جريدة الوفد تاريخ 29/9/1992

 

الاستراتيجية الامريكية في العالم الثالث النموذج الايراني (1)

علي سعيد

 

اعاد القرار الايراني بممارسة السيادة على جزيرة »ابوموسى« ــ وهي احدى الجزر الثلاث التي تحتلها ايران منذ عام 1967 ــ الى الاذهان المخاوف التي سبق ان ترددت محذرة من قرب استواء ايران كقوة عسكرية تقليدية ونووية وكيماوية خطيرة قادرة على تهديد منابع النفط وسبل المواصلات الجوية والبحرية التي تؤمن الهيمنة العالمية للولايات المتحدة وهو امر يحتاج لقليل من التدقيق.

 

الطموح الايراني مأزق يطرح نفسه على الولايات المتحدة بعد القضاء على العراق

 

بعد البيروسترويكا وما اعقبها من تفتيت وتدويل سريع لدولة ظلت ما يقرب من نصف قرن قوة عظمى لا تبارى ثبت علميا ان الاخفاق التام لم يكن من نصيب الانظمة الشرقية المسماة »اشتراكية« فحسب بل وايضا مطامح بلدان الجنوب في الاستقلال الوطني والخلاص من التبعية السياسية والاقتصادية، لقد انتهى عهد باندونج ذلك الذي ارسى موقفا جديدا غير منحاز وكيانا سياسيا متميزا للعالم الثالث في عالم استقر على اساس حالة القطبية الثنائية التي شطرت العالم الى شطرين متباينين شكلا ومضمونا وبدأت مرحلة جديدة كانت اهم تجلياتها محاولة الاقطاب الرأسمالية (امريكا، المانيا اليابان) وهي المتحالفة مرحليا على الاقل توحيد العالم عبر وحدة السوق وعلى اساسه لقد تجلى ــ عبر حرب الخليج ــ عزم الولايات المتحدة على اظهار:

1- ان النظام الدولي الجديد سيفرض على شعوب آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية بالعنف الذي قد يصل الى حد التهديد بالابادة الجماعية في نهاية المطاف حيث يقود الانشغال بتجنيب الجيوش الامريكية خطر المواجهة الارضية الى تصور عن الحرب يستلزم التدمير الكامل للبلد الخصم ولسكانه حتى ان كان هذا البلد لا يملك القدرة على تهديد الامن الامريكي.

2- ان موقف الولايات المتحدة من العالم ينبع ــ في الاساس ــ من ايمانها بفكرة »الرسالة الكونية« حيث لا تتوافر امريكا على اي استعداد لأن تعود انعزالية كدأبها قبل الحرب العالمية الثانية إذ ان لها مصالح ينبغي تأكيدها والدفاع عنها في العالم اجمع وبشتى السبل بما فيها استغلال فكرة الوعي البيئي وافكار حقوق الانسان كذريعة اضافية لتأكيد مثل هذه الرسالة.

3- انه لم يعد للولايات المتحدة من الآن فصاعدا شريك مؤثر في بناء نظام عالمي جديد حيث يظل دور المانيا واليابان وهما اقوى القوى الاقتصادية المرشحة لأن تلعب دورا قياديا على الساحتين الاقليمية والدولية ــ دورا قاصرا طالما ظل ممهورا ومرتهنا ــ خصوصا في لحظات الحسم ــ بدور القوات المسلحة الامريكية.

ولكن إذا كانت المانيا ــ كقاطرة تجر اوروبا ــ واليابان في نهاية المطاف حليفين اساسيين للولايات المتحدة يتقاسمان الانشغال ذاته لحماية النظام الرأسمالي بما يعني بقاء النزاع محصورا في حدود المنافسة التجارية فستكتسب ــ بالمقابل ــ نزاعات الشمال مع الجنوب صيغا سياسية بل وعسكرية عنيفة فها هو العراق ــ ما قبل الحرب ــ يثبت ان القوى الاقليمية المتوسطة قادرة ليس فقط على تحقيق قفزات من الازدهار عبر النمو والتصنيع بل وايضا على التحول الى قوى عسكرية خطيرة يمكنها تهديد سبل المواصلات البحرية والجوية بل ومنابع النفط والمواد الخام الرئيسية التي تؤمن الهيمنة العالمية للولايات المتحدة ومن هنا يأتي الخطاب السياسي الامريكي ليشدد على الاهمية الحيوية للحفاظ على مناخ سياسي ملائم للخصخصة والمبادرة الحرة في مجموع دول العالم الثالث مع محاصرة جيوب التخطيط المركزي عبر وسيلتي الترغيب والترهيب وهو ما يؤكد الوعي بأن العالم الثالث لم يعد هامشيا في حلبة التناقض بل انه صعد ــ خصوصا بعد زوال الاتحاد السوفييتي وحالة القطبية الثنائية  ــ ليكون الطرف الرئيسي في هذا التناقض.

