جريدة البيان تاريخ 30/8/1996

 

الجزر العربية الثلاث

دولة الامارات العربية المتحدة متمسكة بالحل السلمي

 

بقلم: د. محمد عبدالله الركن *

 

مما لاشك فيه ان ازمة الجزر العربية الثلاث ذات ابعاد متعددة فهي في جانب ذات بعد سياسي مهم يوضح عقلية الهيمنة لدى الدول الكبيرة »سكانيا مساحة، ثروة«، ومن جانب آخر ذات بعد استراتيجي اقتصادي بين اهمية الموقع وما يترتب عليه من تحكم في مرور سلعة حيوية بل حتى يهدد منابع هذه السلعة لدى الطرف الصغير، والازمة ايضا ذات بعد تاريخي وقانوني لا يمكن اهماله او غض الطرف عنه، ولعل هذا البعد هو اقل الابعاد بحثا ودراسة عند اولئك المهتمين بتناول هذه الازمة ومرد ذلك صعوبة الخوض في مجاهل كل من التاريخ والقانون وندرة المراجع والمادة العلمية التي تحلل موضوع الخلاف.

ان الخليج العربي بمياهه وجزره وسواحله اضحى بحيرة عربية خالصة منذ الفتوحات الاسلامية في القرن السابع الميلادي. وفي ظل فترات ضعف دولة الخلافة الاسلامية ظلت القوى المحلية وخصوصا في عمان لها السيطرة والسيادة على المنطقة ككل، وارتبط المركز القانوني للجزر في الخليج، بالمركز القانوني لمنطقة الساحل الجنوبي حتى وصول الاستعمار الاوروبي مع بدايات القرن السادس عشر.

بعد انهيار دولة اليعاربة في عمان (1624 - 1741) بدأ يسطع نجم قوة بحرية عربية جديدة لتملأ الفراغ السياسي الناجم عن ذلك الانهيار، وكانت تلك القوة هي دولة القواسم ومقرها رأس الخيمة، فكان الاسطول القاسمي هو القوة البحرية الرئيسية في مياه الخليج في منتصف القرن الثامن عشر وامتدت علاقات القواسم الى دول ومناطق عديدة في الهند والساحل الشرقي لإفريقيا.

تركزت قوة القواسم في الساحل الجنوبي للخليج العربي وكانت ابرز مدنهم رأس الخيمة والشارقة. إلا انه ومع منتصف القرن الثامن عشر (1750م) هاجر فريق من القواسم بدعوة من حاكم هرمز الى الساحل الشمالي من الخليج حيث استقروا في منطقة لنجة. وبدأ الفرع الجديد من القواسم في ممارسة استقلاليته في تلك المنطقة ومد نفوذه الى الجزر والساحل المحاذي للخليج.

وتذكر المراجع التاريخية وجود تقسيم لملكية جزر الخليج بين فرعي القواسم بحيث اصبحت جزيرتا سري وهنجام تبعا لقواسم لنجة وجزر ابو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى وصير بونعير تبعا لقواسم ساحل عمان »رأس الخيمة والشارقة« وحدث مثل هذا الاتفاق قبل عام 1835م.

واستمرت سيادة قواسم الساحل الفعلية والقانونية على الجزر المذكورة اعلاه بشكل لا ينازعه احد بل انه في عام  1864م ارسل حاكم قواسم الساحل رسالة رسمية الى المقيم البريطاني يعلمه فيها تبعية جزر ابو موسى وطنب الكبرى والصغرى وصير بونعير له منذ اجداده الاوائل، فكان هذا الخطاب اول توثيق كتابي لملكية الجزر للامارات وتبعيتها القانونية لها، بل ان السيادة لم تقتصر على مجرد شعارات خطابية بل تعدت تلك الى صور احتجاجية من قواسم الساحل لأي تدخل في الجزر وانتهاك للاتفاق من قبل قواسم لنجة او الامارات المجاورة واصبحت ابو موسى منذ سبعينات القرن التاسع عشر مقرا زراعيا واستراحة لحاكم القواسم في الشارقة.

