جريدة الوفد تاريخ 11/10/1992

 

اضواء جديدة على جريمة استيلاء ايران على الجزر العربية

بقلم: عبدالهادي البكار النعيمي

 

قرأت في الصفحة السابعة من جريدة »الوفد« الغراء الصادرة صباح يوم الجمعة 1/10/1992 الملاحظات التي تفضل صلاح الدين السعدني بإبدائها حول ما جاء في مقالتي المنشورة في جريدة »الوفد« بتاريخ 22/9/1992 تحت عنوان »زايد وقضية ابوموسى في حضن مصر« (إن الباطل كان زهوقا) التي تضمنت معلومات نشرت لأول مرة في العالم عن قضية الجزر العربية الثلاث، وهي القضية التي كانت لي بها صلة عضوية ميدانية، اتاحت لي فرصة الاطلاع اطلاعا مباشرا على كل تفاصيلها الخفية والمعلنة.

وقد اسعدني حقا ان يبادر السعدني الى ابداء ملاحظات حول بعض ما ورد في مقالة لي نشرتها مؤخرا في »الوفد« واسعة الانتشار عن قضية الجزر العربية الثلاث، في الوقت الذي اندفعت فيه هذه القضية ــ التي كانت من قبل شبه منسية ـ نحو الواجهة بصورة مباغتة للرأي العام العربي والدولي الذي يكاد لا يعرف اليوم عنها شيئا من تفاصيلها كما كانت حدثت قبل نيف وعشرين عاما. ويؤسفني ان صلاح الدين السعدني ذكر انني اوضحت في مقالتي ان المغفور له الشيخ خالد بن محمد القاسمي حاكم الشارقة السابق ارسل بدءا من 30/11/1971 رسائل استنجاد الى الدول العربية، فلم تكلف واحدة منها عناء نجدته.. الخ.

وإذا ما عاد القارئ الى مقالتي فسيكتشف ان السعدني اسند اليّ ما لم اذكره، وإنما الذي ذكرته هو أن الشيخ خالد ــ رحمه الله ــ بدأ بإرسال رسائل الاستنجاد الى دول الجامعة العربية قبل عشرة اشهر من حلول يوم 30/11/1971 وهو تاريخ يوم احتلال ايران للجزر الثلاث، هذه واحدة.. اما الثانية فإن السعدني يلاحظ ان »قرار العقيد القذافي بتأميم شركة البترول البريطانية في ليبيا جاء يوم 19/12/1971 اي قبل احتلال ايران للجزر، وليس بعده، وردي على هذه الملاحظة ان تاريخ اعلان القذافي لقرار تأميم شركة البترول البريطانية  في ليبيا (وهو تاريخ 19/12/1971) جاء بعد عشرين يوما من تاريخ اليوم الذي احتلت فيه ايران الجزر العربية الثلاث، وهو يوم 30/11/،1971 وليس قبل تاريخ احتلال ايران للجزر.

وبما ان صلاح الدين السعدني ابلغ القراء العرب بأنه قد ساق ملاحظاته، ليصحح بها المعلومة المغلوطة التي اوردتها في مقالي عن قضية احتلال ايران للجزر الثلاث، فإن من حقي إذن ان اشكره على مبادرته الطيبة هذه، ولن يقبل مني تأكيدي مرة اخرى، على ان الصحيح هو ما ذكرته انا في مقالتي الجادة عن قضية الجزر الثلاث، المنشورة في جريدة الوفد الصادرة يوم 22/9/1992.

ولعلني انتهز هذه المناسبة لاطلع الرأي العام العربي عبر جريدة »الوفد« الغراء، على »حادث« الزيارة الخاطفة التي قام بها عبدالسلام جلود للشارقة بصورة مفاجئة تماما، عقب وليس قبل احتلال ايران للجزر الثلاث، كما عشته بنفسي!

