جريدة الاتحاد تاريخ 27/7/1997

 

الامارات وايران والجزر الثلاث الحلقة الاخيرة

 

د. علي حميدان *

 

قلنا في نهاية الحلقة قبل الاخيرة من هذه الدراسة ان الامارات العربية المتحدة اتخذت منذ عام 1992 موقفا جديدا ومحددا من نزاعها مع ايران على الجزر الثلاث »ابو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى« ويتمثل هذا الموقف في المطالبة بعرض قضية النزاع على الجزر على محكمة العدل الدولية وقبول الطرفين بالحكم الذي تصدره هذه المحكمة. موقف الامارات هذا لم يعد موقفها وحدها. فقد تضامنت معها جميع الدول العربية وخاصة دول مجلس التعاون التي اصبحت تطالب ايران في بيانات وزراء خارجيتها او في بيانات القمة لملوكها ورؤسائها، تطالب ايران بالتجاوب مع موقف الامارات الداعي الى عرض الموضوع على محكمة العدل الدولية إذا لم يتوصل الطرفان الى حل مرض لهما، بل والاكثر من ذلك، اصبحت دول الخليج العربية تربط بين حل قضية الجزر الاماراتية وازالة التوتر في علاقاتها مع الجمهورية الاسلامية.. والسؤال الذي يطرح نفسه بالطبع هو لماذا ترفض ايران قضية الاحتكام الى محكمة العدل الدولية؟ أليس في هذا الرفض دليل على عدم اقتناع القادة الايرانيين بقوة الحجج التي يسوقونها للتدليل على تبعية الجزر لبلادهم؟ ليس في نيتنا في هذه الدراسة القصيرة مناقشة الحجج القانونية لكل من ايران والامارات، فيما يخص السيادة على الجزر الثلاث.. فذلك موضوع بحاجة الى دراسة خاصة.

وتجدر الاشارة الى ان هناك حاليا عدة دراسات عن هذا الموضوع لعل اهمها كتاب الدكتور محمد عزيز شكري المعنون »مسألة الجزر في الخليج العربي والقانون الدولي« الصادر سنة 1972.. إلا انه لابد من لمحة ولو سريعة للتاريخ الحديث لهذه الجزر.

يقول الدكتور محمد عزيز شكري ان »الجزر الثلاث خضعت للقواسم العرب منذ عام 1750 على الاقل، وان سكانها جميعها ينتمون الى فروع ذات القبائل العربية التي تسكن البر المقابل، وعندما فرضت بريطانيا الحماية سنة 1820 على مشايخ الخليج ومنهم شيخ القواسم سلطان بن صقر القاسمي، على اثر ما سمته حروب القرصنة، اعتبرت الجزر الثلاث من توابع الشارقة ورفعت عليها اعلامها«.

وكانت الامارتان رأس الخيمة والشارقة آنذاك امارة واحدة وعندما انفصلت رأس الخيمة عن الشارقة في بداية القرن العشرين (1921) آلت جزيرة ابو موسى الى قواسم الشارقة وآلت طنب الكبرى وطنب الصغرى الى قواسم رأس الخيمة.. وكانت حيازة الامارتين للجزر فعلية ومتواصلة وهادئة حتى نوفمبر 1971.. كما كانت الامارتان تمارسان جميع مظاهر السيادة على الجزر الثلاث.. منها على سبيل المثال:

(1) وجود ممثلين لحاكمي الامارتين في البحر بصورة مستمرة.

(2) قيام امارتي الشارقة ورأس الخيمة منذ مطلع هذا القرن بمنح الامتيازات لاستخراج المواد المعدنية والنفطية في الجزر الثلاث ومياهها الاقليمية، وقد اعترفت ايران منذ البداية بـحق حاكمي الشارقة ورأس الخيمة في منح هذه الامتيازات.

(3) استيفاء حكام الشارقة ورأس الخيمة رسوما سنوية عن الانشطة الاقتصادية التي يقوم بها سكان الجزر كالصيد والغوص ورعي الماشية.

الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان هي ان بريطانيا كانت القوة الاولى في المنطقة حتى بداية القرن الحالي حيث اخذ نفوذ الولايات المتحدة الامريكية ومصالحها ينموان بشكل تدريجي حتى بلغا ذروتهما في عام 1971 بعد انسحاب بريطانيا من المنطقة وتسلم الولايات المتحدة مهمة ما سمي بـ »ملء الفراغ السياسي« في منطقة الخليج العربي لذلك يمكن القول ان اي بحث جدي لدراسة النزاع حول الجزر الثلاث لابد وان يعتمد بشكل اساسي على الوثائق البريطانية كمرجع اولي للتدقيق في اصل الخلاف وتطوره على مدى اكثر من 100 سنة.

