جريدة الجمهورية تاريخ 25/9/1992

 

ابوموسى.. ودروس التاريخ التي لم يستوعبها العرب

بقلم د. لطفي ناصف

 

أثار العدوان الايراني على جزيرة ابوموسى التابعة لدولة الامارات العربية المتحدة المخاوف القومية في نفوسنا نحن العرب من الاطماع الايرانية المتجددة في الساحل الغربي للخليج العربي الذي تصر ايران باستمرار على تسميته بالخليج الفارسي تعبيرا عن اصرارها على تأكيد مطامعها في دول الخليج العربية، ولكي تغرس هذا الشعور في نفوس الاجيال المتتابعة من ابنائها.

وعندما انتهزت ايران تحت حكم الشاه فترة المحنة التي مر بها العرب بعد هزيمة ،1967 وتحطيم الجيش المصري الدرع الاساسية للدفاع عن العرب، واستولت على جزر ابوموسى وطنب الصغرى وطنب الكبرى، شعر كل مصري بأن جزءا من قلبه قد اقتطع، وجاءت الصدمة الكبرى، عندما وقع صدام حسين اتفاقية الجزائر مع الشاه ليقنن استيلاء الشاه على تلك الجزر العربية.

وكانت فرحتنا بتراجع صدام حسين كبيرة عندما اعلن عن تراجعه عن اتفاقية الجزائر معلنا ان حربه مع ايران إنما هي من اجل استعادة السيادة العراقية على شط العرب واستعادة السيادة العربية على الجزر المغتصبة.

ولكن الفرحة لم تطل، فصدمتنا في صدام حسين كانت اكبر عندما قام بمغامرته لغزو الكويت وفي الوقت نفسه اعلانه عن تنازله عن الجزر العربية  وعن شط العرب كله لإيران.

لقد كانت الاطماع الايرانية في الخليج العربي واضحة لم تقف عند حد الاطماع، بل تجاوزتها الى التآمر النشط من اجل اضعاف الهوية العربية لمنطقة الخليج عن طريق تسريب عناصر ايرانية الى تلك الدول استطاعت ان تحمل جنسياتها وان تصل الى ادق المراكز فيها.. الخ، وبعد ان سقط حكم الشاه، وجاء الخميني الى السلطة، توقعنا ان تتراجع الجمهورية الاسلامية عن اطماع الشاه في دول الخليج، وان تتخذ خطوات نحو ارجاع الجزر المغتصبة، ولكن سياسة ايران الجديدة اتخذت من شعار تصدير الثورة الاسلامية شعارا لفرض السيطرة الايرانية على المنطقة العربية كلها استعادة لمجد فارس القديم.

لقد كشف ما اتخذته ايران من اجراءات لفرض نفوذها على جزيرة ابوموسى عن حقيقة النيات الايرانية تجاه الخليج تلك النيات التي اراد بعض حكام الخليج التعامي عنها مندفعين بكراهيتهم للعراق ومتأثرين بالجراح التي خلفها الغزو العراقي الفاشل للكويت.

وفي حديثه الاخير، عبر الرئيس حسني مبارك عن موقف مصر من العدوان الايراني على جزيرة ابوموسى عندما وصف التصرف الايراني بأنه »منطق مرفوض لا يقبله احد، لأنه يفتح الباب لتدخلات خارجية، ويثير المخاوف من تزايد الاطماع الايرانية في الهيمنة على دولة الامارات وغيرها من دول الخليج العربي الشقيقة«.

ويضيف الرئيس حسني مبارك »ان ما يدعو للأسف والأسى معا ومما يثير الدهشة ايضا ان ايران تتحدث بعد ذلك عن رغبتها في دعم العلاقات بينها وبين دول الخليج العربية والاسلامية«.

