جريدة القبس تاريخ 3/2/1994

 

الامارات لم تخلف رأس الخيمة والشارقة

بالالتزام بمذكرة التفاهم

 

بقلم: د. مديوس فلاح الرشيدي

 

ابو موسى وطنب الكبرى والصغرى.. لمن؟ ولماذا؟

 

لقد صدر البيان الختامي للقمة الرابعة عشرة لمجلس التعاون الخليجي لدول الخليج العربية في الثاني والعشرين من ديسمبر عام 1993 وكان من بين مواقفه دعوة الجمهورية الاسلامية الايرانية الى الاستجابة لدعوة رئيس دولة الامارات العربية المتحدة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الى اجراء حوار مباشر فيما يتعلق باحتلال ايران للجزر الثلاث العائدة لدولة الامارات العربية، وهي جزيرة ابو موسى وجزيرة طنب الكبرى وجزيرة طنب الصغرى.

كما اكد المجلس مجددا، تضامنه التام وتأييده المطلق لموقف دولة الامارات العربية المتحدة ودعمه للاجراءات والوسائل السلمية جميعها التي تراها مناسبة لاستعادة سيادتها على هذه الجزر استنادا الى مبادئ الشرعية الدولية.

وإذا كان لم يصدر حتى الآن رد ايجابي علني وصريح من قبل الجمهورية الاسلامية الايرانية على تلك الدعوة لقمة مجلس التعاون الخليجي، وإذا كانت منطقة الخليج الحيوية لا تحتمل نزاعا من هذا القبيل فوق ما فيها من نزاعات استنفدت ليس فقط قوتها الاقتصادية، التي يمكن تسخيرها لرفاه شعوب المنطقة بل ايضا استنفدت طاقتها البشرية وألهتها عن مواصلة تقدمها العلمي والتقني، الامر الذي ادى الى تأخر شعوبها عن ركب الحضارة الانسانية.

ومن المؤسف حقا ان يمتد عمر هذا النزاع على هذه الجزر ما يقارب من (اثني عشر عاما) بين دولتين مسلمتين كل منهما عضو في منظمة الامم المتحدة ومنظمة المؤتمر الاسلامي، وتحكم علاقاتهما الدولية مبادئ القانون الدولي، كما انهما يعتنقان الاسلام دينا ويأخذان بالشريعة الاسلامية الغراء قانونا يحكم علاقاتهما الدولية فيما بينهما، كدولتين مسلمتين وجارتين في بقعة من الارض ذات اهمية اقتصادية واستراتيجية للعالم بأسره.

وفي تقديرنا، ان السبب الكامن وراء اطالة عمر هذا النزاع يتمثل في تخلف النظام الدولي الاسلامي لحل النزاعات الدولية عن حل مثل هذا النزاع، إما لكون اغلب قواعد هذا النظام مجرد مشروعات لم تأخذ طريقها الى التطبيق العملي كمحكمة العدل الاسلامية المنبثقة عن ميثاق منظمة المؤتمر الاسلامي او لكون النظام نفسه ناقصا ومعيبا، كنظام حل النزاعات الدولية المنبثق عن ميثاق جامعة الدول العربية في المادتين 5 و6 منه. لذلك فإن الباعث الحثيث الذي يحدونا لإجراء هذه الدراسة هو تتبع مراحل تطور هذا النزاع الى ان آل الى ما آل اليه الآن ومحاولة تحليل ما يمكن تحليله ونقد ما يمكن نقده من نظامي حل النزاعات الدولية في ميثاق منظمة الامم المتحدة وميثاق منظمة المؤتمر الاسلامي في مواجهة هذا النزاع واقتراح الحلول المناسبة وفقا لنظامي حل النزاعات الدولية في القانون الدولي والشريعة الاسلامية الغراء ايهما اكثر انطباقا على هذا النزاع.

من اجل ذلك كله، فإن التعرض اولا الى الواقع الجغرافي لهذه الجزر وما آل اليه النزاع حتى الآن يكتسب اهمية قصوى من حيث انه يمثل الاساس الواقعي لأي حكم يصدر في موضوع النزاع، كما ان التعرض ثانيا للطبيعة القانونية لهذه الجزر وتحديد وسيلة حل النزاع الاكثر فاعلية وانطباقا على هذا النزاع في القانون الدولي او الشريعة الاسلامية لا يقل اهمية عن الاساس القانوني لأي حكم يصدر في موضوع النزاع يستند الى الاساس الاول فما هو إذن الواقع الجغرافي للجزر الثلاث والتطورات التي مر بها النزاع الى وقتنا الحاضر؟

 

اولا: الواقع الجغرافي ومراحل تطور النزاع:

1- الواقع الجغرافي:

 

تظهر اهمية التعرض للواقع الجغرافي لهذه الجزر الثلاث تهيئة السبيل نحو تحديد الطبيعة القانونية لهذه الجزر، كما سيأتي بيان مثل هذه الطبيعة، اضافة الى كون هذا الواقع احد الوقائع التي يستند اليها اي حكم لتحديد السيادة على هذه الجزر الثلاث يصدر عن محكمة دولية يتفق اطراف النزاع على رفع هذا النزاع اليها.

 

أ - جزيرة ابو موسى

فجزيرة ابو موسى تقع عند مدخل الخليج، حيث تبعد هذه الجزيرة عن مدينة الشارقة حوالي 35 ميلا بحريا، كما تبعد عن الساحل الايراني المقابل حوالي 43 ميلا بحريا.

كما ان مساحتها تبلغ حوالي 35 كيلومترا مربعا، حيث يبلغ طولها 7 كيلومترات، بينما يبلغ عرضها 5 كيلومترات تقريبا محاطة بمياه عميقة نسبيا يسكنها حوالي 1500 نسمة معظمهم من صيادي الاسماك. اما البعض الآخر فيعمل بالرعي والزراعة على نطاق ضيق كما يتوافر في هذه الجزيرة خام اوكسيد الحديد الاحمر بالإضافة الى ما يوجد في مياهها الاقليمية من مخزون بترولي بكميات اقتصادية مناسبة.

 

ب - جزيرة طنب الكبرى

كذلك فإن هذه الجزيرة تبعد عن امارة رأس الخيمة احدى امارات دولة الامارات العربية المتحدة حوالي 20 كيلومترا و17 ميلا الى الجنوب الغربي من جزيرة قشم الايرانية، بينما تقع الى الشمال الشرقي من جزيرة ابو موسى سالفة الذكر، حيث تبعد عنها 50 كيلومترا، يبلغ طول قطر جزيرة طنب الكبرى هذه حوالي 2،5 ميل، بينما تبلغ مساحتها حوالي 9 كيلومترات مربعة يسكنها حوالي 200 نسمة.

 

ج - جزيرة طنب الصغرى

 

تبعد هذه الجزيرة عن ساحل امارة رأس الخيمة مسافة 90 كيلومترا، بينما تبعد 8 اميال الى الغرب من جزيرة طنب الكبرى، حيث يبلغ طولها ميلا واحدا، أما عرضها فيبلغ ثلاثة ارباع الميل.

ظهرت بوادر هذا النزاع الى الافق مطلع القرن العشرين عندما تأكد اكتشاف كميات هائلة من المخزون البترولي في منطقة الخليج واكتشاف خام اوكسيد الحديد الاحمر في هذه الجزر فأخذ النزاع يتمثل في مراحله الاولى، بادعاءات متكررة في فترات زمنية منفصلة واحدة عن الاخرى بشأن السيادة على هذه الجزر، في الوقت الذي تدحض فيه امارتا الشارقة ورأس الخيمة هذه الادعاءات عن طريق الممارسة الفعلية للسيادة على هذه الجزر قبل واثناء هذه الادعاءات ولم ينكر عليهما، في ممارسة هذه السيادة على الجزر الثلاث اية دولة اخرى من دول المجتمع الدولي بما في ذلك الدولة الحامية - بريطانيا - مما يمثل اعترافا واقعيا بسيادة امارتي الشارقة ورأس الخيمة على هذه الجزر.

