جريدة الخليج تاريخ 21/9/1992

 

العناصر المهمة في تحديد مسألة السيادة على

جزيرة ابو موسى من وجهة نظر القانون الدولي

 

د. فرج عبدالله احنيش *

 

تقع جزيرة »ابو موسى« شمال غرب المنطقة الساحلية لإمارة الشارقة وتبعد عنها حوالي 35 ميلا، بينما تبعد عن اقرب نقطة على الساحل الايراني المقابل حوالي 43 ميلا. تبلغ مساحة الجزيرة حوالي 30 ميلا مربعا ويقطنها (حسب الاحصاءات المتوافرة عام 1982) 800 نسمة تقريبا. تتميز معظم شواطئ الجزيرة بعمق المياه الذي يسهل عملية رسو السفن، كما تتميز بوجود كميات لا بأس بها من اوكسيد الحديد الاحمر الذي يعتقد بأنه يستخرج ويصدر. بالإضافة الى تصدير كميات لا بأس بها من البترول الخام من حقل الجزيرة الواقع في مياهها الاقليمية.

ان مسألة تحديد السيادة على الجزر تخضع للمبادئ القانونية ذاتها التي تحكم مبدأ السيادة على اي اقليم آخر. ومن وجهة نظر القانون الدولي، ينحصر الامر بشكل اساسي - عند وجود نزاع على السيادة بين دولتين او اكثر - في تحديد اي من الطرفين المتنازعين استطاع ان يحوز ادلة (اقوى من ادلة الطرف الآخر)، تبرهن على قيامه بممارسة اعمال سيادة الجزيرة موضوع النزاع. إذ درجت المحاكم ولجان التحكيم الدولية على المقارنة بين اعمال السيادة التي يدعي كل من الطرفين ممارستها في الاقليم محل النزاع لتقرر اي الادعاءين ارجح او اظهر، غير انه يجب التنبيه الى ان »اعمال السيادة« هذه التي تصلح لإثبات سيادة دولة ما على الجزيرة ليست اعمالا محددة لا في نوعها ولا في كثافة استعمالها، ذلك ان الامر يرتبط دائما بالظروف الجغرافية والسياسية والطبيعية لكل حالة على حدة. ولذلك، فإن القرارات الصادرة من المحاكم ولجان التحكيم الدولية في هذا الصدد تميز بين اعمال السيادة المتطلبة او التي يمكن توقعها في منطقة مأهولة بالسكان مثلا، وبين تلك المتوقعة على منطقة صغيرة، خالية نسبيا من السكان مثل جزيرة (ابو موسى) (1) في هذه الحالة الاخيرة، فإن بعض الاعمال - مهما كانت صغيرة - التي تمارسها الدولة على جزيرة صغيرة او خالية من السكان قد تكفي في حد ذاتها لإثبات مسألة السيادة على هذه الجزيرة، امام غياب اي عمل من ذات النوع من قبل الطرف الآخر، على سبيل المثال، عند غياب استقرار سكاني مستديم على الجزيرة خلال حقبها التاريخية المعروفة. درجت المحاكم على الاخذ في الاعتبار اعمالا ذات طبيعة وقتية مثل حملات الاستكشاف او البحث، او زيارة شواطئ الجزيرة من قبل سفن الدولة او تنظيم او منح حقوق الصيد او اجراء تحقيقات على حوادث على او بالقرب من الجزيرة.

اما في الفترات التي يثبت فيها وجود سكاني مستقر على الجزيرة، فإن الاعمال المرتبطة بهذا الوجود والتي تدلل على الهوية السياسية للسكان تعتبر مهمة وذات قرائن قوية في اثبات مسألة السيادة. فقد تستشف مسألة الهوية السياسية للسكان من الجوازات الصادرة لهم او اي بطاقات هوية اخرى، او فرض رسوم او مكوس على مستعملي موانئ الجزيرة او على مواردها كما قد تستشف - ولكن ليس الى درجة كبيرة - من عناصر »ارتباط السكان المحلي« بالدولة الذي قد يظهر في شكل الاستعانة بخدمات تلك الدولة الصحية والامنية والاجتماعية.

في ضوء هذه الخلفية، فإننا نتعرض باختصار شديد الى بعض العناصر التي تبحث عادة لتحديد مسألة السيادة من وجهة نظر القانون الدولي، والتي قد تكون ذات صلة بالواقع التاريخي والسياسي لجزيرة (ابو موسى)، مما يعني استبعادنا لعناصر اخرى قد لا تكون لها صلة بموضوعنا وان كانت تناقش عادة عند التعرض لمسألة »اسباب كسب السيادة على الاقليم« من الناحية النظرية.

