جريدة الاهرام تاريخ 27/9/1992

 

بعد 20 عاماً من الصمت

 

إحسان بكر

 

قبل نحو 20 عاما، وقبيل انسحاب القوات البريطانية من الخليج بعد 5 ايام دخلت قوات شاه ايران الى جزر الخليج الثلاث: طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وابوموسى واحتلتها ووقتها اعلن الشاه ان هذه الجزر ايرانية ولا توجد قوة على الارض تمنعنا من استردادها. وقامت قيامة العالم العربي ولم تقعد، ثم عقدت اتفاقية عرجاء مشوهة برعاية وبضمانة بريطانيا العظمى، تقضي بأن تقتسم امارة الشارقة وايران مناصفة عائدات البترول في جزيرة ابوموسى.

ومنذ ذلك الوقت ولا احد في العالم العربي يدري حقيقة الاوضاع هناك، هل ضمها الايرانيون ام لا ومنذ اسابيع احتلت قوات الثورة الاسلامية ابوموسى واعلنت طهران ان القوة لن تدفعها الى التخلي عن الجزر الثلاث ومشددة في الوقت نفسه على رغبتها في علاقات »ودية« مع جيرانها في الخليج. وفي ختام اجتماعات الدورة 98 لمجلس الجامعة العربية اكد وزراء الخارجية العرب وقوف جميع الدول العربية الى جانب دولة الامارات ضد احتلال ايران لجزرها الثلاث واعلنوا تأييدهم المطلق لجميع الاجراءات التي تتخذها الامارات تأكيدا لسيادتها على تلك الجزر.

ومنذ ايام حاولت سوريا التي تربطها علاقات وثيقة مع ايران الوساطة وطار فاروق الشرع الى طهران برسالة من الرئيس الاسد ولكن الجهود تعثرت. ففي الوقت الذي اعلنت فيه دمشق موافقة طهران على الوساطة وتعهد الحكومة الايرانية بالسماح لمواطني الامارات بدخول ابوموسى بدون تأشيرات عادت صحف طهران وشككت في الدور السوري وقالت ان سوريا فقدت مصداقيتها يوم ان وافقت الحكومة السورية على قرارات الجامعة العربية.

وكانت مصادر سورية قد اعلنت ان الرئيس الايراني قد تسلم من الشرع رسالة الرئيس الاسد التي تشدد على ضرورة حل الخلاف وديا ووفقا للمصالح المشتركة وعلاقات حسن الجوار بين البلدين، وذكرت ان وكيل الخارجية الايرانية محمد علي بشاراتي قد اعلن ان بلاده تقبل جهود الوساطة السورية بكل تفاصيلها وان العلاقات بين ايران والامارات ستعود مثلما كانت عليه.

اما الاذاعة الايرانية فقد اعلنت ان رفسنجاني اكد للشرع رغبة بلاده في الابقاء على علاقات صادقة وودية مع جيرانها واكد انه لم يطرأ اي جديد في الموقف الايراني تجاه ابوموسى واضاف اننا نريد علاقات صادقة وودية مع جيراننا خصوصا الدول الاسلامية ودول الخليج »الفارسي«، مؤكدا ان »الضجة« المثارة حول نزاع بلاده ودولة الامارات هي من صنع اولئك الذين يريدون منع تطور العلاقات بين ايران ودول المنطقة!!

وفي لندن نفت الخارجية البريطانية ان يكون تفاهما قد تم مع طهران لبسط سيادة ايران على جزيرة ابوموسى. وقال ناطق رسمي بريطاني: لقد رفضنا استخدام القوة ودعونا الى حل سلمي ان الاتفاقية او »مذكرة الترتيبات« التي وقعت في نوفمبر 1971 برعاية بريطانيا وضمانتها بين ايران وامارة الشارقة لا تتضمن اي نص يحدد مصير الجزيرة والسيادة عليها، بل ان هذه المسألة تركت للحل والحسم لاحقا.

وقد اتفق، وقتذاك على ان ايران والشارقة لن تتخليا عن المطالبة بأبوموسى ولن تعترف اي منهما بمطالب الاخرى، وعلى هذا الاساس اتفق على 6 بنود: ان تصل قوات ايرانية الى ابوموسى وتحتل مناطق ضمن الحدود متفق عليها في خريطة موقعة بالمذكرة وتكون لإيران ضمن المناطق المتفق عليها والمحتلة من القوات الايرانية صلاحيات كاملة ويرفرف عليها العلم الايراني.