ولكن ما يثير الدهشة بشكل اكبر هو موقف الدول الخليجية من العدوان الايراني، فهذا العدوان يأتي في ذكرى العدوان العراقي على الكويت في شهر اغسطس عام ،1990 وفي الوقت الذي ملأ فيه الاعلام الخليجي الدنيا كلها ضجيجا حول ذكرى العدوان العراقي الذي انتهى، يقابل العدوان الايراني بالصمت وما يتم من نقد لذلك العدوان في الدول الخليجية، يأتي على استحياء فلم نجد تحركا اعلاميا او دبلوماسيا نشطا وحقيقيا مثل ذلك الذي حدث بعد غزو العراق للكويت.

ولكن الموقف الغريب من دول الخليج تجاه ايران، يأتي امتدادا للسياسة الخليجية التي ساءت بعد تحرير الكويت والتي تحكمها حتى الآن عقدة صدام حسين.

لقد كان غزو العراق للكويت التي وقفت الى جنبه في حربه مع ايران، صدمة لقادة الدول الخليجية الذين اعطوا صدام حسين بلا حساب ظنا منهم انه سيخلصهم من اطماع ايران في اراضيهم، ولكنهم فوجئوا بالتهديد يأتيهم من صدام حسين نفسه مما افقدهم التوازن وافقدهم القدرة على تحديد الاتجاه الصحيح.

فإلى جانب الحماس لوجود القوات الاجنبية لحماية اراضيهم وثرواتهم البترولية، وجدنا الكراهية لإيران تتحول الى حماس من جانب حكام الخليج لإدخال ايران الى المنطقة واشتراكها في الترتيبات الامنية لمنطقة الخليج محاولين في الوقت نفسه استبعاد الاطراف العربية التي تمثل الركن الاساسي لأي برنامج للأمن في المنطقة، ونعني مصر وسوريا، فمازال اتفاق دمشق يتعثر حتى الآن رغم التصريحات والاقوال المعسولة التي نسمعها من جميع الاطراف.

ومما يؤكد استمرار تحكم عقدة صدام حسين في السياسة الخليجية مما يبعدها عن الاتجاه السليم، هو ما تبديه بعض الدول الخليجية من حماس للاجراءات الامريكية الخاصة بعزل جنوب العراق وتشجيع المعارضة الشيعية في الجنوب وحمايتها.

ان تلك الاجراءات مهما حاولوا اعطاءها صفة الانسانية، هي محاولة تعهد لتقسيم العراق، فإذا كانت السلطة المركزية العراقية ممنوعة من السيطرة على جزء من اراضيها في الجنوب مع وجود معارضة مسلحة تتلقى الرجال والسلاح عبر الحدود المفتوحة مع ايران، فلابد ان تقوم في هذه المنطقة دولة شيعية مرتبطة بإيران، وإذا لم يكن اهل الخليج يعرفون معنى قيام تلك الدولة الشيعية الايرانية على حدودهم، فهذه مشكلة كبرى، فتلك الدولة ستكون قاعدة الانطلاق لابتلاع كل الدول الخليجية وفي مقدمتها الكويت، ولن يفيد وجود القوات الامريكية في المنطقة فلو كانت تلك القوات تهدف الى حماية الارض العربية في الخليج لما استطاعت ايران القيام بعمل عسكري لاحتلال جزيرة ابوموسى تحت سمع القوات الامريكية وبصرها، فتلك القوات موجودة بشكل مكثف في الخليج ولابد انها رصدت السفن الحربية الايرانية قبل تحركها في اتجاه جزيرة ابوموسى، فالمصالح الامريكية والسيطرة على البترول ومنابعه هي هدف الوجود الامريكي الذي دفع بصدام حسين ليقوم بمغامرته تمهيدا لحضور القوات الامريكية وتمركزها في الخليج.

ليتذكر اخوتنا من عرب الخليج ان فلسطين اختفت لتقوم دولة »اسرائيل« مكانها عندما كانت فلسطين تحت الحماية البريطانية، وعربستان العربية تحولت الى خوزستان الايرانية ايضا في ظل الحماية البريطانية على المنطقة، انها دروس التاريخ التي لن يتعلم منها العرب!