إلا ان الادعاءات الايرانية بالسيادة على الجزر الثلاث قد يكون فيها جانب من الصحة، إذا ثبت ما ادعته ايران: بأنها قد فقدت ممارسة سيادتها على تلك الجزر الى امارتي الشارقة ورأس الخيمة بفعل ضغط انجلترا، دولة الحماية على الامارتين كما ان الخريطة التي اعدتها جمعية الجغرافيا الملكية في عام 1892 تشير الى هذه الجزر على انها جزر ايرانية وذلك عن طريق الحجة المنطقية والوثائق الرسمية، بما في ذلك الخرائط الخاصة بتلك الجزر لا الخرائط التي تشير فقط الى الخليج بشكل عام على انه خليج فارسي، او عن طريق اعتراف المجتمع الدولي، كاعتراف منظمة عصبة الامم المتحدة بأن تلك الجزر انما هي جزر ايرانية.

 

مظاهر سيادة الامارات

 

لذلك فإنه في سبيل التحقق من مدى شرعية الادعاءات الايرانية بالسيادة على الجزر الثلاث فإنه ينبغي فحص مدى شرعية ممارسة امارتي الشارقة ورأس الخيمة لسيادتهما على الجزر الثلاث عن طريق تتبع مظاهر ممارسة تلك السيادة وكيفية نشأة كل مظهر من تلك المظاهر، واساسه القانوني الذي يستند اليه في شأنه.

فإذا ما اردنا تتبع مظاهر ممارسة امارتي الشارقة ورأس الخيمة لسيادتهما على الجزر الثلاث، فإننا نجد ان تلك المظاهر متعددة من حيث النوع والاساس القانوني الذي تستند اليه، بل انها احيانا متداخلة فيما بين الامارتين، فأحيانا تأخذ مظهر ابرام عقود امتياز التنقيب، واحيانا تأخذ شكل ادعاءات متبادلة بين الامارتين بشأن السيادة على احدى هذه الجزر الثلاث واخيرا فإن مظهر السيادة قد يأخذ مظهر استيطان بعض هذه الجزر بمواطني الامارتين على النحو التالي.

فإذا كان من مظاهر ممارسة سيادة اية دولة على اقليمها، ابرام عقود الامتياز الخاصة بالتنقيب عن المعادن فقد ابرمت الشركة الانجليزية(Golden Valley Ochre And Oxcide Co. Ltd)  عقدا اختياريا لمدة ستة اشهر مع الشيخ سلطان بن صقر القاسمي حاكم امارة الشارقة عام 1934 لاستغلال الاوكسيد الاحمر مقابل دفع هذه الشركة لمبلغ 500 روبية الى الشيخ سلطان ثم اتفق الطرفان في شهر فبراير 1935 على ابرام عقد امتياز في هذا الخصوص.

ولم يعترض المندوب السامي البريطاني في البحرين على هذا العقد مما يعني اعترافا واقعيا من قبل دولة الحماية بسيادة هذه الامارة على هذه الجزيرة ولم تحتج ايران على ذلك العقد إلا فيما بعد كما سيأتي بيانه، بل ان الدولة الحامية لم تعترض على قيام الشركة بتصدير الاوكسيد الاحمر المنتج من جزيرة ابو موسى الى الخارج في شهر ابريل عام 1939 وقيام هذه الشركة باستيراد احتياجاتها المختلفة عن طريق ميناء الشارقة.

بل ان ابرام عقد امتياز للتنقيب عن اوكسيد الحديد الاحمر في جزيرة ابو موسى كأحد مظاهر ممارسة السيادة لا يقتصر فقط على امارة الشارقة وقد اصبح ممارسة ثابتة تقرها ليس فقط الدولة الحامية، بل ايضا امارة رأس الخيمة كأحد مظاهر ممارسة هذه الاخيرة لسيادتها على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى يؤكد ذلك محاولة الشركة الانجليزية (Golden ValleyOchre And Oxcide Co. Ltd)  مد امتيازها الى جزيرتي طنب حيث طلب ممثل هذه الشركة من المعتمد البريطاني في امارة الشارقة بأن يحصل هذا الاخير للاول على ترخيص من المندوب السامي البريطاني في البحرين بمقابلة حاكم رأس الخيمة حسب رغبة هذا الاخير.

وبعد موافقة المندوب السامي البريطاني في البحرين وموافقة الشيخ سلطان بن سالم القاسمي حاكم رأس الخيمة قام مندوب الشركة الانجليزية بزيارة الى جزيرة طنب لمعرفة مدى امكانية وجود اوكسيد الحديد الاحمر في هذه الجزيرة.

وإذا كانت مظاهر ممارسة السيادة على جزيرتي الطنب قد تداخلت فيما بين امارتي الشارقة ورأس الخيمة في اوقات قليلة، إلا ان امارة رأس الخيمة انفردت بممارسة السيادة على هاتين الجزيرتين ففي عام 1912 ابرمت انجلترا اتفاقا مع شيخ امارة الشارقة لبناء منارة لإرشاد السفن على جزيرة طنب وفي 12 سبتمبر عام ،1934 طلب الشيخ سلطان بن سالم، حاكم رأس الخيمة من المقيم السياسي البريطاني بأن يقوم بإبرام اتفاق معه تستأجر بموجبه بريطانيا جزيرة طنب لإقامة تلك المنارة وتدفع بموجبه الى حاكم رأس الخيمة الايجار المقابل لذلك، مما ادى بالمقيم البريطاني الى مقابلة ذلك الطلب بالرفض.

وقد استمرت محاولات حاكم رأس الخيمة برفع علمه على جزر طنب منذ ذلك الحين وحتى 25 يناير ،1942 حيث قام المعتمد البريطاني في الشارقة بإرسال تقريره الى المندوب السامي البريطاني يذكر فيه، من بين امور اخرى ان حاكم رأس الخيمة يقوم بجباية الضرائب سنويا من سكان جزيرة طنب مما جعل المندوب السامي البريطاني في الخليج الكولونيل هاي  (Colonel W.R.Hay, Cie Hon, Ble Lient) يقوم بارسال احد الضباط الى جزيرة طنب في منتصف شهر ابريل من ذلك العام لتفقد احوالها، فأعرب له حاكم الشارقة من انه يرغب في رفع علمه فوق جزيرة طنب الكبرى، مما جعل المندوب السامي البريطاني يصدر تعليماته العامة بالموافقة على ذلك.

إلا ان خلافا حادا قد ثار بين امارتي الشارقة ورأس الخيمة بشأن السيادة على جزيرة طنب وذلك في عام 1948 حيث ان الامارتين قد مرتا بفترات من الاتحاد والانفصال وتعاقب السيادة على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى يوضح ذلك قيام المقيم السياسي البريطاني في الخليج بإرسال طلب الى المقيم السياسي في البحرين يطلب منه التحقيق في هذا الامر. فرد هذا الاخير بأنه لا توجد بشأن الموضوع اية سجلات دقيقة حول اعتراف الحكومة البريطانية بتبعية هذه الجزيرة لإمارة رأس الخيمة، وان كان هناك ارتباط وثيق بين الجزيرة وهذه الامارة منذ انتهاء امارة »لنجة« في عام ،1887 واضاف هذا التقرير، انه من عام 1869 وهو وقت استقلال حاكم رأس الخيمة عن الشارقة وحتى هذا الوقت في اواخر عام ،1948 وفيما عدا المدة الواقعة فيما بين 1906 الى عام ،1921 فإن امارتي الشارقة ورأس الخيمة كانتا تخضعان لحكم واحد ثم بعد ذلك استقلت امارة رأس الخيمة عن طريق استقلال احد فروع قبيلة القواسم، وهي القبيلة التي ينتسب اليها كل من حاكم الشارقة وحاكم رأس الخيمة فإن الحكومة البريطانية اعترفت باستقلال رأس الخيمة في عام 1921.