1- هوية السكان المحليين: تستشف الهوية السياسية لسكان الجزيرة من عدة قرائن كالخلفية العرقية، والوثائق التي يحملونها واللازمة لإثبات هويتهم لتسهيل تنقلهم او ممارسة نشاطاتهم، كما يستدل عليها ايضا من خلال تحديد الجهة التي تحكم في نزاعاتهم، واية قرائن اخرى يستشف منها خضوع سكان الجزيرة »لاختصاص الدولة« صاحبة الادعاء، يبدو ان حجة دولة الامارات في هذا الصدد اكثر اقناعا، إذ لم يرد من الجانب الايراني منذ سنة 1970 والى الآن ما يناقض تصريح امارة الشارقة في ذلك الوقت »بأن الجزيرة لم تكن في يوم من الايام قد قطنت بغير العرب وان كافة المسائل الادارية المتعلقة بسكانها قد تم مباشرتها من قبل الحكام العرب على طول الساحل العماني.. وذلك ما اكده ممثل وزارة الخارجية البريطانية في المنطقة الذي اكد ان الحكومة البريطانية منذ وجودها في منطقة الخليج كانت دائما تعتبر ان »ابو موسى« جزيرة عربية، وهو ما تؤكده الوثائق القديمة التي في حوزة حكومة بريطانيا«، ولم يرد في تصريحات الحكومة الايرانية آنذاك اية قرائن خاصة باتجاهات عكس ذلك.

2- ممارسة اعمال ذات مدلول سيادي: وهي الاعمال او الممارسات التي تقوم بها الدولة باعتبارها سلطة ذات سيادة على الاقليم مثل منح تراخيص الاستكشاف والقيام بتخريط الجزيرة والمياه الاقليمية المحيطة بها. وفي هذا الصدد فإن اتفاقية الامتياز للتنقيب عن البترول بين حكومة الشارقة وبين Buttes Gas and Oil Company في سنة 1969 تعتبر ذات دلالة خاصة، تنص هذه الاتفاقية على ان منطقة الامتياز تضم »كل المياه الاقليمية والمحاذية للشريط الساحلي التابع لحاكم الشارقة. وكذلك كل الجزر ومياهها الاقليمية التابعة لحاكم الشارقة..« (2). بصفتها السلطة المختصة برعاية وادارة العلاقات الخارجية للدول المطلة على الساحل العماني بادرت الحكومة البريطانية بالموافقة على هذه الاتفاقية. كما بادرت وزارة الخارجية البريطانية بتجهيز الخرائط التي تبين حدود هذا الامتياز، والتي تبين بجلاء امتداد سيادة حكومة الشارقة على جزيرة »ابو موسى«، بما فيها بحرها الاقليمي الذي حدد آنذاك بثلاثة اميال. ومن الجدير بالذكر ايضا ان الخرائط ذاتها تبين حدود اتفاقية الامتياز المنعقدة في السنة ذاتها بين حكومة ام القيوين وشركة Occidental Petroleum Coporation والتي تبين بجلاء انتهاء منطقة الامتياز في المناطق البحرية عند حدود البحر الاقليمي الشرقي لجزيرة »ابو موسى«. ومن وجهة نظر الحكومة البريطانية فإن هذا التحديد لمنطقتي الامتيازين السالفي الذكر قد جاء انسجاما مع اتفاقية الحدود البحرية بين الشارقة وام القيوين سنة 1964 (3). نستنتج من ذلك ان هناك اعتقادا راسخا من قبل الشركات البترولية، والحكومة البريطانية، والحكومات المجاورة في المنطقة بسيادة الشارقة على جزيرة ابو موسى، ان موقف الحكومة البريطانية بالذات له اهميته الخاصة، إذا ما علمنا ان كلا الشركتين صاحبتي الامتياز هما شركتان امريكيتان - وليستا بريطانيتين - وعلى نحو يعزز عنصر الحيادية في قرار الحكومة البريطانية بالموافقة على اتفاقيتي الامتياز وما تضمنتاهما من تأكيد سيادة الشارقة على »ابو موسى«.

3- الاستيلاء: وهو ان تقوم دولة ببسط سيادتها على اقليم لا يخضع لسيادة دولة اخرى، ويشترط لشرعية هذا السبب من اسباب »كسب السيادة« ان يكون الاقليم موضوع الاكتساب مباحاً اي غير مملوك لأحد وان تهدف الدولة المستولية الى بسط سيادتها عليه وان تقوم بمجموعة اعمالا تكفي - وفقا للظروف الجغرافية والطبيعية للاقليم - للتدليل على اعتبارها اعمال سيادة. من الواضح ان جزيرة »ابو موسى« تخرج عن دائرة »الاقاليم المباحة« إذ انه لا يتسنى لإيران مثلا ان تحتج بعدم خضوع الجزيرة الى سلطة سياسية ما، امام الاحتجاجات المستمرة لحكومة الشارقة آنذاك ولدولة الامارات العربية المتحدة في الوقت الحاضر ازاء التحركات الايرانية على الجزيرة.

