جريدة الاتحاد تاريخ 29 يونيو 1997

 

بين الامبراطورية الشاهنشاهية والجمهورية الاسلامية (2)

الامارات وايران والجزر الثلاث

 

د. علي حميدان *

 

قلنا في نهاية الحلقة الاولى من هذه الدراسة ان بريطانيا استمرت في رفض الادعاءات الايرانية بالسيادة على جزر ابو موسى وطنب الصغرى وطنب الكبرى وعقدت مع شيوخ المنطقة معاهدة 1892 التي التزمت بموجبها بالدفاع عن ممتلكاتهم من اي اعتداء خارجي، استمرت في ذلك حتى نهاية الستينات حيث اعلنت في 1968 عن نيتها في الانسحاب من الخليج بنهاية 1971 وشرعت في القيام ببعض الترتيبات السرية منها وغير السرية لملء الفراغ السياسي والعسكري الذي ستتركه في المنطقة بعد رحيلها. ففي عام 1969 قام وزير الخارجية البريطاني مايكل ستيوارت في ذلك الوقت بزيارة لإيران هي زيارته الاولى للعاصمة الايرانية طهران اثناء هذه الزيارة طلب شاه ايران السابق محمد رضا بهلوي من وزير بلاطه التوجه الى السفارة البريطانية لمقابلة الوزير البريطاني وتوجيه سؤال محدد اليه »لماذا تصمم بريطانيا على المراوغة في مسألة اعادة »حقوقنا« في جزر الطنب وابو موسى؟ لابد من ان الوزير يعلم ان بريطانيا استولت على تلك الجزر بطريقة غير مشروعة ثم سلمتها وكأنها إرث لشيوخ الشارقة ورأس الخيمة الذين تدعمهم الآن حكومته ضد ايران، اننا لا نرى اي منطق في هذه السياسة خصوصا ان ايران ستصبح الحامية للامارات بعد انسحاب بريطانيا من المنطقة«.

وكانت اجابة وزير الخارجية البريطاني مفاجأة كبيرة لوزير البلاط الايراني: »اقول لك بكل امانة اننا نعتبر ان واجبنا التأكد من اعادة الجزر الى ايران«. لم يكتف الوزير البريطاني بقبول ادعاءات ايران بالجزر بل ذهب الى حد القول إن من واجبها ان تعيدها لإيران، الامر الذي يطرح سؤالا في غاية الاهمية وهو، هل توصلت بريطانيا الى القناعة بأن الوقت قد حان للاتفاق مع الولايات المتحدة للاعتماد على شاه ايران كحام للمنطقة بعد انسحاب بريطانيا منها؟ وقبل الاجابة عن هذا السؤال لابد لنا اولا من التطرق الى موضوع وثيق الصلة بموضوع احتلال ايران للجزر الثلاث، وهو موضوع المطالبة الايرانية بالسيادة على البحرين، وإذا ما اعتمدنا على الوقائع التاريخية فسنجد بأن المطالبة الايرانية بجزر البحرين كانت اكثر جدية من مطالبتها بالجزر الاماراتية الثلاث ويمكن اختصار ذلك بالشكل التالي، مطالبة ايران بالسيادة على البحرين ترتكز على واقع احتلالها للجزيرة في الفترة الواقعة ما بين 1622 وعام 3178_ وفي عام 1783 استطاع تحالف قبائل العتوب العربية ان يطرد الايرانيين من البحرين وقد استمر حكم احفادهم آل خليفة للجزيرة حتى يومنا هذا.

وقد بدأت المطالبة الايرانية الجدية بالبحرين في العقد الثالث من القرن الحالي وبالتحديد في عام 1927 عندما وقع الملك عبدالعزيز آل سعود معاهدة مع الحكومة البريطانية في جدة يتعهد فيها بالحفاظ على علاقات صداقة وسلام مع الكويت والبحرين وشيوخ قطر وامارات ساحل عمان الذين كانت تربطهم ببريطانيا معاهدات خاصة.

وقد احتجت ايران لدى حكومة بريطانيا على ذكر البحرين في المعاهدة مدعية بأن البحرين هي ملكية ايرانية ويجب حذف ما ورد في المعاهدة من اشارة اليها.