 

شركة تحرض ايران

 

وقد اخذت تظهر الادعاءات الايرانية بالسيادة على جزيرة ابو موسى وجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى شيئا فشيئا عندما اكتشفت شركة الوادي الذهبي كميات من الاوكسيد الاحمر في جزيرة هرمز الايرانية، وذلك عن طريق قيام هذه الشركة بتحريض الحكومة الايرانية بمد سيادتها الى جزيرة ابو موسى، كما اشار الى ذلك السفير البريطاني في ايران في رسالة بعث بها الى حكومته عام 1923.

وعلى الرغم من ان الايرانيين قاموا بإرسال بعثة جيولوجية الى جزيرة ابوموسى في نهاية عام 1925 لفحص كميات الاوكسيد الاحمر الموجودة هناك فقد ادى موقف الحكومة البريطانية المتشدد ضد تلك المحاولة وتمسكها بسيادة حاكم الشارقة على هذه الجزيرة الى قيام الحكومة الايرانية بإرسال تعليماتها الى جميع موظفيها بعدم المساس بجزر ابو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى مما جعلها تبرر ممارسة امارتي الشارقة ورأس الخيمة بالسيادة على الجزر الثلاث بأن ايران قد تخلت عن ممارستها لسيادتها على تلك الجزر تحت طائلة الضغط الانجليزي.

وفي اواخر عام 1948 اخذت الحكومة الايرانية تعرب عن تذمرها بسبب اتخاذ تلك الجزر كمناطق لتهريب البضائع الى ايران الامر الذي جعل المقيم البريطاني في الخليج بيلي Pelly يقوم بإرسال كتاب في شهر ديسمبر عام 1948 الى المندوب السامي البريطاني في البحرين يطلب منه بأن يستفسر من حاكم رأس الخيمة عن موضوع تلك الادعاءات ويحث هذا الاخير على المحافظة على ممتلكاته والدفاع عن تلك الجزر.

ومن اجل التحقق من الادعاءات الايرانية فقد طلب المندوب السامي البريطاني في البحرين بيلي Pelly من الوكالة البريطانية في الشارقة اعداد تقرير كامل عن جزر ابو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى وبالفعل فقد قامت هذه الوكالة بزيارة هذه الجزر في الفترة الواقعة بين 19 ــ 21 يناير ،1949 ووضعت تقريرا وفقا لذلك.

وقد اكد التقرير على ممارسة امارتي الشارقة ورأس الخيمة لمظهرين من مظاهر ممارسة سيادتهما على الجزر الثلاث وهما: انتساب سكان هذه الجزر الى سكان الامارتين وارتفاع علم كل من الامارتين على هذه الجزر.

فبالنسبة لجزيرة ابو موسى فقد تضمن التقرير تحديد عدد سكانها بستين مواطنا، ومائة واربعين عاملا يعملون في شركة الوادي الذهبي والاوكسيد، ومعظم سكانها من المواطنين المحليين ولم تزر الجزيرة إلا اربعة او خمسة مراكب فقط منذ شهرين اما بالنسبة لجزيرة طنب، فقد حدد التقرير عدد سكانها بحوالي ثمانين مواطنا، بالاضافة الى سبعة هنود وايرانيين وقد اكد التقرير انه لا توجد اية دلائل على استخدام هذه الجزر من قبل السفن لتهريب البضائع الى ايران.

اضافة الى ذلك فقد جاء في تقرير بيست (Best. Commander, Royal Navy G.F.M) وهو احد ضباط البحرية البريطانية ان هذا الاخير قد زار جزيرة ابو موسى وجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى بعد تلك الادعاءات الايرانية حيث رأى علم الشارقة يرتفع على جزيرة ابو موسى وعلم رأس الخيمة يرتفع على جزيرة طنب.

فتعدد وتنوع الادعاءات الايرانية بشأن السيادة على الجزر الثلاث على هذا النحو لا يمكن تبريره وتفسيره إلا على اساس ان ايران قد قصدت من وراء هذه الادعاءات جميعا عدم انقضاء ما تدعيه من حق بالسيادة على الجزر الثلاث بالتقادم من ناحية، وعدم اكتساب امارتي الشارقة ورأس الخيمة لحق السيادة على الجزر عن طريق الممارسة المستمرة للسيادة (Prescription) من ناحية اخرى ففي قضية جزيرة بالماس (Island of Palmas Case) لعام 1928 بين هولندا والولايات المتحدة الامريكية فقد اكد المحكم (Huber) ان عدم احتجاج اسبانيا ضد ممارسة هولندا للسيادة على جزيرة بالماس العائدة لإسبانيا يعتبر اذعاناً من هذه الاخيرة لهولندا مما ادى الى اكتساب هذه الاخيرة لملكية الجزيرة بواسطة التقادم.

 

عرض لاستئجار الجزر

 

ويبدو واضحا تنوع الادعاءات الايرانية بالسيادة على الجزر الثلاث وما ترمي اليه هذه الادعاءات من اهداف سبق ذكرها، عندما تحولت هذه الادعاءات من مجرد ادعاء السيادة على هذه الجزر ثم ادعاء استخدام هذه الجزر لتهريب البضائع الى محاولة ايران استئجار هذه الجزر من أجل. على ما يبدو الالتفاف حول التعنت البريطاني ضد ادعاءات ايران السابقة في السيادة على الجزر الثلاث ومحاولة ايران وضع تلك الجزر على الاقل تحت سيادتها الواقعية الى ان تحين الفرصة لتنفيذ ما تدعيه.

الا ان تلك المحاولة وان نجحت في الالتفاف حول التعنت البريطاني فلم تنجح في الالتفاف حول اصرار شيخي امارتي الشارقة ورأس الخيمة بشأن تمسكهما بالسيادة على تلك الجزر يوضح ذلك قيام الحكومة الايرانية في عام 1930 بتقديم اقتراح الى الحكومة البريطانية يقضي باستئجار ايران للجزر الثلاث لمدة خمسين عاما، وقد استطاعت بالفعل الحكومة البريطانية التأثير على حاكم رأس الخيمة الشيخ سلطان بن سالم القاسمي فوافق هذا الاخير على تأجير جزيرة طنب للحكومة الايرانية شريطة ان يظل علم امارته مرفوعا على هذه الجزيرة كأحد مظاهر ممارسته لسيادته عليها، والا يكون لإيران اية سلطة على رعايا الشيخ، مما اثار خلافات بين الطرفين تم على اثرها تعليق هذا الموضوع.

ثم هدأ هذا النزاع فترة ليست بقصيرة لتؤججه من جديد شركات البترول الغربية المتصارعة على مناطق امتيازات جديدة مما جعل النزاع يتخذ مسارا جديدا يتمثل في اتسام الادعاءات الايرانية بالتهديد باستخدام القوة لتنفيذ هذه الادعاءات وخصوصا بعد اعلان بريطانيا نيتها في الانسحاب من منطقة الخليج في عام 1971 في الوقت نفسه، فقد اظهرت كل من امارتي الشارقة ورأس الخيمة النية في الدفاع عن سيادتيهما على تلك الجزر ضد اي اعتداء خارجي وان كانت تنقصهما الوسائل اللازمة لذلك.

