة عربية صديقة كالإمارات المتحدة وبين جمهورية واعدة تلتقي عندها كل عيون الطامعين والمتربصين، كنا نتوقع منها أن تحسم »طهران« هذه الأزمة دون أن تعلقها على مشاجب الانتظار والتسويف الذي يضر أكثر مما يفيد، وذلك لقطع الطريق أيضاً على سماسرة الأزمات وعملاء الشائعات وليس هناك أخطر مما تقوم به القوى الصهيونية وعملاء الموساد »الاسرائيلي«، التي تحاول بأسلحتها القذرة أن تشعلها فتنة لا يهدأ أوارها بين قادة العرب وآيات الله في إيران!!

 وإذا كانت بعض القوى الأصولية أو المتطرفة في »ايران« تحاول سد الطريق أمام أي مبادرات ايجابية من جانب الرئيس خاتمي، فإن المبادئ الاسلامية ترفض التعصب العنصري أو العرقي، بل وتدين كل ما تراه قيداً على حقوق الآخرين.. وإذا كانت الحرب التي اندلعت في بداية الثمانينات بين العراق وايران تعتبر نقطة قاتمة في تاريخ العلاقات بين الشعبين الجارين إلا أنها تمثل تحذيراً لكل من يحاول مرة أخرى أن يدق طبول الحروب، وفي زمان تدور فيه الدائرة على البغاة!!

قال الشاعر:

وإذا رأيتَ المرءَ يشعب أمره         شَعْبَ العصا ويلج في العصَيانِ

فاعمد لما تعلو فما لك بالذي          لا تستطيع من الأمور يدان