 

طموحات توسعية مجاورة

 

مع اتساع اطماع الامبراطورية الفارسية في اواخر القرن التاسع عشر قامت الجيوش الفارسية بغزو لنجة عام 1887 وطردت حكامها  من القواسم بعد حكمهم لها لما يزيد على القرن وربع من الزمن ومن ثم واصلت مسيرتها فاحتلت جزيرة سري لتبعيتها لقواسم لنجة. ومن الجدير بالملاحظة ان قائد الحملة الفارسية لاحتلال الجزيرة ذكر في عداد تقرير له ان القواسم يستوطنون ابو موسى واعتبرها قاعدة لهم.

وتأكيدا على ذلك فقد منح حاكم الشارقة عام 1898 اول امتياز لاستخراج اوكسيد الحديد الاحمر من ابو موسى لثلاثة من المواطنين العرب بحسبانها تابعة قانونيا له.

بعد ذلك تضافرت الاطماع التوسعية السياسية مع اطماع اقتصادية لبعض المتنفذين في الحكومة الفارسية لتعزز اول ادعاء ايراني في ملكية جزيرة ابو موسى عام ،1904 حيث نازعت ايران الشارقة سيادتها على الجزيرة طمعا في منح امتيازات التنقيب عن الاوكسيد الاحمر لشركة اجنبية فأرسلت موظفا بلجيكيا لرفع العلم الفارسي على ارض الجزيرة فما كان من حاكم الشارقة إلا ان احتج على مثل هذه التصرفات وسانده في ذلك المقيم البريطاني الذي طالب ايران بتقديم ادلة على ملكيتها للجزيرة فانسحبت ايران بهدوء من النزاع ولم تقدم اي دليل يسند دعواها الجديدة.

وفي المفاوضات الثنائية بين بريطانيا وفارس للوصول الى معاهدة انجلوفارسية خلال الفترة 1929 - ،1930 برزت عدة شواهد تؤكد ملكية القواسم للجزر الثلاث وضعف تمسك ايران بادعاءاتها بالملكية، إذ انه في مشروع الاتفاقية المذكورة تقرر على انه سيعترف بجزيرة سري كجزيرة ايرانية بينما تظل الجزر الثلاث »طنب الكبرى والصغرى وابو موسى« عربية.

وفي غضون اجراء المحادثات بين الطرفين ونتيجة للتجاذب بين الطرفين المتعاقدين طرح تيمور تاش، وزير البلاد الملكي في اغسطس ،1929 ان تتنازل ايران عن مطالبتها في ابو موسى في مقابل الاعتراف بملكيتها لجزيرتي طنب ومن ثم عرض شراء جزيرتي طنب الكبرى والصغرى من رأس الخيمة، فسارعت بريطانيا لعرض الموضوع على حاكم رأس الخيمة وفي حضور حاكم الشارقة وذلك في مايو 1930 ولكن المقيم السياسي البريطاني بارت اجيب بالرفض القاطع من الحاكمين لمثل هذه الفكرة وابلغاه انه لا مجال لقبول اي ثمن للتعويض عن الجزيرتين.

 

مظاهر سيادية

 

وفي عام ،1935 وقع حاكم الشارقة عقدا مع شركة بريطانية لاستغلال اوكسيد الحديد الاحمر من جزيرة ابو موسى وقد ظلت تستغله لغاية عام 1968 ومنحت الشركة نفسها امتياز التنقيب في جزيرتي طنب في 6 فبراير 1953.

ومن المظاهر الاضافية لممارسة امارتي الشارقة ورأس الخيمة لسيادتهما القانونية على الجزر الثلاث منحهما لامتياز التنقيب عن النفط في الستينات لأكثر من شركة اجنبية.

سوى ان الاوضاع لم تستمر بهدوئها طوال تلك الفترة إذ ان ايران عادت وبنبرة عالية في المطالبة بملكية الجزر الثلاث بعد القضاء على كل آمالها في ضم جزيرة البحرين الى اقليمها بقرار عام 1970م من الامم المتحدة المؤسس على استفتاء شعبي أيد استقلال البحرين وعروبتها.