وتمارس الشارقة صلاحيات كاملة على بقية انحاء الجزيرة ويظل علم الشارقة مرفوعا باستمرار فوق مخفر شرطة الشارقة على الاساس نفسه الذي يرفع بموجبه العلم الايراني على الثكنة العسكرية الايرانية، وتقر كل من ايران والشارقة بامتداد المياه الاقليمية للجزيرة الى 12 ميلا بحريا وتباشر شركة »غاز اند اويل« استغلال الموارد البترولية لأبوموسى وقاع البحر وما تحت قاع البحر في مياهها الاقليمية بموجب الاتفاقية القائمة والتي يجب ان تحظى بقبول ايران.

وتدفع الشركة نصف عائدات النفط الحكومية الناجمة عن هذه الاتفاقية مباشرة الى ايران وتدفع النصف الباقي الى الشارقة ويتمتع مواطنو ايران والشارقة بحقوق متساوية للصيد في المياه الاقليمية.

الجدير بالذكر ان جزيرة ابوموسى التي تبلغ مساحتها 25 كيلومترا مربعا تقع على مسافة 43 كيلومترا من سواحل الشارقة و67 كيلومترا من سواحل ايران وعلى مقربة من مضيق هرمز ويعيش فيها حاليا نحو 700 مواطن عربي.

الامر المثير للدهشة هو ان صحيفة الجمهورية العراقية قد اعلنت عن استعداد العراق لحماية دولة الامارات من سياسة »الضم« الايرانية.

وكتبت الصحيفة تقول: إذا كانت الامارات العربية قلقة وخائفة من سياسة الضم الايرانية فلاشك ان هناك فرصة تاريخية نادرة لطلب مساعدة العراق الذي صد الخطر الايراني طوال ثماني سنوات!!

ايران تنفذ اليوم نفس ما نفذه صدام حسين عندما غزت قواته دولة الكويت، والغريب ان ايران تعلن بعد ان فرضت سياسة الامر الواقع انها حريصة على استمرار لغة التفاهم والحوار لاسيما مع الدول الاسلامية وبخاصة دول الجوار ثم هي تحذر من الاهداف المشبوهة »للاستكبار العالمي« وللعدو الصهيوني لتشويه سياسة الجمهورية الاسلامية وتوجيه انظار الرأي العام في المنطقة بعيدا عما يخطط له الاعداء من مؤامرات ومكائد ومشاريع هيمنة وتسلط وتضيف ان الجمهورية الاسلامية لا تقبل التفريط في اي ظرف من الظروف بأي امر يتعلق بصميم سيادتها واستقلالها.

نحن ازاء قضية شائكة ومعقدة، والمثير للألم انها بين طرف عربي اصيل يمتلك الحق والمنطق وطرف اسلامي يطالب بحسن الجوار، لكنه يلجأ للقوة ويفرض الهيمنة وسياسة فرض الامر الواقع، لقد تغيرت الامور تماما في ايران إلا السياسة الايرانية تجاه قضية عروبة الخليج، ولعل كل اولئك الذين ترددوا خوفا وحذرا وتشككا من وجود عسكري مصري سوري ضمن اطار اعلان دمشق يصون الامن العربي ويحفظه يدركون الآن بعد احداث ابوموسى اين يسكن الخطر.

والقضية لم تعد الشارقة او دولة الامارات بل هي قضية الامن الخليجي المهدد في الصميم الآن وامن الخليج لمن لايزال على عيونه الغشاوة هو جزء لا يتجزأ من الامن القومي العربي.

ان دولة الامارات تملك القانون والحق الشرعي ولكنها لا تملك القوة، ودول الخليج ايضا تمتلك الحق والثروة ولكنها لا تمتلك القوة، فهل تأتي الحماية من خارج المنطقة ام ان المنطقة ذاتها قادرة بأبنائها وبقدراتها على حماية حدودها وثرواتها، الاجابة ستظل معلقة، والى ان يتم الحسم يصبح المخرج الوحيد هو اللجوء الى الشرعية الدولية لعل وعسى. هل الامم المتحدة والقوة العظمى تعيد الحقوق الى الدول الصغيرة العزلاء في نزاعاتها الاقليمية؟!