4- المصالح الحيوية: احد الدفوع المعلنة التي قدمتها ايران تبريرا لتحركاتها منذ سنة 1971 على جزيرة »ابو موسى« (كذلك جزيرة طنب الكبرى وجزيرة طنب الصغرى)، هو الاهمية الاستراتيجية لهذه الجزر لتأمين الملاحة الايرانية عبر مضيق هرمز وتأمين سلامة المصالح الايرانية في الخليج العربي بوجه عام.

تلجأ كثير من الدول الى ما يسمى بنظرية »المصالح الحيوية« لتبرير تصرفاتها دوليا، وقد يكون لهذه النظرية دور قانوني محدود لتأكيد عنصر الشرعية على تصرفات دولة ما عندما تتوافر لديها اسانيد قانونية اخرى واضحة، بمعنى ان »للمصالح الحيوية« دورا تكميليا لإيضاح »حقوق تاريخية« ثابتة بعناصر قانونية اخرى مثلا او لتبرير حظر العبور الجوي في منطقة معينة او انشاء منطقة انذار مبكر او ما شابه ذلك. غير ان المستقر عليه قانونا ان هذه النظرية لا تكفي بحد ذاتها لتبرير تصرفات دولة ما او اعتدائها على سيادة دول اخرى.

5- الأثر القانوني لمذكرة الترتيبات 29 نوفمبر 1971:

في اعقاب الانسحاب البريطاني من منطقة الخليج، توصلت كل من الشارقة وايران - بوساطة بريطانية - الى توقيع مذكرة تفاهم ذات طبيعة مؤقتة تنص ديباجتها على انه »لا ايران ولا الشارقة ستتخلى عن المطالبة بـ »ابو موسى«، ولن تعترف اي منهما بمطالب الاخرى« ثم تشير المذكرة الى مجموعة ترتيبات امنية وادارية يتم اتخاذها من قبل كل من الشارقة وايران.

من الواضح إذا ان اية ترتيبات اتخذتها ايران على الجزيرة منذ ذلك التاريخ (نوفمبر 1971) لا يمكن الاستناد اليها من قبل ايران للتدليل على ان السيادة قد انتقلت اليها نتيجة اعمال قد تعتبر في مظهرها الخارجي »اعمال سيادة« إذ ان مثل هذا الادعاء يعتبر بمنزلة مطالبة بالسيادة بالمخالفة لنص الديباجة الصريح الآنف الذكر الذي يعتبر (كما يسمى في القضاء والفقه الدوليين) بمنزلة »تاريخ فاصل« (CRITICAL DATE)   ادى الى »تجميد« الوضع القانوني للمطالبة، واستبعاد اي عمل او نشاط يتعمد احد الطرفين القيام به بعد ذلك التاريخ وذلك من اجل تحسين او تدعيم وضعه القانوني.

ولا يتسنى ايضا القول إن مجموعة هذه الترتيبات تشكل »تنازلا« من قبل حكومة الشارقة عن سيادتها على الجزيرة. ذلك ان »التنازل« كسبب من اسباب كسب الاقليم يعني ان تتخلى دولة عن سيادتها على الاقليم لدولة اخرى، عادة عن طريق معاهدة او تبادل مذكرات، ولا يمكن بالاصل ان نفسر هذه الترتيبات - وان سمحت لإيران القيام ببعض الاعمال على الجزيرة - بمنزلة تنازل من الشارقة عن حقوقها على الجزيرة.

ذلك ان التنازل المنشئ لحق السيادة على الاقليم هو التنازل عن السيادة على الاقليم وليس مجرد تأجيره او التنازل عن بعض او كل اعمال ادارته لدولة اخرى. وهذا ما استبعدته ديباجة مذكرة التفاهم التي تنص صراحة - كما نوهنا - على تمسك الشارقة بمطالبها على جزيرة »ابو موسى«.

هذه هي اهم العناصر التي يمكن ان تلعب دورا حاسما في تحديد مسألة السيادة على جزيرة »ابو موسى«، والتي نأمل ان يؤدي بحثها على مائدة المفاوضات او امام جهة قضائية الى الوصول الى حل سلمي عادل، يجنب المنطقة عنصرا من عناصر التوتر التي ليست في حاجة اليها.

 

* دكتوراه في القانون الدولي، حاليا محام بمكتب هادف الظاهري وشركاؤه للمحاماة والاستشارات القانونية - ابوظبي.

 

1- على سبيل المثال قرار المحكم في Palmas Islands Dispute (1928) وحكم محكمة العدل الدولية في Minquiers and Ecrehos case (1953).

2- انظر كتاب علي الحكيم بالانجليزية Middle Eastern States and the Law of the Sea 1979 صفحة 123 والصفحات التالية.

3- المرجع السابق، صفحة 125