وخاض البريطانيون محادثات مكثفة للتوسط بين ايران وامارتي الشارقة ورأس الخيمة طوال عام 1970 - 1971 من خلال السير وليام لوس والذي قدم عدة مقترحات توفيقية بين الطرفين في سبيل تخفيف تهديدات ايران بالاحتلال العسكري والوصول الى شروط تفاوضية مقبولة.

ولقد اثمرت الجهود البريطانية عن اتفاقية تفاهم وقعت بين ايران والشارقة في 20 نوفمبر 1971 وتم انزال قوات في الطرف الشمالي من جزيرة ابو موسى بحسب الاتفاق بينما استمرت رأس الخيمة في رفضها لأي تنازل او تراجع عن ملكيتها الكاملة لجزيرتي طنب. فقامت القوات الايرانية باحتلال الجزيرتين بالقوة المسلحة واسفر الهجوم عن مصرع جنديين ومقتل خمسة من اهالي طنب الكبرى وتدمير مخفر الشرطة ومدرسة ابتدائية في تلك الجزيرة وتهجير سكانها الذين لجأوا الى رأس الخيمة.

تبنى ادعاءات ايران في ملكية الجزر على ثلاث حجج اساسية اولاها ان لديها ادلة على سيادتها وتملكها للجزر والثانية ان الخرائط البريطانية تدخل الجزر في السيادة الايرانية والثالثة ان لها مصالح استراتيجية تستلزم تبعية الجزر لها للحفاظ على امن الخليج.. سنتناول كل حجة وايضاح الرد عليها من منطلق تاريخي وقانوني.

ولكن قبل ذلك نتعرض الى بعض الحجج الثانوية التي تستند ايران عليها في مزاعمها بملكية الجزر. فمن هذه الحجج مثلا ان لفظ كلمة طنب نفسها فارسي الاصل وتعني التلة او المرتفع ومشتقة من لهجة فارسية محلية تعرف بالتنجستاني ومع ان التسليم بهذه الحجة امر غير منطقي ولا يمكن اثبات حق قانوني بناء على لفظ، إلا اننا نجادل في المسألة للرد على الادعاء فاسم الجزر الثلاث يقطع بعروبتها على عكس ما تدعيه ايران فاسم »ابو موسى« عربي فصيح لا مجال لانكاره اما كلمة »الطنب« فهي عربية اصيلة وتعني الحبل الطويل الذي تشد به الخيمة ويطلق احيانا على الوتد الذي تشد به حبال الخيمة.

وحجة ثانوية ثانية تطرحها ايران وهي القرب الجغرافي للجزر من الساحل الايراني ومع عدم الاعتراف بصحة هذه المعلومة خصوصا بالنسبة لجزيرة ابو موسى إلا ان اتخاذ فكرة القرب الجغرافي كأساس لاكتساب اقليم مسألة غير مؤكدة في القانون والقبول بها مطلقا يؤدي الى نتائج وخيمة في مجال العلاقات الدولية.

وحجة اخرى تذكرها ايران في هذا الخصوص وهو ان حكام لنجة من القواسم حكموا لنجة والجزر بوصفهم موظفين رسميين ومن ثم فإن الجزر كانت تتبع ايران وهذه الحجة تدحضها الوقائع التاريخية والرسائل المتبادلة بين فرعي القواسم بعضهما بعضا او مع الحكومة البريطانية فالجزر الثلاث لم تكون يوما خاضعة لسلطان قواسم لنجة بل كانت على مر السنين تابعة لقواسم الشارقة ورأس الخيمة.

 

الخرائط البريطانية وحجيتها

 

اما العنصر الذي تستند اليه ايران في دعم ادعاءاتها فهو ان خريطة عسكرية بريطانية قدمتها وزارة الخارجية البريطانية عام 1856م للشاه الايراني اظهرت فيها جزر ابوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى باللون الفارسي ومن ثم فالتبعية قائمة منذ ذلك الحين وفقا للخرائط البريطانية.