يظهر ذلك من انه في عام 1969 قام حاكم الشارقة بمنح شركة (Buttes) الانجليزية امتيازا لاكتشاف البترول في جزيرة ابو موسى ومياهها الاقليمية الى مسافة ثلاثة اميال بحرية وقاع وباطن قاع المنطقة المجاورة لسواحل هذه الجزيرة، كتأكيد لاستمرار ممارسة سيادته عليها، ثم قام حاكم الشارقة في 10 سبتمبر عام 1969 بإصدار قانون يتضمن مد مياهه الاقليمية الى مسافة اثني عشر ميلا بحريا من جزيرة ابو موسى.

وقد قامت شركة البترول الوطنية الايرانية (M.I.O.C) في 23 يونيو عام 1970 بإعلان شركة بوتس (Buttes) بأن ايران تحتفظ بحقها في اتخاذ ما تراه من عمل مناسب بشأن خضوع جزيرة ابو موسى ومياهها الاقليمية لسيادتها، كتأكيد في المقابل على استمرارية الادعاءات الايرانية بالسيادة على هذه الجزيرة يظهر ذلك من الاسانيد الجديدة التي استندت اليها تلك الادعاءات وهي: ان ايران قد سلمت هذه الجزيرة الى الشارقة وان بريطانيا قد اكدت مرارا ملكية ايران لها وان المحافظة على امن الخليج لا يكون إلا بخضوع هذه الجزيرة للسيادة الايرانية وامام ما تظهره انجلترا من لين امام هذه الادعاءات الايرانية بعد عقد عزم انجلترا على مغادرة منطقة الخليج في عام 1971 ابلغت ايران رسميا الحكومة الانجليزية في حوالي 19 مايو عام 1970 انها ــ اي ايران ــ تعتبر جزيرة ابو موسى ومياهها الاقليمية الى مسافة 12 ميلا بحريا خاضعة للسيادة الايرانية.

 

سكانها من العرب

 

فلم يكن من الشارقة في مثل هذا الوضع الجديد، إلا ان اعلنت من جانبها رفض الادعاءات الايرانية بالسيادة على جزيرة ابو موسى مؤكدة عروبة تلك الجزيرة حيث ان القبائل التي تسكن تلك الجزيرة ينحدرون من القبائل العربية نفسها التي تعيش في امارة الشارقة وان هذه الجزيرة عربية منذ الازل ولم تحتل من قبل اية قوة اجنبية.

ولم يكن بوسع ايران والشارقة تدارك تطور ذلك النزاع عن طريق عرضه على منظمة اسلامية او حتى دولية، حيث ان امارة الشارقة لاتزال في ذلك الوقت تخضع للحماية الانجليزية، الامر الذي يستلزم موافقة الدولة الحامية على ذلك وكان بوسع انجلترا عرض هذا النزاع على عصبة الامم المتحدة في منظمة الامم المتحدة او حتى جامعة الدول العربية، إلا انها لم تفعل ذلك، حيث ان المفاوضات المباشرة مع ايران قد تحقق لها مكاسب سياسية لم تكن تحصل عليها لو عرض النزاع على القضاء الدولي او حتى على منظمة اسلامية او دولية بل انه حتى لو وافقت الدولة الحامية على عرض النزاع على المنظمة الاسلامية الوحيدة في ذلك الوقت وهي جامعة الدول العربية حيث لم تصل منظمة المؤتمر الاسلامي بتطورها الى مرحلتها الحالية، فإن نظام حل النزاعات الدولية في ميثاق الجامعة كان ناقصا ومعيبا، كما سيأتي بيانه بحيث لا يتوقع ان يكون له اثر فعال في حل النزاع القائم.

 

صفقة اقتسام بريطانية

 

يظهر ذلك جليا من مواقف الحكومة البريطانية تجاه هذا النزاع في مراحله الاخيرة حيث توصلت كل من ايران والشارقة، بفضل جهود الحكومة البريطانية الى الاتفاق على مذكرة تشتمل على التفاهم بين البلدين بشأن مستقبل جزيرة ابو موسى ومياهها الاقليمية والتي قام بإعلانها حاكم الشارقة في 29 نوفمبر عام 1971 قبل قيام القوات الايرانية باحتلال جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى بأربع وعشرين ساعة مما يوضح فشل الجهود المبذولة لحل النزاع بالطرق القانونية ومحاولة احد طرفي النزاع حله عن طريق استخدام القوة وان كان ذلك جزئيا على الاقل بالنسبة لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى او التهديد باستخدام القوة والتي تحت طائلته وافقت امارة الشارقة على مذكرة التفاهم مع ايران بشأن مستقبل جزيرة ابو موسى.

ففي القاء نظرة على مذكرة التفاهم هذه نجد انها لم تتطرق الى موضوع السيادة على جزيرة ابو موسى. ولم يتخل اي من  الطرفين عن ادعائه بشأن السيادة على تلك الجزيرة، لذلك فإن تلك المذكرة ما هي إلا حل مؤقت اتفق عليه بين البلدين، فالمذكرة تشتمل على النظام الذي ينبغي ان تخضع له الجزيرة حيث يتمثل هذا النظام بأن لإيران الحق بإنزال قوات عسكرية ورفع العلم الايراني على منطقة تم تحديدها في الخريطة المرفقة بتلك  المذكرة مع خضوع تلك المنطقة للاختصاص الايراني كذلك منحت المذكرة الشارقة حق الاختصاص على ما تبقى من الجزيرة بالإضافة الى حقها في رفع علمها على مركز البوليس التابع لها في الجزيرة كما تم في تلك المذكرة الاتفاق على اقتسام عائدات البترول المنتج من الجزيرة ومياهها الاقليمية بالتساوي مع المساواة بين مواطني الدولتين فيما يتعلق بحقوق الصيد في المياه الاقليمية للجزيرة.

إلا انه قد ثار نقاش حول مدى قانونية مذكرة التفاهم المبرمة بين ايران والشارقة حول جزيرة ابو موسى حيث ان هناك من الدول العربية من قال إن ذلك الاتفاق غير قانوني على اساس ان حاكم الشارقة قد ابرمه تحت ظرف من ظروف الإكراه، بالإضافة الى انه ليس لديه السلطة بتوقيع ذلك الاتفاق يظهر ذلك من التغيير المفاجئ لحاكم الشارقة وان كان الحاكم الجديد قد اعلن في 2 فبراير عام 1972 انه سوف يقف الى جانب الاتفاق الذي ابرمه سلفه مع ايران ثم انه سوف يطلب من ايران ابرام اتفاق جديد بدلا من الاتفاق الذي ابرمه سلفه.

 

مبدأ »الصحيفة البيضاء«

 

ان اهم مظهر من مظاهر رفض مذكرة التفاهم تلك ليس فقط من قبل الدول العربية بل ايضا من قبل دولة الامارات العربية المتحدة التي قامت كنتيجة لاتحاد الامارات السبع ومن بينها امارة الشارقة، ان دولة الامارات العربية لم تعلن عن موقفها صراحة بشأن تلك الاتفاقية مما يعني انها طبقت مبدأ الصحيفة البيضاء Slate) (Clean - على مذكرة التفاهم تلك باعتبارها من المعاهدات غير المتكافئة (Unequal Treaties) وبالتالي فإنها لم تخلف امارة الشارقة في الالتزامات الناشئة عن تلك المذكرة.

اما بالنسبة لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى فقد رأت الحكومة البريطانية قبل احتلال ايران لهاتين الجزيرتين ضرورة اتفاق ايران ورأس الخيمة بشأن وضع نظام يحدد مستقبل الجزيرتين بعد انسحاب بريطانيا من الخليج في عام ،1971 فبذلت الحكومة البريطانية جهودا مضنية في هذا الاتجاه إلا انها لم تسفر عن نتيجة ما عزت الحكومة البريطانية السبب فيه الى ان حاكم رأس الخيمة لم يستطع التوصل الى اتفاق مع الحكومة الايرانية في هذا الخصوص بينما يرى الشيخ ان السبب في عدم التوصل الى اتفاق مع ايران انما يرجع الى التعنت الايراني وتمسك ايران بادعاءاتها على الجزيرتين.