ولم تكتف ايران بذلك بل قامت بإرسال نسخة من احتجاجها على الحكومة البريطانية الى الامين العام لعصبة الامم مطالبة اياه بتوزيعها على اعضاء العصبة للاطلاع، كما انها عمدت منذ اوائل الخمسينات الى فرض الجنسية الايرانية على البحرينيين الذين يذهبون الى ايران لزيارة الاماكن المقدسة الشيعية، بل على كل بحريني يدخل الى الاراضي الايرانية. وفي 11 نوفمبر 1957 اتخذت الحكومة الايرانية قرارا بضم البحرين اليها اداريا وسمتها »المقاطعة الرابعة عشرة«، وكما هو الحال بالنسبة لجزر الامارات الثلاث استمرت الحكومة البريطانية في رفض ادعاءات ايران بملكيتها للبحرين حتى نهاية الستينات عندما قررت الانسحاب من الخليج بنهاية ،1971 وفي عام 1970 تمخضت المشاورات بين ايران وبريطانيا والولايات المتحدة عن اقناع شاه ايران بالتخلي عن مطالبته بالبحرين على ان يتم ذلك بشكل يحفظ ماء الوجه للامبراطور الايراني.وهكذا قامت بعثة تابعة للامم المتحدة في السنة نفسها ،1970 بزيارة البحرين واستطلاع رأي البحرينيين فيما إذا كانوا يفضلون الاستقلال او الانضمام الى ايران. وقد اختار الشعب البحريني الاستقلال طاويا بذلك صفحة بغيضة من الخلاف بين العرب وايران، إلا ان صفحة جديدة من الخلاف فتحت بعد عام من استقلال البحرين وذلك حين قامت ايران باحتلال الجزر الاماراتية الثلاث في اواخر نوفمبر 1971. والسؤال الذي يطرح نفسه بعد كل ما اشرنا اليه اعلاه وخاصة كلام وزير خارجية بريطانيا السابق مايكل ستيوارت: إذا كانت بريطانيا قد نجحت في ترتيب اتفاق بين ايران وامارة الشارقة لتقاسم الادارة في جزيرة ابو موسى فهل كانت هي التي اعطت الضوء الاخضر للشاه لاحتلال الطنبين الكبرى والصغرى تعويضا له عن تخليه عن البحرين وانطلاقا من اقتناعها واقتناع الولايات المتحدة الامريكية بأن ايران الشاهنشاهية هي القوة المنشودة آنذاك للمحافظة على مصالح الغرب في المنطقة؟ ليس هناك من الوثائق البريطانية المكتوبة ما يدل على ذلك حتى الآن، إلا انه توجد بعض المؤشرات والتصريحات لمسؤولين بريطانيين سابقين تؤكد بأن حكومة صاحبة الجلالة قد اعطت لإيران ما كانت تطالب به منذ نهاية القرن التاسع عشر، اي »غض الطرف« عن الاعمال التي ستقوم بها لاسترجاع ما تسميه حقوقها في الجزر، السير جيفري آرثر، الذي كان معتمدا لبريطانيا في الخليج ابان احتلال ايران للجزر الاماراتية الثلاث شارك بعد ذلك في حلقة دراسية عن الخليج عقدت في جامعة كمبردج البريطانية حيث اثير موضوع مسؤولية بريطانيا عن الدفاع عن الجزر انطلاقا من اتفاقيات الحماية التي تربطها بحكام المنطقة، قال السير جيفري معلقا على هذا الموضوع، »العرب لا يعرفون كيف يقتسمون الرغيف« ثم اضاف قائلا: »لقد امنا لهم تخلي ايران عن البحرين.. فماذا يريدون اكثر من ذلك؟«. ويقال بأن السير جيفري كان نائما حين قدم اليه احد موظفي وزارة الخارجية البريطانية ليبلغه بتحركات القوات الايرانية لاحتلال الجزر، وقد رد على من ايقظه ولامه لإزعاجه وعاد في الحال الى سريره ليواصل النوم، ويقول جون بولوك، مؤلف كتاب »الخليج« في كتابه المترجم الى اللغة العربية: »كان شاه ايران يتوقع ان تقوم بريطانيا ومشيخات الخليج بالتنازل له عن الجزر الثلاث، وتبنت بريطانيا هذه الفكرة بهدوء وهي الفكرة التي شجعها مبعوثها الخاص، السير وليام لوس، عندما وصل الى طهران يونيو/حزيران 1971.

 

* كاتب وسفير اماراتي سابق