بداية لابد من توضيح وضع الخرائط الجغرافية في القانون الدولي العام ومدى صلاحيتها لإثبات حقوق السيادة على الاقاليم فالخرائط نوعان: رسمية وخاصة. اما النوع الاول فهو عبارة عن الخرائط التي تلحق بالمعاهدات الدولية او قرارات التحكيم الدولية وهذه لها قيمة تكميلية ولا ترتب بمفردها اي اثر قانوني. اما النوع الثاني فهو الخرائط الصادرة عن جمعيات علمية جغرافية او شركات مختصة او حتى الافراد وليس لها القيمة الاستدلالية نفسها للنوع الاول.

فتشير ايران هنا الى ان جميع الخرائط الصادرة عن السلطات البريطانية حينها تؤكد ان الجزر الثلاث تابعة لها وهو ما يظهر بشكل خاص في خريطة اعدتها الاستخبارات البريطانية عام 1886 ليقدمها ممثل بريطانيا في طهران الى شاه ايران وهذه الخريطة تشكل حجة قوية لملكية ايران لها.

والحقيقة ان الخريطة التي تشير اليها ايران ظهرت اولا في »بيلوت برسيان جولف« عام 1870 والتي تصل الجزر الثلاث بلنجة وهي من الخرائط الخاصة. فلم تكن ملحقة بمعاهدة لتحديد او تخطيط الحدود بين ايران وحكام القواسم. هذه النوعية من الخرائط لا تلزم الدولة التي اصدرتها فمن باب اولى لا تلزم الدول الاخرى التي تعنيها المعلومات الواردة فيها كما ان هذا الخطأ تم تصحيحه لاحقا بوساطة الموظفين الرسميين البريطانيين.

وان كانت المسألة متعلقة بخرائط خاصة فإن خريطة اصدرت عام 1864 وهي سابقة للخريطة التي تستند اليها ايران بوساطة رسام خرائط الماني توضح ان الجزر تتبع قواسم الساحل الجنوبي كذلك فإن الخرائط الدولية كانت تشير الى عروبة الجزر الى غاية 1870 بل ان الخرائط الصادرة بعد ذلك التاريخ وهي كثيرة اشارت بوضوح في العديد منها الى تبعية الجزر للامارات. ولقد ظهرت خرائط قريبة العهد ومنها ايرانية الاصدار. اوضحت ان ابو موسى وجزيرتي الطنب تحت السيادة الاماراتية وابرز مثال على ذلك خارطة اصدرتها عام 1955 شركة خرائط ايرانية مختصة اوضحت فيها ان الجزر الثلاث ليست جزءا من ايران بل عربية.

كما انه لابد من توضيح نقطة اخرى وهي ان الخريطة البريطانية المذكورة لا يمكن الاعتماد عليها في اثبات الملكية الايرانية لعدة اسباب ابرزها ان هذه الخريطة وان فسرت في احسن الاحوال على انها اعتراف ضمني بملكية ايران للجزر إلا انه اعتراف من دولة اجنبية ليس لها حق او سيادة على الجزر الثلاث بل ان بريطانيا ذاتها كما اوضح العرض التاريخي اقرت تكرارا وبصورة واضحة لا ضمنية وبسلوك لاحق وبرسائل مكتوبة سيادة الشارقة ورأس الخيمة على الجزر الثلاث ومن ثم لا يمكن دفع الاعتراف الصريح باعتراف ضمني مشكوك في صحته وقوته القانونية.

وترى ايران ان الجزر الثلاث تحتل موقعا استراتيجيا مهما في الخليج فهي تتحكم في مدخله وفي الممرات البحرية التي يمر من خلالها كامل النفط الايراني ومنتجاتها الصناعية ومن ثم فإن بقاء الجزر تحت سيطرة ايران يوفر لها حماية استراتيجية لا يمكن التخلي عنها وتهديد الامن القومي الايراني.