الوثائق البريطانية لم تكتف بتأكيد تبعية هذه الجزر لامارتي الشارقة ورأس الخيمة فحسب، بل انها تورد بعض التصرفات الايرانية التي تدل بشكل او بآخر، على اعتراف ايران نفسها بأحقية العرب القواسم في حكم هذه الجزر.

من بين هذه التصرفات على سبيل المثال لا الحصر:

- في سنة 1904 قام موظف بلجيكي يعمل في مصلحة الجمارك الايرانية بزيارة جزيرتي ابو موسى وطنب الكبرى وانزل منهما علم الشارقة ورفع محله العلم الفارسي، فاحتج الممثل البريطاني في طهران نيابة عن شيخ الشارقة. وانكرت الحكومة الايرانية علمها بالحادث وامرت بإنزال علمها من الجزيرة. وقد تم ذلك بالفعل في 14 يونيو/حزيران من عام 1904 حيث اعيد علم الشارقة على الجزيرتين.

وظل علم الشارقة يرفرف على جزيرة ابو موسى وعلم رأس الخيمة يرفرف على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى الى ان انزلتهما القوات الايرانية في اواخر نوفمبر 1971.

- في عام 1929 طلبت الحكومة الايرانية عبر الحكومة البريطانية، شراء جزيرتي طنب من حاكم رأس الخيمة الذي رفض العرض الايراني جملة وتفصيلا، فقامت الحكومة البريطانية بإبلاغ ايران بهذا الرفض.

- وفي اكتوبر من عام 1930 اقترحت الحكومة الايرانية على حاكم رأس الخيمة استئجار جزيرة طنب الكبرى لمدة 50 عاما ولكنه رفض الاقتراح الايراني.

- وفي عام 1971 قبل فترة وجيزة من احتلالها للجزر، طلبت حكومة ايران مرة اخرى شراء جزيرتي طنب فرفض حاكم رأس الخيمة، ذلك ان مطالبة ايران بشراء او استئجار الجزر تتعارض تعارضا كليا مع ادعاءاتها بملكية هذه الجزر لأن السلوك الايراني يشكل هنا اساسا لتطبيق المبدأ القانوني المستقر دوليا والذي يقضي بأنه إذا اتخذ احد الاطراف باعترافه او سلوكه موقفا يخالف مخالفة بينه الحق الذي يدعيه، فإنه يمتنع عليه المطالبة بذلك الحق.

وترى من كل ما تقدم بأن ايران لا تمتلك من الوثائق الجدية والمعترف بها دوليا ما يخولها المطالبة بالسيادة على الجزر الثلاث.. فلماذا إذن هذا الاصرار على عدم ارجاع الحق الى اصحابه؟

يرى بعض المراقبين السياسيين بأن نظام الشاه السابق حرص على تعبئة الرأي العام الايراني وخلق شعور متعاطف معه حول النزاع على الجزر بعد ان ارغم على التخلي عن المطالبة بالبحرين ويبدو ان حكام الجمهورية الاسلامية حرصوا على السير في الاتجاه نفسه حيث عمدوا الى تأجيج المشاعر لدى الجماهير الايرانية وحثها على التمسك بالجزء الذي »حرر من السيطرة الاستعمارية«.

لقد بدأنا هذه الدراسة بالقول: ان هناك مؤشرات تدعو الى الاعتقاد بأن ايران جادة في سعيها لإزالة التوتر في العلاقات مع دول الجوار العربية، وخاصة تصريحات الرئيس المنتخب، محمد خاتمي، التي تميزت بالانفتاح على العالم والحرص على فتح صفحة جديدة لعلاقات جديدة مع دول مجلس التعاون تقوم على اساس حسن الجوار واحترام المصالح المشتركة كما لاحظنا ايضا تجاوبا جديا من قبل دول التعاون مع التوجهات الايرانية الجديدة.

ولا نملك في ختام هذه الدراسة إلا القول بأن على ايران ان تدرك بأسرع وقت ممكن، ان الخطوة الاولى الواجب عليها اتخاذها على هذا الدرب هي الاعلان عن قبولها بالاحتكام الى محكمة العدل الدولية في حالة تعذر الوصول الى اتفاق مرضٍ مع الامارات حول الجزر الثلاث.. لأن هذا الموضوع سيحدد، كما قال الامير سعود الفيصل وزير خارجية المملكة العربية السعودية، سيحدد »الآفاق التي يمكن ان تكون منطلقا لتطوير العلاقات الايرانية - العربية«.

المعادلة الصعبة التي تطرح نفسها على القيادة الايرانية وخاصة على الرئيس الجديد محمد خاتمي تتمثل في السؤال التالي:

- هل يعتبر التخلي عن الجزر الثلاث او على الاقل عن جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى والالتزام الجاد باتفاقية 1971 حول جزيرة ابو موسى.. هل يعتبر ذلك ثمنا باهظا لإنجاح سياسة ايران المعلنة لتطوير علاقاتها بدول الخليج العربية؟

 

* كاتب وسفير اماراتي سابق