جريدة الجمهورية تاريخ 19/9/1992

 

ابوموسى.. وشروخ في جدار الأمن بالخليج

بقلم الدكتور عبدالهادي العشري (كلية حقوق المنوفية)

 

شهدت الساحة الخليجية خلال الآونة الاخيرة عملية تحول خطيرة على صعيد العلاقات السياسية في منطقة الخليج العربي بدأت اول مؤشراتها من خلال سلوك ايراني استفزازي وتجاه احدى الجزر التابعة لدولة الامارات العربية المتحدة وهي جزيرة ابوموسى عندما اصدرت الحكومة الايرانية قرارا بمنع دخول المواطنين العرب وغيرهم الجزيرة إلا بعد الحصول على تأشيرة دخول من السلطات الايرانية، وهذا التحول في السياسة الايرانية بتفجير النزاع الايراني ــ العربي حول الجزيرة المعنية يثير تساؤلا مفاده: ما هي تأثيرات القرار الايراني على الساحة في الوقت الذي تنشط فيه محاولات تخليق ما يسمى بالنظام الامني الخليجي الجديد؟

وقبل الاجابة عن هذا التساؤل نشير بداية الى تاريخ الاطماع الايرانية على الجزيرة المعنية، فجزيرة ابوموسى يبلغ عدد سكانها اكثر من الف شخص وتقع بالقرب من مضيق هرمز على الجانب العربي وتبعد عن شاطئ امارة الشارقة حوالي 35 ميلا بينما تبعد عن الشاطئ الايراني حوالي 43 ميلا، وتتميز هذه الجزيرة بأهمية استراتيجية واقتصادية عظيمة، فهي تمتاز بعمق شواطئها الصالحة لرسو السفن ومن ناحية اخرى تحتوي اراضيها على كميات كبيرة من اكسيد الحديد الاحمر والبترول والغاز. ولقد كانت هذه الجزيرة ومعها جزيرتا طنب الكبرى وطنب الصغرى محط اطماع ايران منذ زمن بعيد نظرا لأن هذه الجزر تتحكم في مضيق هرمز، وبعد سنة من احتلال بريطانيا لساحل عمان عام 1819م، وقعت مع امير دولة القواسم معاهدة الحماية التي تشمل الجزر العربية الثلاث المذكورة، ومنذ عام 1904 حاولت ايران احتلال هذه الجزيرة حينما بعثت سفينة من اجل هذه الغاية ولكنها تراجعت امام دفاع ساكنيها من العرب ومساعدة القوات الانجليزية لهم، كما اجرت ايران محاولة اخرى لاحتلال الجزر عام 1964 ولكنها ايضا باءت بالفشل، وفي 30 نوفمبر 1971 اتفقت بريطانيا على تمكين ايران من احتلال الجزر المعنية قبل رحيل الحامية البريطانية عنها بأربع وعشرين ساعة، وفي اليوم التالي اعلن الشيخ خالد بن محمد القاسمي على شعبه بأنه قد تم الاتفاق بين ايران والشارقة يوم 29 نوفمبر 1971 حول جزيرة ابوموسى وتبقى بمقتضى الاتفاق سيادة الشارقة على الجزيرة وبالتالي يرفع علم الشارقة عليها ويكون المواطنون تحت سلطة واختصاص حكومة الشارقة وتعطى الجزيرة منطقة بحر اقليمي تصل الى 12 ميلا وتستغل مواردها الطبيعية مناصفة بين الشارقة وايران بناء على اتفاق عقد بين الطرفين تحصل الشارقة بمقتضاه على مساعدة مالية بمبلغ مليون ونصف المليون من الجنيهات الاسترلينية سنويا ولمدة تسع سنوات، ويسمح للقوات الايرانية بأن ترابط في بعض النقاط المتعارف عليها في الجزيرة.

وفي اليوم نفسه الذي اعلن فيه حاكم الشارقة نص الاتفاق، اكد رئيس الوزراء الايراني نزول القوات الايرانية على جزيرة ابوموسى والجزيرتين الاخريين وقد عارضت الدول العربية آنذاك الاحتلال العسكري المذكور على المستوى الاقليمي والدولي واستند العرب الى مخالفة الاحتلال لميثاق الامم المتحدة وعدم وجود سند تاريخي او قانوني له.

وهذه الوضعية السياسية انعكست على عمليات رسم الحدود حتى الآن ما بين ايران ودولة الامارات العربية المتحدة من جهة، واستمرت الخلافات والمشكلات حول الجزر المحتلة حتى فاجأت ايران دول المنطقة والعالم بقرارها الاخير والذي ينطوي على معنى تأكيد الحق الايراني على الجزر المعنية واعتبارها ارضا ايرانية.

على الدول الخليجية ان تعي ما استجد على الساحة في الآونة الاخيرة، وإذا كانت في نظرتها لإيران كجارة وكجزء فعال في التركيب الجغرافي للمنطقة، حريصة على تحديد اطار التعاون الامني معها وعدم اغفالها، فقلد آن الأوان لها ان تستشعر الرؤية البعيدة لأهداف النظام الايراني التوسعي تجاه جزيرة ابوموسى وغيرها من الجزر العربية الاخرى، فالاطماع الايرانية عقيدة راسخة منذ الزمن البعيد والملف الايراني في هذا الشأن مليء بالمحاولات والاعتداءات، ومشاركة ايران في النظام الامني الجديد قبل تسوية المنازعات الحدودية هو بمنزلة من يبني بيتا على رمال شواطئ الخليج الدافئة.