بفشل المغفور له الشيخ خالد بن محمد القاسمي حاكم الشارقة السابق في كل المحاولات التي قام بها للاستنجاد بدول الجامعة العربية في الفترة من صيف عام 1970 وحتى يوم احتلال ايران للجزر الثلاث بتاريخ 30/11/،1971 لم يكن امامه من حل آخر سوى الرضوخ للضغوط التي مورست ضده للتوقيع على اتفاقية (ترتيبات) مع ايران تنقذ ما كان يمكن بالاتفاقية يومئذ انقاذه، وهو نصف مساحة جزيرة ابوموسى، ونصف العوائد النفطية الخاصة بثلاث آبار بترول لم تكن بدأت عطاءها بعد، وكان اكتشافها لم يعلن بعد، وهي الآبار المسماة بـ »حقل مبارك« وتسمية هذا الحقل البترولي باسم »مبارك« يشكل دليلا اضافيا على ان ايران الامبراطورية الشاهنشاهية كانت تعرف جيدا ان هذه الجزيرة عربية التاريخ والانتماء منذ اقدم العصور، فلماذا لم تفعل ذلك وفي تاريخ مصر وايران في النصف الاول من السبعينات ما يشير الى ما يحسن الآن استذكاره، وهو ان شاه ايران محمد رضا بهلوي، المرتبط يومئذ بصداقة حميمة مع الرئيس انور السادات، ارسل الى الرئيس المصري الراحل يعاتبه على ورود صفة »العربي« مقرونة باسم الخليج، في كلمة القاها في احدى المناسبات الوطنية المصرية، ويهدده بأنه - اي شاه ايران - سيكون مضطرا الى وصف »قناة السويس« بـ »قناة داريوس« باعتبار ان داريوس الفارسي هو الذي شق قناة السويس خلال سنوات الحكم الفارسي لمصر.

 

زيارة مفاجئة

 

عقب الاحتلال الايراني للجزر الثلاث، بيوم او يومين فوجئت بالمرحوم الصديق سعيد الدرمكي مدير التشريفات في ديوان الرئاسة في ابوظبي يسارع بالاتصال بمساعديه ليصدر اليهم الامر بالتوجه فورا الى مطار ابوظبي لاتخاذ ما يمكن اتخاذه من الترتيبات العاجلة لاستقبال عبدالسلام جلود الذي كان وصل قبل دقائق في طائرة ليبية خاصة، دون اشعار مسبق، الى المطار، وعلى الرغم من كل الجهود التي صرفها سعيد الدرمكي يومئذ لاتخاذ الترتيبات العاجلة لاستقبال الرجل الثاني في ليبيا استقبالا يليق بروتوكوليا بمنصبه الرسمي الرفيع، فقد شكل وصول جلود المباغت، دون اشعار مسبق بوصوله الى مطار ابوظبي، احراجا شديدا لمدير التشريفات في ابوظبي ــ رحمه الله ــ الذي ما كاد يصل بسيارته المسرعة الى باب المطار حتى فوجئ بعبدالسلام جلود يهم بالتوجه الى امارة الشارقة، كان تقديري ان لوصول جلود الى ارض الامارات صلة حتمية بقضية احتلال ايران للجزر الثلاث، سارعت الى كتابة خبر عن محادثة جلود مع حاكم الشارقة ارسلته عبر الهاتف مع تحليل سياسي الى جريدة »الانوار« اللبنانية التي نشرته في اليوم التالي، وفيما يلي موجز لما كتبته ونشرته في جريدة »الانوار« اللبنانية في اليوم التالي للقاء جلود بالشيخ خالد ــ رحمه الله ــ.

 

حرب شعبية

 