وهنا قد يطرح سؤال، »هل تبرر المصالح الاستراتيجية لدولة ما خرق قواعد القانون الدولي« بطبيعة الحال فإن الجواب سيكون بالنفي فهذه المصالح مهما بلغت اهميتها لن تكون اساسا قانونيا مقبولا لإسناد حق في السيادة على اقليم ما اضافة الى ذلك فإن الادعاء بالاهمية الاستراتيجية للجزر الثلاث تناقضه كما يرى البعض المعطيات الجغرافية فموقع الجزر الثلاث لا يقارن بميناء بندر عباس الايراني وجزيرة قشم الواقعين على مدخل مضيق هرمز مباشرة كذلك فإن جزيرة سري لا تبعد عن الجزر الثلاث وخصوصا ابو موسى سوى بضعة اميال ويمكنها ان توافر ذات الحماية الاستراتيجية التي تتذرع بها ايران في استمرار احتلالها للجزر.

 

الحل السلمي للنزاع

 

بعد الاحتلال الايراني لجزيرتي طنب ودخول قواتها الى جزيرة ابو موسى بموجب مذكرة التفاهم طلبت الدولة الوليدة الجديدة من شقيقاتها الدول العربية المساعدة في عرض الموضوع على منظمة الامم المتحدة وعقدت لذلك في 9 سبتمبر 1971 جلسة لمجلس الامن والتي دعا خلالها رئيس المجلس واستنادا الى المادة 36 من ميثاق الامم المتحدة الى اتباع الطرق الدبلوماسية الهادئة لحل النزاع وتقرر تأجيل النظر في الموضوع لإعطاء الفرصة لطرف ثالث لدراسة الموضوع وحل النزاع.

ومنذ 30 نوفمبر 1971 بدأت دولة الامارات مساعيها السلمية الحثيثة لتأكيد مسألتين: الاولى سيادتها وملكيتها للجزر الثلاث والثانية رغبتها في الحل السلمي وفق الاعراف والقوانين الدولية.

فبالنسبة لمسألة تأكيد السيادة والملكية للجزر الثلاث فقد ارسلت الدولة خطابا الى رئيس مجلس الامن الدولي في 17/7/1972 يؤكد عروبة الجزر والقي بيان امام الجمعية العامة للامم المتحدة في دورتها السابعة والعشرين (5/10/1972) ليؤكد سيادة الامارات على الجزر وفي 20/2/1974 القي بيان امام مجلس الامن اكد عدم الاعتراف بالسيادة على تلك الجزر الا لدولة الامارات وبيان في 19/11/1975م امام اللجنة السياسية الخاصة للامم المتحدة واكدت فيه السيادة المطلقة وعدم الاعتراف بأي سيادة اخرى.

وتكررت مثل هذه المراسلات مع الامين العام للامم المتحدة في 6/8/1980 وفي 1 ديسمبر 1980م اكدت الامارات موقفها الثابت وتمسكها بسيادتها على الجزر.

اما بالنسبة لمسألة الرغبة في الحل السلمي فإن دولة الامارات لم تتردد، مع انها الطرف المتضرر من الاحتلال، في الدعوة الى الحل السلمي للنزاع فرئيس الدولة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ذكر في مقابلة صحافية مع جريدة »الحياة« اللندنية استعداد الدولة للجوء الى محكمة العدل الدولية ويؤكد على ذات الموقف في حديثه بمناسبة الذكرى الثالثة والعشرين لقيام الدولة بأنه دعا ايران للاحتكام الى مبدأ الحوار الموضوعي البناء او اللجوء الى التحكيم الدولي لحل مشكلة الجزر.

واتساقا مع النهج نفسه كرر وزير خارجية الامارات في كافة خطاباته امام دورات الجمعية العامة للامم المتحدة عن استعداد الامارات لإجراء مفاوضات ثنائية مباشرة وغير مشروطة مع ايران لإنهاء احتلالها العسكري للجزر الثلاث. وفي حالة تعذر ذلك تطالب دولة الامارات بإحالة النزاع الى محكمة العدل الدولية باعتبارها الجهاز الدولي المنوط به تسوية الخلافات والذي سبق ان لجأت اليها العديد من الدول ومن بينها ايران لحل خلافات حدودية مماثلة.