يظهر ذلك جليا من الاسانيد التي اتخذتها ايران اساسا لادعاءاتها بالسيادة على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى والمتمثلة بأنه »على مدى اكثر من قرن« ابتداء من 1870 فإن الخرائط البريطانية تشير الى ان هاتين الجزيرتين انما هما فارسيتان اما السبب الحقيقي وراء هذا الاحتلال فهو الاهمية الاستراتيجية لهاتين الجزيرتين.

حيث رأت ايران ضرورة احتلالهما بعد الانسحاب البريطاني، حيث انه لا يوجد اي اتفاق بين ايران ورأس الخيمة بشأن انزال قوات ايرانية في الجزيرتين كما هو الحال بالنسبة لجزيرة ابوموسى، اضافة الى ان ذلك قد وقع قبل انهاء معاهدة الحماية بين بريطانيا ورأس الخيمة وانسحاب بريطانيا بيوم واحد من الخليج.

على ان الاحتلال الايراني لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى قد واجه احتجاجا عنيفا رفع الى مجلس الامن الذي اجتمع في 9 ديسمبر 1971 لمناقشة هذه المسألة من ذلك ان ممثل دولة الامارات العربية المتحدة في مجلس الامن قد اعتبر ان ذلك العمل من جانب ايران انما هو عمل لا يمكن تبريره من الناحيتين التاريخية والقانونية، فضلا عن تعارضه مع ما ينص عليه ميثاق الامم المتحدة ثم اضاف قائلا: ان الحكومة البريطانية قد اكدت من جانبها في عدة مناسبات ان هاتين الجزيرتين انما هما جزيرتان عربيتان، وان الادعاءات الايرانية بالسيادة عليهما ليس لها ما يبررها من الناحيتين التاريخية والقانونية.

كما انتقدت عدة دول عربية موقف الحكومة البريطانية من الاحتلال الايراني لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى على اساس انه في وقت الاحتلال لم تكن معاهدة الحماية بين بريطانيا ورأس الخيمة قد انهيت مما يحتم على بريطانيا الدفاع عن رأس الخيمة ومنع ايران من احتلال تلك الجزر ومن بين تلك الدول العربية التي انتقدت بريطانيا في موقفها هذا دولة الكويت، حيث ان ممثل دولة الكويت قد اشار الى ان الحكومة الكويتية قد طلبت من ايران ان تحيل قضية الجزر الى محكمة العدل الدولية او الى التحكيم، إلا ان مساعي السلام هذه قد رفضت من قبل ايران فبرر ممثل الكويت موقف ايران هذا بأنها لا تستطيع مواجهة حقائق ثابتة وغير متنازع عليها مؤداها ان تلك الجزر لا يمكن ان تكون إلا عربية وان في استمرارية المرور الحر من خلال مضيق هرمز ليس فقط امرا ضروريا لإيران، وإنما هو ايضا امر ضروري للكويت والدول الاخرى المطلة على الخليج.

إلا انه على الرغم من هذه الاحتجاجات العنيفة، فقد استمرت ايران حتى الآن باحتلالها لهذه الجزر الثلاث الامر الذي ادى الى عدم التوصل الى اتفاق بين بعض امارات دولة الامارات العربية المتحدة وايران من اجل تحديد الجرف القاري بينهما.

ولما كانت دولة الامارات العربية المتحدة والجمهورية الاسلامية الايرانية قد وقعتا اتفاقية البحار لعام 1982 في 10 ديسمبر 1982 وان لم يصدقا عليها حتى الآن ولما كان كل منهما قد صدق على ميثاق منظمة المؤتمر الاسلامي، وعضو في منظمة الامم المتحدة فإن موضوع الجزر الثلاث وما نشأ عنه من نزاع بين هاتين الدولتين المسلمتين ينبغي الفصل فيه وفقا لمبادئ القانون الدولي والشريعة الاسلامية الغراء ايهما اكثر انطباقا، توطيدا لأواصر الاخوة الدينية واستقرار الامن والسلام الدوليين في هذه المنطقة الحيوية من العالم ولا يكون ذلك ممكنا إلا بتحديد ما إذا كانت هذه الجزر تعتبر جزرا في مفهوم القانون الدولي من اجل تطبيق ما يتضمنه هذا القانون ومبادئ الشريعة الاسلامية من نظام لحل النزاعات الدولية من هذا القبيل وتحديد نظام حل النزاعات الدولية الاكثر انطباقا على هذا النوع في النظامين الدولي والاسلامي.

 

الوضع القانوني

 

ثانيا: هل تعتبر الجزر الثلاث جزرا في مفهوم القانون الدولي؟ وما هو النظام القانوني لحل النزاعات الدولية في القانون الدولي والشريعة الاسلامية الاكثر انطباقا على هذا النزاع؟

 

1- الطبيعة القانونية لهذه الجزر الثلاث

 

يعتبر تعريف المقصود بالجزر وتحديد طبيعتها القانونية من المسائل المهمة في حل اي نزاع يدور بشأن السيادة عليها او حتى بشأن اثرها على تحديد الحد الخارجي للجرف القاري بين الدول المتقابلة كدولتي الامارات العربية المتحدة والجمهورية الاسلامية الايرانية حيث ان تحديد المقصود بالجزيرة في مفهوم القانون الدولي، يحدد ما إذا كان النزاع القائم يدور بشأن السيادة على جزيرة ام لا. فإذا كان النزاع يدور بشأن السيادة على نتوء وما شابهه، فإن النزاع يكون بشأن حدود بحرية ويخضع للقواعد التي تنظم تلك في القانون الدولي اما إذا كان النزاع يثور بشأن السيادة على جزيرة ينطبق عليها تعريف الجزيرة في مفهوم القانون الدولي، فإن حل ذلك النزاع يخضع لقواعد القانون الدولي التي تنظم حل النزاعات الدولية بشأن السيادة على الاقليم الارضي.

إلا ان انطباق تعريف جزيرة على الجزر الثلاث ليس في حد ذاته نهاية المطاف حيث تثور صعوبات اخرى قد تحيط بموضوع النزاع، وان كانت صعوبات ثانوية بالنسبة للنزاع ذاته، حيث تتعلق تلك الصعوبات بتحديد المقصود بالامتدادات البحرية لجزر البحار شبه المغلقة، كجزيرة ابو موسى وجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى واللاتي تقع في الخليج ذلك الخليج الذي يشبه الى حد كبير البحر شبه المغلق في مفهوم القانون الدولي العام.

بل ان اهمية تحديد الطبيعة القانونية للجزر الثلاث تظهر جليا إذا ما علمنا ان النزاع بين دولة الامارات العربية المتحدة والجمهورية الاسلامية الايرانية بشأن السيادة على الجزر الثلاث قد ادى الى قيام نزاعات حدود بحرية بين الدولتين وعدم استكمال تحديد الحدود البحرية بينهما.

وقد تضمن القانون الدولي تعريفا لما يعتبر جزيرة حيث عرفت المادة 10/1 من اتفاقية جنيف لعام 1958 بشأن البحر الاقليمي والمادة 121/1 من اتفاقية البحار لعام 1982 المقصود باصطلاح »جزيرة« بأنه ».. رقعة من الارض متكونة طبيعيا ومحاطة بالماء، وتعلو عليه في حالة المد..« وبتطبيق هذا التعريف على جزيرة ابوموسى وجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى نجد انها جميعا.

