جريدة الخليج 7/3/99 

 

شيء ما        

 

عن موضوع الجزر..

 

ما من موقف في السياسة الخارجية الايرانية يبدو نقيضا للتوجهات الانفتاحية التي ينهجها الرئيس الايراني محمد خاتمي والفريق الذي يناصره كالموقف الايراني المتصلب إزاء مسألة الجزر العربية الثلاث التابعة لدولة الامارات العربية المتحدة، والتي قدمت في أشبه ما يكون بالصفقة مع شاه ايران الراحل محمد رضا بهلوي وسط تواطؤ دولي معروف. والواقع ان شعوب المنطقة ودولها كانت قد تفاءلت خيرا بعد سقوط نظام الشاه، وعقدت الأمل على ان الحكومة الجديدة التي جاءت بها الثورة الاسلامية ستتخلى عن النهج التوسعي الذي اتبعه النظام الامبراطوري المخلوع في سعيه نحو دور اقليمي معلوم انه لم يكن فيه بعيدا عن تشجيع من الدول الغربية، غير ان الآمال سرعان ما خيبت خاصة ان العلاقة بين ايران ودول الخليج انتابتها غيوم من الشكوك وعدم الثقة في ظل سياسة ايرانية لم تكن مفهومة، في منطقة مليئة بكل الأسباب الكامنة للتوتر تحت ضغط الاهتمام الدولي بها وبثرواتها. وبالقطع فإن مجيء الرئيس خاتمي الى السلطة والتدابير التي اتخذها في اتجاه كسر طوق العزلة عن ايران وتطبيع علاقاتها مع المحيط الخارجي قوبل بعين الرضا في دول الخليج، حكومات وشعوبا، وكان المؤمل بطبيعة الحال ان مثل هذا التطبيع مع الخارج انما يجب ان ينطلق في البدء من المحيط الأقرب، اي من المحيط الاقليمي الخليجي، ورغم ان الأمانة تقتضي تسجيل حقيقة ان ثمة اشارات او خطوات قامت بها ايران تجاه دول المنطقة، قوبلت في حالات كثيرة بخطوات جوابية مشابهة، لكن ايران تحاشت بالمقابل الاقتراب من المناطق او العوامل التي تشكل البواعث الحقيقية لعدم الثقة بينها وبين جيرانها على الضفة العربية من الخليج، ولاشك ان قضية الجزر العربية المحتلة من قبل ايران هي ومن دون منازع في مقدمة هذه المناطق. بل الغريب ان الموقف الايراني مال الى التصعيد ازاء هذه القضية في ظرف تبدو فيه مصلحة قوى خارج الاقليم الخليجي ليس فقط في عزل ايران وانما استنزاف المنطقة كلها عبر استثمار عوامل الخلاف والدفع بهذه العوامل نحو الانفجار او حافته، وهو أمر يجب ألا يغيب عن بال الساسة الايرانيين، وفي مقدمتهم رموز التيار المعتدل الذي من مصلحته تهيئة الظروف الملائمة لنجاح النهج الذي يسعى فيه، وليس من شك ان علاقة طيبة مع دول الجوار هي في مقدمة شروط تهيئة هذه الظروف، والمؤكد كذلك ان تسوية موضوع الجزر مع اصحابها الشرعيين، اي مع دولة الامارات، هو الشرط الأول الناجز لمثل هكذا مهمة.

 ليس من مصلحة دول المنطقة على الضفتين العربية والايرانية اي صورة من صور التوتر والمجابهة، ويكفي المنطقة ما دفعته من أتعاب وأثمان باهظة في حروب ومواجهات كان بالإمكان تفاديها وعدم الانجرار نحو شراكها، لو ان الحكمة طبعت سلوك من تورطوا فيها وورطوا المنطقة برمتها معهم، ولعل المسؤولين في ايران يتنبهون الى هذه الحقيقة، فيقومون من جانبهم بالتدابير المؤدية الى نزع فتيل التوتر وتجنيب المنطقة المخاطر.

 

د. حسن مدن