لكن إذا كان هذا الوعي قد لعب دوره كمبرر ــ حتى قبل غزو الكويت في 2 اغسطس ــ لتوجيه ضربة ساحقة للقوة العسكرية والاقتصادية المتنامية فماذا ستفعل الولايات المتحدة وما هي خيارات الاستراتيجية الامريكية امام العديد من دول العالم الثالث ذات الوضعية الشبيهة بوضعية العراق كإيران؟!

ان الاختلال الهيكلي في الاقتصاد الامريكي وبالتالي العجز المادي هو الذي سيحسم اجابة واضحة عن مثل هذا السؤال ففي حرب الخليج استلزم الامر حشد اكثر من 700 الف جندي، 75% من الطيران التكتيكي، 40% من الدبابات لكي تستطيع واشنطن ان تهزم بلدا ناميا ناتجه القومي يعادل ناتج البرتغال وهو البلد الذي لم يستطع ان يحشد للمعركة البرية سوى 175 الف جندي، وهو المجهود الذي لم تكن واشنطن قادرة عليه لولا تعهدات حلفائها بدعم يصل الى 53،9 مليار دولار وهو اكثر من التكاليف الفعلية للحرب وهو ما لن يحدث مرة اخرى.

كذلك لن تستطيع الولايات المتحدة ان تحتفظ بقوات تسمح لها بعمل آخر في مثل هذا الحجم بل على العكس ففي الوقت الذي ستتحدد فيه هوية الجالس على مقعد الرئاسة في البيت الابيض ستكون امريكا مدينة لباقي العالم بحوالي الف مليار دولار تتطلب مدفوعات سنوية تصل الى حوالي 77 مليار دولار كفوائد اضافية الى عجز في ميزان المدفوعات يصل الى 96،6 مليار دولار وهو العجز الذي كانت تغطيه الى وقت قريب الفوائض المالية الالمانية ــ اليابانية غير ان الفائض الالماني قد تم استنزافه في تكاليف ضم واستيعاب المانيا الشرقية كذلك اعاد اليابانيون رؤوس اموالهم الى الوطن في محاولة لتغطية غطائهم البنكي ولتخفيف مشاعر العداء العنصري التي تواجههم عند شراء اي مؤسسة صناعية او تجارية امريكية مما يستلزم احد حلين اما زيادة كبيرة في الضرائب (وهو الامر الذي لا يستطيعه بوش الذي اجبرته ظروف حملته الانتخابية على الاعتذار عن الزيارة في الضرائب التي فرضها عام 1990) او اجراء تخفيضات كبيرة في الانفاق الدفاعي الذي بلغ 5،8% عام 1989 ــ اي ما يزيد على 300 مليار دولار ــ وهو امر قد يزيد من مشكلات الاقتصاد الامريكي بحساب الضرر الواقع على قطاع الصناعات العسكرية الذي هو احد اهم قطاعات الاقتصاد الامريكي ومن هنا يرى البعض ان الولايات المتحدة لن تستطيع تحمل هذا النوع من القطبية الفردية الكونية منطلقين من حقيقة ان الملك  قد فقد هيبته وان الولايات المتحدة قد اصبحت مستنزفة إذ انه »لا يمكن لدولة مدينة ان تظل دولة عظمى إلا إذا رضي حلفاؤها الاثرياء بدفع حسابها، كما عبرت صحيفة »بوسطن جلوب« لذا يرجح هؤلاء ان تنحرف السياسة الامريكية بشكل مفاجئ بعيدا عن فكرة السلام الامريكي عائدة الى عزلة مخملية في نصف الكرة الغربي متذرعة بسياسات انكماشية ترافقها اجراءات للحماية الجمركية.

غير ان هذا التصور يظل تصورا قاصرا إذ انه يؤسس موقفه هذا على فرضية انتهاء اسس التناقض والصراع بالانتصار النهائي للرأسمالية عقب تفتت الاتحاد السوفييتي وتهميش العالم الثالث سواء من حيث هو مصدر للتزود بالمواد الاولية او من حيث هو سوق لصادرات دول المركز الرأسمالي ومحل لتوظيف اموالها فمن الناحية السياسية ازداد اهتمام الدول المتقدمة ببعضها بعضا وتعمق الاعتماد المتبادل بينها فباحتلال اوروبا الشرقية مكان الصدارة في اهتمامات اوروبا الغربية ستتقلص اهمية العالم الثالث اضافة الى ان انتهاء الحرب الباردة سوف يغير من الاهمية الاستراتيجية لبعض بلدان العالم الثالث التي استمدت هذه الاهمية من اعتبارات هذه الحرب.