قد تكونت بفعل الطبيعة فهي ليست جزرا صناعية.

وهي جميعا محاطة بالماء.

وهي جميعا لا تغمرها المياه في حالة المد.

لذلك فإن تعريف الجزيرة بالمفهوم القانوني ينطبق على هذه الجزر جميعا، وبالتالي فإن النزاع بشأن السيادة عليها جميعا يخضع لنظام حل النزاعات الدولية بشأن السيادة على الاقليم الارضي لا البحري، فما هي تلك الوسائل؟

 

اي حل؟

 

2- ما نظام حل النزاعات الدولية في القانون الدولي او الشريعة الاسلامية الاكثر انطباقا على النزاع القائم بشأن السيادة على الجزر الثلاث؟

لما كنا في صدد البحث عن افضل الوسائل السلمية لحل هذا النزاع في النظامين الدولي والاسلامي فإنه ينبغي بادئ ذي بدء تهيئة الجو السلمي وذلك عن طريق تطبيق مبدأ عدم استخدام القوة او التهديد باستخدامها في حل النزاع القائم، ثم تحليل ونقد ما يمكن تحليله من نظام حل النزاعات الدولية في القانون الدولي والشريعة الاسلامية من اجل تحديد ايهما اكثر انطباقا على النزاع القائم.

أ - تطبيق مبدأ الامتناع عن استخدام القوة او التهديد باستخدامها لحل النزاع القائم بشأن السيادة على الجزر الثلاث.

لما كانت دولة الامارات العربية المتحدة تدعي ان هذه الجزر الثلاث تعتبر جزءا لا يتجزأ من اقليم دولة الامارات العربية المتحدة وكذلك ايران، ولما كانت الاولى تدعي ان ايران ليس فقط قد استخدمت القوة المسلحة باحتلال جزء لا يتجزأ من اراضيها بل ايضا استخدمت القوة لحل النزاع القائم بشأن السيادة على هذه الجزر فإنه ينبغي على قوات الدولتين الانسحاب الى مواقعها التي كانت بها قبل 30/11/،1971 تطبيقا لمبادئ القانون الدولي والشريعة الاسلامية الواردة في ميثاق منظمة الامم المتحدة وميثاق منظمة المؤتمر الاسلامي.

فالمادة 11/د/5 من ميثاق منظمة المؤتمر الاسلامي تشترط انه »الامتناع عن التهديد او استخدام القوة ضد وحدة الاراضي، الوحدة الوطنية او الاستقلال السياسي لأي دولة عضو«، مما يجعل هذا النص يتضمن احد المبادئ الرئيسية لميثاق منظمة المؤتمر الاسلامي فمبدأ احترام السيادة والاستقلال ووحدة الاراضي لكل دولة عضو لا معنى له إذا لم ينص على تحريم اللجوء الى القوة لحل النزاعات الدولية كالنزاع القائم بين دولة الامارات العربية المتحدة والجمهورية الايرانية الاسلامية بشأن السيادة على الجزر الثلاث.

ولم يتأكد النص على هذا المبدأ في ميثاق منظمة المؤتمر الاسلامي فقط بل ايضا قد سبق التأكيد عليه في ميثاق منظمة الامم المتحدة حيث ان المادة 11/ب/5 من ميثاق منظمة المؤتمر الاسلامي يمكن اعتبارها اعادة للمادة 2/4 من ميثاق منظمة الامم المتحدة، بحيث تؤديان المعنى نفسه فيما يتعلق بتحريم التهديد بالقوة او استخدامها لحل النزاعات الدولية كلجوء الجمهورية الاسلامية الايرانية الى القوة العسكرية واحتلال الجزر الثلاث بدلا من اللجوء الى الوسائل السلمية لحل هذا النزاع، فمبدأ تحريم استخدام القوة او التهديد باستخدامها لحل النزاعات الدولية وفقا لهذا التحليل يعتبر مبدأ اساسيا من مبادئ القانون الدولي حيث يشتمل ليس فقط على صفات الالتزام التعاقدي الذي تفرضه المعاهدة على اطرافها بل ايضا يعتبر قاعدة من قواعد القانون الدولي العرفي الملزم للدول الاعضاء كدولة الامارات العربية المتحدة والجمهورية الاسلامية الايرانية والدول غير الاعضاء.

فعبارة »ضد وحدة الاقليم« كقيام القوات الايرانية باحتلال الجزر الثلاث والتي تدعي دولة الامارات بأنها جزء لا يتجزأ من اقليمها، هذه العبارة تشتمل على حقوق يؤدي استخدام القوة او التهديد باستخدامها من نزاع قائم بشأنها الى انتهاك مثل هذه الحقوق فالالتزام بعدم التهديد بالقوة او استخدامها المنصوص عليه في المادة 11/ب/5 من ميثاق منظمة المؤتمر الاسلامي تنطبق تماما على جميع الحقوق التي يشتمل عليها مبدأ الاستقلال السياسي ووحدة الاراضي، بل ان الامر يتعدى ذلك، حيث ان تعبير »الوحدة الوطنية« في هذه المادة لا يمكن تفسيره على انه تأكيد لتحريم استخدام القوة لتفكيك الوحدة الوطنية لأية دولة عضو فقط بل ايضا يشتمل على التزام بالابتعاد عن مد المساعدة لأية جماعة انفصالية ضمن حدود اية دولة عضو.

كما يمكن تفسير عبارة »القوة« الواردة في المادة 11/ب/5 من ميثاق منظمة المؤتمر الاسلامي والمادة 2/4 من ميثاق منظمة الامم المتحدة على انها تعني اساسا استخدام القوة المسلحة المباشرة كاستخدام القوات العسكرية على اختلاف انواعها كما حدث عندما قامت القوات الايرانية باحتلال الجزر الثلاث في 30/11/1971 او استخدام القوة غير المباشرة كاستخدام المرتزقة وينبغي ملاحظة ان المادة 11/ب/5 من ميثاق منظمة المؤتمر الاسلامي تدعو ليس فقط الى عدم استخدام القوة وإنما ايضا الى الابتعاد عن »التهديد« باستخدام القوة وهو امر يعتبر استثناء على تفسير المقصود بتعبير »القوة« والتي تعني »القوة العسكرية«، بحيث يعتبر التهديد باستخدام القوة مثالا على التهديد باستخدام قوة غير مادية تندرج تحت نص هذه المادة كالدعايات التي تثار اثناء الحرب وما الى ذلك.

إلا انه ليس واضحا من لغة المادة 11/ب/5 من ميثاق منظمة المؤتمر الاسلامي ما إذا كان الاصطلاح »القوة« ينبغي قصرها على »القوة العسكرية« او انها تشمل انواعا اخرى من الضغط وان كان هذا التفسير الاخير قد فضلته دول العالم الثلاث ومن ضمنها الدول الاسلامية.

وعلى الرغم من ان ميثاق منظمة المؤتمر الاسلامي لم يتضمن اي استثناء على ما ورد في المادة 11/ب/5 إلا انه لا يمكن القول إن هذا النص قد قيد من حق الدفاع الشرعي الذي يكون لكل دولة الحق باستخدامه ضد اي هجوم مسلح يقع على اي جزء من اراضيها كادعاء دولة الامارات العربية بقيام القوات الايرانية باحتلال الجزر الثلاث في 30/11/1971 حيث يكون استخدام القوة في مثل هذه الحالة للدفاع عن النفس مشروعا بالإضافة الى ذلك فإن المادة 51 من ميثاق منظمة الامم المتحدة والتي لدولة الامارات العربية المتحدة الحق في تطبيقها كأحد اعضاء منظمة الامم المتحدة تمنع اي دولة حق استخدام القوة في حالة الدفاع الشرعي لردع اعتداء عسكري حقيقي واقع عليها، وان كانت دولة الامارات العربية المتحدة في ذلك الوقت ليست من القوة بمكان بحيث تستطيع ممارسة حق الدفاع الشرعي بشكل فعال.

