جريدة الخليج 7/3/99

 

معنى الاستثناء         

 

تعرف إيران، وبالذات ايران »الجمهورية الاسلامية«، ان لها مكانة خاصة قريبة من القلب الى الشعب العربي، كل الشعب العربي، من مغربه الى مشرقه. كما تعرف ان دورها المميز، سواء على مستوى الصراع العربي ــ »الاسرائيلي« بصفة خاصة، أم على مستوى المواجهة بين »المستضعفين« و»قوى الاستكبار العالمي«، دور يقدره كل عربي ويعوّل عليه كثيرا. ولذلك نجد الرهان العربي على التنسيق والتعاون العربي ــ الايراني يكتسب كل يوم دعما جديدا وقناعة جديدة على المستويين الشعبي والرسمي في الوطن العربي.

والتعاون الحقيقي والبناء يجب ان يرتكز على قاعدة قوية وراسخة من الثقة والطمأنينة والاحترام المتبادل، فهذه الامور هي التي تخلق وترسخ التوافق والتجانس في الرؤى والتوجهات السياسية التي هي قاعدة أي نوع من انواع التعاون العربي ــ الايراني المطلوب.

ايران تعرف هذا وذاك، تعرف مكانتها لدى العرب وتعرف شروط ومتطلبات التعاون المشترك، لكنها، فوق ذلك، تعرف ايضا ان الولايات المتحدة و»اسرائيل« بصفة اساسية اضافة الى قوى دولية اخرى لا يروق لها مثل هذا التعاون، بل انها تريد تمزيق العلاقات العربية ــ الايرانية، وتريد زرع الشك والريبة بين العرب والايرانيين كي تتمكن من فرض سيطرتها وهيمنتها على المنطقة، وكي تجهض اي دور اقليمي مميز لإيران.

 واذا كانت ايران قد وقعت، مثلها مثل العراق، تحت سطوة سياسة الاحتواء المزدوج الامريكية، واذا كان العراق قد دفع الثمن الأكبر لهذه السياسة، وقد يدفع اثمانا اخرى تصل الى حد تمزيقه وتدميره وفق مخططات امريكية مدروسة تتخفى وراء مسرحية »اسقاط نظام صدام«، فإنها هي الاخرى، اي ايران، ستكون معرضة في المستقبل لنوع من أنواع القهر والتسلط هدفه العودة بإيران من عهد الجمهورية الاسلامية الى عصر ايران الشاه، شرطي امريكا في الخليج.

 هل يدرك الايرانيون حقيقة المخططات الامريكية في العراق وايران والخليج عموما؟ وهل يعرفون أين يقع الدور »الاسرائيلي« ضمن هذه المخططات؟

من المؤكد ان صانعي السياسة في طهران يعرفون ويدركون هذا كله ورغم ذلك نجدهم عند مواقفهم وسياساتهم التقليدية التي تتعارض تماما مع المصالح الاستراتيجية الايرانية، وخاصة هدف تثبيت علاقات استقرار وتعاون اقليمي وتحجيم النفوذ الامريكي ومنع تسرب النفوذ »الاسرائيلي« الى المنطقة.

دليلنا على ذلك اصرارهم الغريب بخصوص جزر الامارات. فالايرانيون يعرفون ان هذه الجزر تسلمها الشاه من بريطانيا قبيل انسحابها من الخليج بيوم واحد ضمن »صفقة« دولية واقليمية في وقت لم تكن فيه دولة الامارات قد ولدت بعد. ويعرفون ان الامارات لا تريد ان تفرض سياسة من جانب واحد بخصوص هذه القضية ويهمها ان تعرضها للتحكيم الدولي. فإذا كان حكم المحكمة الدولية لصالح ايران فلتهنأ بذلك. اما اذا كان الحكم لصالح الامارات فسوف يذهب حرج اية ضغوط داخلية عن كاهل السلطة الايرانية. وعندها تثبت ايران بقبول الحكم انها دولة كبيرة فعلا وجديرة بالثقة، ومن ثم تتفتح كل آفاق التعاون بينها وبين كل دول مجلس التعاون وكل العرب.

ايران لا تريد ذلك، وتريد ان تستثني مشكلة الجزر الثلاث من أجندة علاقاتها مع دول المجلس. وهي عندما تفعل ذلك فإنها اما ان تكون ترمي الى دق أسفين في العلاقات بين دول المجلس، وهذا لن يحدث، وفق التزام دول المجلس بتبني موقف الامارات بخصوص الجزر، واما انها لا تأبه بوحدة الموقف الخليجي كله، عندها ستكون سياساتها الخليجية والعربية كلها مثار شك وعدم ثقة، وحتماً ستدفع هي قبل غيرها ثمن ذلك فادحا.

 

د. محمد السعيد ادريس