وعلى النقيض من هذا الموقف المعتدل الصادر من دولة الامارات نجد ان الحكومة الايرانية مصرة على رفض احالة موضوع النزاع الى محكمة العدل الدولية وتتمسك بالمفاوضات الثنائية. فمع ان ايران اقترحت في منتصف عام 1929م على بريطانيا احالة قضية النزاع حول الجزر، اثناء المفاوضات حول الاتفاقية الانجلو - فارسية الى تحكيم دولي. ومع انها لجأت الى محكمة العدل الدولية في عدة قضايا إلا انها ومنذ ايام الشاه، ترفض عرض الموضوع على تحكيم دولي او محكمة العدل الدولية. فالرئيس رفسنجاني مثلا يصرح بأن احالة القضية الى المحاكم الدولية لن يجدي نفعا.

ان الدول في عالمنا المعاصر تلتزم بفض نزاعاتها الحدودية بالطرق السلمية فلم يعد مقبولا تسوية مثل هذه النزاعات بالقوة المسلحة واصبح حظر استخدام القوة قاعدة قانونية آمرة في القانون الدولي وهذه القاعدة اكثر فاعلية لحل النزاعات إذ ان الالتجاء الى القوة المسلحة لن يثمر سوى احقاد وتعميق الخلافات بين الاجيال المتعاقبة في الدول المتجاورة.

توجد في القانون الدولي وسائل عدة لحل النزاعات بين الدول بشكل سلمي فمنها ما هو دبلوماسي، التفاوض والمساعي الحميدة والوساطة والتوفيق ومنها ما هو سياسي كالالتجاء الى المنظمات الدولية او الاقليمية ومنها ما هو قانوني قضائي كرفع الامر الى التحكيم الدولي او القضاء الدولي والتسوية القضائية تكون من خلال هيئة محايدة بالفصل في النزاع على اساس القانون وبقرار ملزم من الناحية القانونية.

وفي النزاع الحالي حول الجزر الثلاث كان مسار دولة الامارات مسارا سلميا يتناسب مع قدرتها واحترامها للقانون الدولي فسعت بداية الى ايفاد وزير خارجيتها في ابريل 1992 الى ايران للتفاوض حول الاجراءات المتعنتة الايرانية كما دعت الى المفاوضات في ابوظبي لبحث حل النزاع في سبتمبر 1992 بشكل دبلوماسي وكان موقف وفد الامارات في المفاوضات حكيما ومتزنا حيث لم يشترط في المطالبة بإنهاء الاحتلال او بطلان مذكرة التفاهم بل طالب بالتأكيد على احترام المذكرة والمطالبة بإيجاد اطار لحسم مسألة السيادة خلال فترة زمنية محددة ومع فشل الحلول الدبلوماسية لجأت دولة الامارات الى طريق الحل السياسي بعرض الموضوع على الجمعية العامة للامم المتحدة موضحة فيها تمسكها بالسيادة على الجزر الثلاث وتبعيتها للدولة الاتحادية كما ان الدولة عرضت حل النزاع قانونيا بعرضه على محكمة العدل الدولية في لاهاي وفق المادة 36 من النظام الاساسي لمحكمة العدل الدولية.

ولكن ايران رفضت مثل هذا الحل لتخوفها من ضعف موقفها القانوني وصعوبة اثباتها لملكيتها للجزر الثلاث. وفي هذه الحالة لم يعد امام دولة الامارات سوى رفع الامر الى مجلس الامن والذي يمكنه اتخاذ توصية برفع النزاع الى محكمة العدل الدولية حيث انه لا مجال لحل النزاع سلميا إلا عن هذا الطريق.

 

* كلية الشريعة والقانون - جامعة الامارات