ولما كانت الجمهورية الاسلامية الايرانية عندما قامت باحتلال الجزر الثلاث عسكريا، انما تدعي ان تلك الجزر قد اقتطعت منها بواسطة القوات البريطانية عندما كانت الامارات تخضع للحماية الانجليزية فإن هذين النصين المادة 11/ب/5 من ميثاق منظمة المؤتمر الاسلامي والمادة 51 من ميثاق منظمة الامم المتحدة يمنحان الجمهورية الاسلامية الايرانية حق استخدام ما يسمى بحق الدفاع الشرعي ضد هجوم مسلح محتمل على جزء من اراضيها يتمثل باستيلاء قوات الامارات العربية المتحدة لهذه الجزر عند انسحاب القوات البريطانية منها في 31/11/1971.

فعلى الرغم من وضوح نص المادة 51 من ميثاق منظمة الامم المتحدة فقد حدث جدل حول عبارة »إذا ما وقع اعتداء عسكري« الواردة في المادة 51 من ميثاق منظمة الامم المتحدة حيث ان هناك من قال بأنه وفقا لهذا التعبير، فإن هذه المادة لا تمنع من استخدام حق الدفاع الشرعي الاحتمالي، والذي عادة ما يستخدم في القانون الدولي التقليدي ضد هجوم عسكري محتمل وقد يؤدي هذا التفسير الواسع لنص المادة 51 من ميثاق منظمة الامم المتحدة الى احتمالات كثيرة تستخدم فيها القوة غير المشروعة تحت ذريعة استخدام حق الدفاع الشرعي الاحتمالي، يترك فيها لكل دولة تقرير ما إذا كان هناك احتمال وقوع هجوم مسلح من عدمه.

وإذا كان ميثاق منظمة المؤتمر الاسلامي وميثاق منظمة الامم المتحدة يحظران استخدام القوة على هذا النحو فإن النزاع القائم بين دولة الامارات العربية المتحدة والجمهورية الاسلامية الايرانية بشأن السيادة على الجزر الثلاث ينبغي حله وفقا للوسائل السلمية التي يحددها كل من ميثاق منظمة المؤتمر الاسلامي في المادة 2/ب/4 وميثاق منظمة الامم المتحدة في المادة 33 منه ايهما اكثر انطباقا.

ب - تطبيق نظام حل النزاعات الدولية في القانون الدولي والشريعة الاسلامية وتحديد ايهما اكثر انطباقا على النزاع القائم.

فالمادة 2/ب/4 من ميثاق منظمة المؤتمر الاسلامي تشتمل على مبدأ حل النزاعات الدولية وفقا للوسائل السلمية وهو مبدأ مرتبط بذلك المبدأ الذي تتضمنه المادة 2/ب/5 من الميثاق نفسه والذي يقضي بالامتناع عن التهديد باستخدام القوة او استخدامها ضد الوحدة الاقليمية، الوحدة الوطنية او الاستقلال السياسي لأية دولة عضو، حيث ان هذين النصين يرددان المعنى نفسه الوارد في المادة 2/3/4 من ميثاق منظمة الامم المتحدة.

فالمادة 2/ب/4 تقضي بوجوب حل اي نزاع قد يثور بين الدول الاعضاء في منظمة المؤتمر الاسلامي بواسطة الوسائل السلمية وان كان كل من المادة 2/ب/4 من ميثاق منظمة المؤتمر الاسلامي والمادة 2/3 من ميثاق منظمة الامم المتحدة لم يحددا طريقة حل ذلك النزاع تاركتين ذلك للمادتين ،33 37 من ميثاق منظمة الامم المتحدة.

فالمادة 33/1 من ميثاق منظمة الامم المتحدة تحدد طريقة حل اي نزاع ينشأ بين دولتين او اكثر كالنزاع القائم بين دولة الامارات العربية المتحدة والجمهورية الاسلامية الايرانية بشأن السيادة على الجزر الثلاث عن طريق »المفاوضات«، التحقيق، الوساطة، المصالحة، التحكيم، القضاء عرض النزاع على المنظمات الاقليمية او اية وسائل سلمية اخرى يختارها اطراف النزاع فإذا ما فشل الاطراف في حل نزاعهم وفقا لهذه الوسائل فإن المادة 37/1 من ميثاق منظمة الامم المتحدة تلزم الاطراف بعرض هذا النزاع على مجلس الامن الدولي.

وقد رددت المادة 2/ب/4 من ميثاق منظمة المؤتمر الاسلامي وسائل النزاعات الدولية الواردة في المادة 33/1 من ميثاق الامم المتحدة مع بعض الاختلافات البسيطة كعدم ذكر القضاء من بين وسائل حل النزاعات الدولية التي ذكرتها هذه المادة مما يمكن معه طرفي النزاع دولة الامارات العربية والجمهورية الاسلامية الايرانية كعضوين في منظمة المؤتمر الاسلامي، الاكتفاء بنظام حل النزاعات الذي تضمنته المادة 2/ب/4 من ميثاق منظمة المؤتمر الاسلامي.

 

القضاء انتهاك للسيادة!

 

ويرجع عدم ذكر القضاء من بين وسائل حل النزاعات الدولية التي ذكرتها المادة السابقة الى موقف الدول الاسلامية غير المؤيد لتحديد وسيلة معينة وسلمية لحل النزاعات الدولية وهو موقف ايضا اتخذته الدول الاخرى عند اعلان مبادئ القانون الدولي، وان كان الاعلان قد اشار الى المادة 2/3 من ميثاق منظمة الامم المتحدة بشأن فض النزاعات الدولية بالوسائل السلمية والمادة 33/1 من ميثاق منظمة الامم المتحدة والتي تؤكد على مبدأ السيادة وما ينشأ عن ذلك من حق اطراف النزاع في اختيار الوسائل المناسبة لحله إلا انه لا يمكن اعتبار لجوء اطراف النزاع اختيارا الى القضاء لحل نزاعهم على انه يمثل انتهاكا او انتقاصا من مبدأ السيادة.

ويمكن تفسير عدم عرض النزاع القائم بين الدولتين على القضاء الدولي، على الرغم من تكرار دعوة دولة الامارات العربية المتحدة الى ذلك الى انتهاج الجمهورية الاسلامية الايرانية للرأي القائل بعدم جواز عرض النزاع القائم بين شخصين مسلمين على قاض غير مسلم كمحكمة العدل الدولية في تشكيلها الحالي، كما سيأتي بيانه وكذلك انتهاجها للرأي السائد في القانون الدولي والقائل، بأن مؤسسات القضاء المختلفة غير مناسبة لحل جميع النزاعات الدولية، والتي يكون اغلبها يتمثل في نزاعات ناشئة عن تضارب المصالح وادعاءات الاطراف بتغيير القانون الواجب للتطبيق وهو موقف اعتنقته كثير من الدول الاسلامية وغير الاسلامية بل ان رفع قضية من قبل اي طرف من اطراف النزاع الى محكمة العدل الدولية او الى اية منظمة اقليمية قد تعتبره الدولة الاخرى الطرف في النزاع عملا غير ودي.

ولما كانت كل من دولة الامارات العربية المتحدة والجمهورية الاسلامية الايرانية ليستا ملزمتين باللجوء الى الجزء الخامس عشر من اتفاقية البحار لعام 1982 والخاص بحل النزاعات الدولية حيث لم يصدقا على هذه الاتفاقية فإنهما ملزمتان قانونا بحل هذا النزاع عن طريق استخدام الوسيلة السلمية الاكثر فاعلية والتي تتفق مع مبادئ الشريعة الاسلامية.

