العالم اليوم تاريخ 26/9/1992

 

الموقف الايراني من »ابوموسى« كيف يرد العرب؟

 

د. محمد سعد ابوعامود *

 

تمثل الاجراءات الايرانية في جزيرة ابوموسى وجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى انتهاكا خطيرا للقانون الدولي، ولقواعد التعامل في ظل النظام الدولي الجديد، كما تعد انتهاكا واضحا للامن العربي في الخليج.

فما هي الدوافع التي شجعت ايران على القيام بهذا العمل؟ وكيف يمكن ان نفهم هذا السلوك الايراني استنادا الى الواقع السياسي القائم ومتغيراته المختلفة؟ وكيف يمكن للجانب العربي التعامل مع ايران للتوصل الى حل لهذه المشكلة؟ وما هي الدروس المستفادة من هذه الواقعة التي تضيف هما جديدا الى الهموم العربية القائمة؟ هذا ما سنحاول ان نقدم اجتهادا بشأنه في هذا المقال.

والملاحظ بداية ان الجانب الايراني كان تقديره كما هو واضح من التصريحات المتغطرسة للمسؤولين الايرانيين ان تكلفة القيام بهذا العمل محدودة مقارنة بالمكاسب التي يمكن ان يحققها وربما تصور ان هذه التكلفة لن تتجاوز صدور بعض بيانات الرفض والادانة من الجانب العربي للإجراء الايراني.

والدافع الثاني لهذا السلوك الايراني يتمثل في المكاسب الاقتصادية والاستراتيجية المهمة التي يمكن تحقيقها من خلال هذه العملية، كما يوجد واقع سياسي يتمثل في امكانية استخدام ورقة الجزر العربية كأداة للضغط على الاقطار العربية من اجل الاقرار بدور ايراني واسع في نطاق الترتيبات الامنية في الخليج، كما ان هذا الدافع السياسي يتجاوز النطاق الاقليمي الى الدولي، فهو بمنزلة رسالة واضحة خاصة الى الولايات المتحدة، مضمونها ألا أمن ولا استقرار في منطقة الخليج المهمة بالنسبة للغرب، إلا من خلال الاعتراف بدور واضح ومتسع لإيران في هذه المنطقة، التي ينظر اليها الايرانيون بوصفها مجالا حيويا لحركتهم السياسية، بدعوى انهم القوة الاقليمية الكبيرة في هذه المنطقة في ظل الواقع القائم الآن.

كما يمكن من ناحية اخرى فهم هذا السلوك الايراني بوصفه يمثل جزءا من استراتيجية يجري تنفيذها بعناية ووفق خطة موضوعة وتستهدف ما يلي:

أ - فصل منطقة الخليج عن التفاعلات العربية، وعن النظام العربي ككل.

ب - اقامة نظام اقليمي جديد تظل فيه الاطراف العربية هي الاضعف مع السعي الى توسيع دائرة هذا النظام شمالا بحيث يضم التحالف الايراني مع الجمهوريات الاسلامية التي كانت ضمن الاتحاد السوفييتي سابقا، وجنوبا من خلال ربط امن الخليج بأمن البحر الاحمر، وذلك من خلال اقامة نقاط ارتكاز في بعض الاقطار العربية الواقعة على هذا البحر، كالسودان اضافة الى اثارة القلاقل الداخلية في بعض الاقطار العربية الاخرى كمصر، فإذا ما اضفنا الى كل هذا الوجود الايراني في لبنان ممثلا في حزب الله وبعض القوى الشيعية الاخرى، لتبين لنا ان ثمة حصارا سياسيا تسعى ايران لإقامته بالفعل حول المنطقة العربية.

ج - زيادة القدرات العسكرية الايرانية التقليدية وغير التقليدية، وصولا الى القدرات النووية، ويتضح هذا من خلال التحرك الايراني النشط في الدول الاسلامية وغير الاسلامية التي كانت ضمن الاتحاد السوفييتي سابقا، حيث تحاول الاستفادة من تردي الاوضاع الاقتصادية في هذه الدول للحصول على اقصى ما يمكن ان تحصل عليه من عتاد ومعدات عسكرية بأنواعها المختلفة، هذا بالإضافة الى السعي للحصول على التكنولوجيا النووية من الصين وباكستان.

د - ضمان القيام بدور فاعل ومؤثر في نطاق النظام الدولي الجديد.