قال لي الشيخ خالد، ان عبدالسلام جلود دخل عليه في مجلسه وهو في حالة غضب وغليان شديد، معاتبا على توقيعه الاتفاقية مع ايران، فلما اوضح له الشيخ خالد الظروف والاسباب الموضوعية التي ارغمته على التوقيع، طلب اليه جلود التعاون مع ليبيا لخوض »حرب شعبية« لتحرير جزيرة ابوموسى من الغزاة الايرانيين، أوضح الشيخ خالد لعبدالسلام جلود ان عدد افراد الشرطة في امارة الشارقة، قليل جدا، وليس فيها شبان مدربون على خوض غمار حرب شعبية، ومع ذلك طلب جلود من الشيخ خالد السماح لليبيا بإرسال مقاتلين شعبيين من ابنائها ومن ابناء دول عربية اخرى لبدء حرب شعبية تنطلق من شواطئ الشارقة لتحرير جزيرة ابوموسى وقد علق الشيخ خالد على ذلك بإيضاح صعوبة بل استحالة خوض حرب شعبية فوق اراضي جزيرة ابوموسى بسبب صعوبة بل استحالة مد »قوات التحرير الشعبية العربية« بخطوط تموين، وقال لي الشيخ خالد ــ رحمه الله ــ ان عبدالسلام جلود كان يومئذ منفعلا غاضبا جدا، وكان واضحا انه صادق جاد في عرضه، لكن الظروف الموضوعية كانت يومئذ في كل جوانبها لا تساعد على ترجمة هذا الغضب العربي، بفعل حربي شعبي عمليا، في نهاية الاجتماع اقترح الشيخ خالد على عبدالسلام جلود ان تنطلق الحرب الشعبية العربية المقترحة من ارض العراق لنسف خزانات البترول الايرانية وربما يكون عبدالسلام جلود قد توجه بعد ذلك من الشارقة الى العراق للتشاور حول هذا الاقتراح الذي طرحه الشيخ خالد ــ رحمه الله ــ ولا نعلم من تلك المشاورات حتى الآن شيئا.

 

مجلس الجامعة

 

هذا هو موجز لما كتبته ونشرته ــ باسمي في ــ جريدة »الانوار« اللبنانية في اليوم التالي لاجتماع جلود بالشيخ خالد ــ رحمه الله ــ.

ولعلي اضيف الى ذلك كله ما اعتقد ان الرأي العام العربي في المرحلة الراهنة ليس له علم به من قبل، وهو ان مجلس وزراء الخارجية العرب عقد جلسة طارئة في مقر جامعة الدول العربية في القاهرة قبل ايام من احتلال ايران للجزر الثلاث بتاريخ 30/11/،1971 ناقش فيه المؤتمرون قضية مستقبل عروبة الخليج، وبصفة خاصة قضية الجزر العربية الثلاث التي كان شاه ايران قد اعلن بكل الوضوح عن عزم ايران على احتلالها فور شروع القوات البريطانية بالانسحاب عمليا من منطقة الخليج (شرقي قناة السويس).

وفي ذلك الاجتماع اتخذ مجلس وزراء الخارجية العرب قرارا سريا غير معلن (؟!)، مؤلفا من بندين: الاول يقضي بإرسال قوات عربية عسكرية مشتركة الى الجزر الثلاث للمرابطة فيها قبيل حلول الساعة الاخيرة من الوجود البريطاني العسكري في الخليج، الثاني يقضي بإرسال لجنة رباعية منبثقة عن مجلس وزراء الخارجية العرب في مهمة عاجلة دبلوماسية الى طهران لإجراء مباحثات مع القيادة السياسية الايرانية تهدف الى اقناع ايران بالتخلي عن قرارها باحتلال الجزر، وفي نهاية ذلك الاجتماع تقدمت احدى الدول العربية باقتراح وافق عليه المجلس، يقضي بـ »تأجيل« موعد توجه قوة عربية مشتركة للمرابطة في الجزر الثلاث حرصا من العرب على عدم استفزاز ايران خلال وجود اللجنة الرباعية في طهران لاجراء مباحثات دبلوماسية مع ايران وقد وافق المجلس بالإجماع يومئذ على هذا الاقتراح.

ومادام الامر كان عام 1971 كذلك، فإن قضية الجزر العربية الثلاث إذن، تستصرخ الضمير العربي القومي، والضمير الدولي، لمناصرتها بقوة وحماس مناصرة تكفل في نهاية الشوط، اعادة الحق السليب الى اصحابه، واصحاب هذا الحق هم وحدهم عرب الامارات بصفتهم جزءا من عرب الخليج، وبصفة عرب الخليج جزءا من الامة العربية وبصفة الامة العربية جزءا حيويا من المجتمع الدولي.

اللهم قد بلغت اللهم فاشهد.