ومن الناحية الاقتصادية يتبدى التهميش في تفاقم ازمة ديون العالم الثالث وتعقد مشكلاته علاوة على تأثير الثورة التكنولوجية المعاصرة ــ في مجال الاحلال المواد ــ على اهمية كثير من المواد الخام التي تصدرها دولة اضافة الى ما تمثله اكتشافات الثروات المعدنية في امريكا الشمالية واستراليا ــ من تقليص لأهمية مساهمات دول العالم الثالث في الاقتصاد العالمي.

غير ان هذا الضعف النسبي لمساهمات دول العالم الثالث في الاقتصاد العالمي ــ على صحته ــ يظل مرتبطا ارتباطا مباشرا بالضعف العام لمجمل الاقتصادات العالمية التي تمر بظرفية ركود حادة ومن هنا فمن المتوقع ان يستعيد السباق على المواد الاولية كامل حدته وهو الامر الذي يعززه عاملان:

1- تطور عمليات التصنيع في العالم الثالث كما تعبر عن ذلك نسب النمو المرتفعة في الصين والنمور الاربعة والنمور اللواحق.

2- ازدياد معدلات الاستهلاك والتبذير الغربي وعلاوة على ذلك يمكن القول انه حتى بافتراض صحة خطر التهميش بالنسبة لمناطق ما من العالم الثالث فإنه يظل غير منطبق على المنطقة العربية وفي القلب منها منطقة الخليج بحكم امتلاكها لأكبر مخزون عالمي من النفط وبحكم موقفها الاستراتيجي على طرق الملاحة البحرية في منطقة شديدة الحساسية من العالم بحكم امكاناتها المالية والاقتصادية فالتحكم في هذه المنطقة يضمن التحكم بسعر النفط ومستوى الانتاج وتأمين التدفق اضافة الى تأمين وظيفة 16 الف امريكي يعملون في المنطقة كما ان صادرات دول الخليج تؤمن اكثر من مائة الف وظيفة داخل الولايات المتحدة نفسها.

ومن هنا يأتي تصور آخر للاستراتيجية الامريكية اقرب الى التصور الامني يؤمن بأن انتهاء الحرب الباردة لا يعني نهاية التنافس العسكري بين الدول بل يؤدي ذلك الى زيادة عدم الاستقرار وتصاعد العنف في مناطق محددة وعليه يجب على القوات المسلحة الامريكية ان تكون جاهزة للعمل كقوة تخدم الاستقرار في كل جزء من العالم.

حقا لم يختف الصراع في جوهره وإنما فقط تبدلت الادوار والتحالفات وتغير الموقف في المرحلة القادمة ليصبح العالم الثالث وليس اليابان ولا المانيا ــ هو المصدر الرئيسي لتهديد النظام الرأسمالي العالمي الذي مازالت الولايات المتحدة تعتبر نفسها كفيلة وقائدة وراعية، ومن هنا لم يخف المراقبون الامريكيون وحلفاؤهم في الكيان الصهيوني قلقهم من محاولات بعض القوى الاقليمية خصوصا في منطقة الشرق الاوسط ــ المضي قدما في برامجها للتسلح وخصوصا بالاسلحة غير التقليدية.

فها هو تقرير مركز »سيمون ويزنتهال« يؤكد »ان ايران وسوريا وليبيا تقوم بتحويل التكنولوجيا والمعدات التي تصلها من مئات المصانع الغربية لخدمة الاغراض المدنية لاستخدامها في تصنيع اسلحة نووية وكيماوية وبيولوجية اضافة الى الصواريخ العابرة الباليستية.

ومن هنا يحذر التقرير من »ان نجد انفسنا في غضون خمس سنوات من الآن في مواجهة دولة مزودة بالسلاح النووي مثل ايران«.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: ماذا ستفعل الولايات المتحدة امام العديد من دول العالم الثالث ذات الوضعية المشابهة لوضعية العراق كإيران والتي تؤكد كثير من الشواهد انها في طريقها لتتبوأ ــ ان لم تكن قد تبوأت بالفعل ــ الموقع الذي كان للعراق قبل حرب الخليج الثانية؟!