وفي اطار هذه الاستراتيجية يمكن تفسير السلوك الايراني، بوصفه جزءا من مخطط متكامل، وليس بوصفه حادثا عابرا او بسيطا، كما كان يدعي علي اكبر ولايتي وزير الخارجية الايراني، عندما بدأت بوادر هذه الازمة في مارس الماضي، ولذلك فالسؤال المهم هو كيف يمكن للعرب ان يتعاملوا مع هذه الازمة؟

للاجابة عن هذا تطرح بعض الاسس التي يمكن ان يستند اليها التحرك العربي المطلوب ومنها ما يلي:

1- التخلي عن النظرة الجزئية في التعامل مع هذه الازمة، فالمسألة ليست مجرد ضم الجزر العربية الثلاث لإيران، وإنما استراتيجية ايرانية لها جذورها التاريخية، والتي تدور في نطاق توسيع نطاق النفوذ الايراني في المنطقة العربية بوصفها مجالا حيويا لإيران، والجديد هو فقط في الوسائل التي يتبعها الجانب الايراني في تحقيق هذا الهدف.

2- ان هذا التصرف الايراني هو بمنزلة بالون اختبار للتعرف على مدى قوة رد الفعل العربي تجاه مثل هذه التصرفات، ودراسة الوسائل التي يمكن من خلالها اضعاف رد الفعل العربي، وتفريغه من محتواه.

3- ان الاساس الرئيسي الذي يجب ان يقوم عليه التعامل العربي تجاه ايران لابد وان يقوم على اقناع الطرف الايراني بأن تكلفة القيام بمثل هذه التصرفات ستكون عالية جدا، تتضاءل امامها اية مكاسب استراتيجية او اقتصادية يمكن ان تتحقق لها.

4- عدم التركيز على اداة واحدة في التعامل مع الجانب الايراني، كالتركيز مثلا على اداة الضغط الدولي، وإنما لابد من تعدد ادوات التعامل، فهناك الاداة الاقتصادية، وهناك الاداة البترولية، والاداة الاعلامية.

5- اقناع الاطراف الدولية بأن مصالحها في المنطقة العربية يتوقف تحقيقها وفقا لمواقفها من هذه الازمة.

هذا عن الاسس التي نرى ان التعامل العربي يمكن ان يستند عليها في مواجهة ايران، ويبقى ان نعرض لبعض الافكار في نطاق التحرك العملي العربي المطلوب ومنها ما يلي:

1- وضع استراتيجية عربية مضادة للاستراتيجية الايرانية قوامها ان المنطقة العربية ليست مجالا حيويا لأي طرف، أياً كان هذا الطرف وأياً كانت الروابط الفكرية والتاريخية التي تربطه بالوطن العربي.

2- استخدام بعض الاوراق الفاتحة في الايدي العربية، فهناك ورقة تتعلق بالايرانيين العاملين في منطقة الخليج، يمكن تسريح بعض اعداد منهم وترحيلهم الى ايران الامر الذي يخلق اداة ضغط داخلية على الحكومة الايرانية، بل ويوجه ضربة الى اداة رئيسية يستخدمها الايرانيون في اثارة القلاقل في المنطقة العربية، كذلك بالإمكان التأثير على العائدات الايرانية النفطية من خلال المعاملات في السوق البترولية، كما يمكن للاطراف العربية التأثير على امدادات السلاح التي تحصل عليها ايران حاليا من خلال التقدم بعروض لشراء السلاح من الدول المصدرة للاسلحة الى ايران، كذلك يمكن التركيز في المحافل الدولية، على ضرورة جعل منطقة الشرق الاوسط منطقة خالية من كل اسلحة الدمار الشامل بحيث يشمل هذا ايران و»اسرائيل«، الامر الذي يخلق بعض المصاعب امام حصول ايران على ما تريده من هذه النوعية من الاسلحة.

3- السعي الى نقل موضوع هذه الازمة الى الامم المتحدة ومجلس الامن وتطبيق قواعد الشرعية الدولية طبقا لاحكام الباب السابع من ميثاق الامم المتحدة على الطرف المعتدي والمخالف بتصرفاته لاحكام القانون الدولي، وقد تحركت دولة الامارات في هذا الاتجاه بالفعل، وينبغي توفير اقصى دعم عربي لهذا التحرك.

 

* رئيس قسم البرامج السياسية والاقتصادية في اذاعة الاسكندرية