ج - الوسيلة السلمية، إذا كان نظام حل النزاعات الدولية في ميثاق منظمة المؤتمر الاسلامي لا يختلف كثيرا عن مثيله في القانون الدولي وإذا كنا قد فضلنا تطبيق نظام حل النزاعات الدولية الذي اشتمل عليه ميثاق منظمة المؤتمر الاسلامي بشأن حل النزاع القائم، فإن الوسائل السلمية التي اشتمل عليها هذا النظام لا تختلف كثيرا عن تلك الوسائل التي اشتمل عليها ميثاق منظمة الامم المتحدة، وان كان هناك اختلاف جوهري لا يظهر إلا عند التطبيق الفعلي لهذه الوسائل.

فنظام حل النزاعات في الشريعة الاسلامية يحدد شروطا معينة لتولي القضاة حددها جمهور الفقهاء من اهمها واخطرها ان يكون القاضي مسلما، فلا يجوز عرض هذا النزاع على قاض غير مسلم، وبالتالي فإنه ليس فقط نظام حل النزاعات في القانون الدولي لا ينطبق على هذا النزاع، بل ايضا بعض وسائل هذا النظام ومن اهمها القضاء والتحكيم.

فالقاضي في النظام الاسلامي يعتبر من ولاة الامر ولما كانت عبارة »اولي الامر« لم ترد في القرآن الكريم إلا مقرونة بأن يكون مسلما فإنه لا يجوز عرض مثل هذا النزاع على قاض غير مسلم يؤكد ذلك قوله تعالى: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا« حيث ان القضاء سبيل من سبل الولاية على المسلمين.

مما يعني ان محكمة العدل الدولية بتشكيلها الحالي، لا تصلح وفقا لمبادئ الشريعة الاسلامية ان تنظر هذا النزاع حيث انه نزاع بين دولتين مسلمتين إلا وفقا لمبدأ الضرورة حتى يتم تشكيل محكمة العدل الاسلامية الدولية ومنحها اختصاصا الزاميا بالنسبة للنزاعات التي قد تثور بين الدول الاسلامية.

 

الوساطة والمصالحة

 

ونظرا لتخلف النظام الدولي الاسلامي في هذا الخصوص، فإن الرجوع في ممارسات الدولة الاسلامية لمعرفة افضل الوسائل الاكثر فاعلية لمواجهة مثل هذا النزاع، والتي استقرت في الممارسات الاسلامية يكون مطلبا ليس فقط وطنيا وانما ايضا اسلامي.

وفي تتبع ممارسات الدولة الاسلامية تجد ان وسيلة المفاوضات والوساطة والمصالحة لحل اي نزاع قد فضله الرسول صلى الله عليه وسلم على التحكيم والقضاء حيث ان ذلك يؤدي الى السلام الصحيح كنتيجة للتنازلات الاختيارية من قبل كل طرف من اطراف النزاع والتي تتم بمحض ارادتهم دون ان يفرضها عليهم احد آخر.

وعلى الرغم من ان ممارسات الدولة الاسلامية تثبت ان هناك وسائل سلمية لحل النزاعات وان هناك قضايا تحكيم عقدت في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وفي زمن الحكومات الاسلامية التالية إلا انه يفضل استخدام وسيلة المصالحة لحل النزاع.

لذلك فإن المادة 2/ب/4 من ميثاق منظمة المؤتمر الاسلامي قد التزمت في ممارسات الدولة الاسلامية في حل النزاعات وحددت لذلك وسائل سلمية مختلفة يتم اختيارها وفقا لما يفضله اطراف النزاع، وان كنا نفضل ان يشتمل النص على التزام اطراف النزاع على اختيار اي وسيلة من هذه الوسائل وعلى اية حال، فإنه وفقا لهذا النص فإن النزاع القائم بين دولة الامارات العربية المتحدة والجمهورية الاسلامية الايرانية بشأن السيادة على الجزر الثلاث ينبغي حله عن طريق اجراء المفاوضات فإذا لم يتم التوصل الى نتيجة فيتم اللجوء الى الوساطة والمصالحة، ثم اخيرا الى التحكيم.

إلا انه إذا كان نص المادة 2/ب/4 من ميثاق منظمة المؤتمر الاسلامي يشترط ان يتم حل النزاعات الدولية عن طريق اللجوء الى الوسائل السلمية فإن هذا النص لم يحدد الاجراءات الواجب اتباعها من اجل اللجوء الى وسيلة التحكيم بينما تم تحديد اجراءات اللجوء الى الوسائل السلمية الاخرى كالمفاوضات والوساطة والمصالحة وتتمثل اجراءات اللجوء الى مثل هذه الوسائل الاخيرة باتباع القنوات الدبلوماسية المختلفة والمساعي الحميدة التي يقوم بها طرف آخر او يقوم بذلك وزراء خارجية المؤتمر الاسلامي وفقا لما يقضي به نص المادة 5/2/ز وان كان ميثاق منظمة المؤتمر الاسلامي لم يشر الى اي وسيلة او جهة ضمن المؤتمر يمكن ان تقوم بمهمة لجان التحكيم فالمادة 5 من ميثاق جامعة الدول العربية تمنح مجلس الجامعة حق اتخاذ القرارات المتعلقة بالتحكيم او الوساطة على ان تصدر تلك القرارات بالاغلبية المطلقة.

 

اعتماد التحكيم

 

ويؤخذ على نص المادة 5 من ميثاق جامعة الدول العربية والذي يستثني من التحكيم جميع النزاعات المتعلقة بالاستقلال والسيادة او الوحدة الاقليمية لأية دولة عضو انه لا يأخذ بمبدأ الاختصاص الالزامي مما ادى الى عدم نجاح اي تحكيم يعرض على مجلس الجامعة وبالتالي عدم فاعليته لحل النزاع القائم بين دولة الامارات العربية المتحدة والجمهورية الاسلامية الايرانية وهو امر ادى الى عدم تبني مثل هذا النظام في ميثاق منظمة المؤتمر الاسلامي.

ولما كانت جميع الابواب قد اغلقت امام وسائل حل النزاع السلمية الاخرى، اما باستنفادها او بسبب عدم شرعيتها فلم يبق امام دولة الامارات العربية المتحدة والجمهورية الاسلامية الايرانية لحل النزاع بشأن السيادة على الجزر الثلاث الا وسيلة التحكيم وفقا للشروط سالفة الذكر حيث انها وسيلة اشار اليها القرآن الكريم اشارة واضحة وجلية وجعلها الزامية في حالتين: الحالة الاولى وتتمثل في الاحتكام الى الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك في قوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)، والحالة الثانية هي الاحتكام الى فرقاء من اهل الزوجين عند قيام نزاع بينهما وهو وسيلة اثبتت ممارسات الدولة الاسلامية فاعليتها في حل النزاعات لعل ابرزها هو ذلك التحكيم الذي عقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبني قريظة.

لذلك فإن النزاع القائم بين دولة الامارات العربية المتحدة والجمهورية الاسلامية الايرانية بشأن السيادة على الجزر الثلاث ينبغي حله بأسرع وقت ممكن وفقا لمبادئ الشريعة الاسلامية الغراء.. والقواعد التي استقرت في ممارسة الدولة الاسلامية لحل النزاعات المختلفة وعلى رأسها المصالحة والتحكيم، وقبل اي شيء آخر فإنه ينبغي على طرفي النزاع الايمان المطلق بصلاحية وفاعلية هذه الوسائل لحل النزاع القائم بينهما ولا يكون ذلك ممكنا وملموسا إلا بقيام كل طرف من طرفي النزاع بتنفيذ اجراءات حل هذا النزاع المتفق عليها تنفيذا صادقا وامينا تطبيقا لقوله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما).