جريدة الشرق الاوسط تاريخ 19/10/1992

 

موقف ايران يحتاج الى تفسير

 

بقلم: فهمي هويدي

 

مطلوب من الحكومة الايرانية ان تقدم لنا تفسيرا مقنعا لتصرفات رجالها في مياه الخليج، فضلا عن جزيرة ابو موسى فقد حدث في الساعة الثانية من بعد ظهر يوم الاثنين 12 اكتوبر 1992 ان استولى زورق ايراني يحمل جنودا مسلحين على طرادين يملكهما اثنان من مواطني دولة الامارات العربية المتحدة، وتم اعتقال اربعة من الصيادين العاملين عليهما، وقال مالك احد الطرادين واسمه خالد محمد مطر، ان الزورق الايراني المسلح اقترب من 12 طرادا لمواطني دولة الامارات، كانت تقف للصيد في المياه الدولية قبالة جزيرة طنب الكبرى، وعلى بعد 35 ميلا بحريا من شواطئ رأس الخيمة.

واضاف الرجل ان الزورق الايراني لاحق الطرادات وتحرش بركابها، وان المسلحين الايرانيين استولوا على محصول الصيد في بعض تلك الطرادات، وبعد ان امروا عشرة منها بالابتعاد عن المنطقة، استولوا على اكبر طرادين، وهما من نوع »بروكودا« ــ 115 حصانا، واقتادوهما الى جزيرة طنب الكبرى.

قال مالك الطراد الثاني، جاسم محمد غريب ان صيادي رأس الخيمة والامارات عموما يمارسون الصيد في هذه المنطقة منذ اجيال بعيدة، ولذا فإنهم يعرفون تفاصيلها وانواع اسماكها، واماكن وجود تلك الاسماك ويتوارثون هذه المعرفة ابا عن جد. ذكرت صحيفة »الخليج« الاماراتية التي نشرت الخبر على صفحتها الاولى ان هذا الاعتداء الايراني على صيادي الامارات هو الثاني من نوعه خلال الشهر الحالي، حيث استولت الزوارق الايرانية على 4 طرادات لمواطنين من دولة الامارات قرب جزيرة ابو موسى، واعتقلت اصحابها ثم افرجت عنهم في وقت لاحق لكنها استولت على الطرادات الاربعة.

سألت الشيخ سلطان القاسمي حاكم الشارقة عن مدى صحة الخبر والتفاصيل الواردة فيه، فقال انه للاسف الشديد صحيح كله، وان امثال تلك التصرفات تكررت بصورة لافتة للنظر في مياه الخليج، خاصة بعدما ظهرت على السطح قضية جزيرة ابو موسى، والتصرفات الايرانية المستجدة عليها. الامر الذي احدث شرخا عميقا في العلاقات بين دولة الامارات وايران، تجري الآن محاولات عدة لرأبه واحتوائه.

المسألة إذن مرتبطة بأجواء التوتر التي ترتبت على الاشتباك السياسي المعلن بين البلدين حول السيادة على جزيرة »ابو موسى«، التي تعتبرها طهران حقا لها، بينما تطعن دولة الامارات في صحة ذلك الادعاء، مستندة في ذلك الى نصوص الاتفاقية المعقودة في عام 1971 بين الشارقة وحكومة شاه ايران.

ومن الواضح انه منذ ظهر الخلاف الى العلن على النحو الذي يعرفه الجميع، فإن ايران ذهبت بعيدا في فرض سيطرتها على جزيرة ابو موسى. فبعد ان منعت المدرسين غير الاماراتيين من دخول الجزيرة دون الحصول على تأشيرات من السلطة الايرانية، وهو اجراء استجد هذا العام فقط ولم يكن معمولا به من قبل، فإنها منعت الاماراتيين انفسهم من دخولها دون تأشيرات، بل منعت رئيس ديوان حاكم الشارقة الذي اوفده الشيخ سلطان ليطلع على الموقف في »ابو موسى«، واستمر الموقف يتدهور الى ان بلغ تلك الدرجة الاخيرة، التي تمثلت في ملاحقة الطرادات الاماراتية ومصادرتها.

 

الخميني وعد بإعادة الجزر

 

وفي ما فهمت فإن ايران سعت الى تأسيس وضع جديد في جزيرة ابو موسى بعد سنوات معدودة من بدء الحرب ضد العراق، حين ادركت الاهمية الاستراتيجية للجزيرة، سواء لتأمين الظهر الايراني، او لمتابعة الموقف في مضيق هرمز.

ازاء ذلك فقد احدثت ايران وجودا عسكريا في الجزيرة منذ منتصف الثمانينات، وحين اجرى الشيخ سلطان اتصالا بطهران ليلفت انظار مسؤوليها الى ان ذلك الوجود مخالف للاتفاقية المعقودة بين البلدين، فقد كان الرد انه وضع مؤقت اقتضته ظروف المواجهة العسكرية لرد العدوان العراقي على ايران.

ليس هذا فقط، وإنما الرسالة التي ابلغت حينذاك الى حاكم الشارقة، والرواية له، تقول ان الامام الخميني لا يمانع في إعادة الجزر عندما تصبح الفرصة مواتية لذلك. قبل الوجود العسكري الايراني، كان الوضع السائد في الجزيرة استمرارا لما كان عليه اثناء حكم الشاه، عقب توقيع الاتفاقية في عام ،1971 اي كانت الجزيرة تدار مناصفة، فإيران لها حاكم يمثلها على جزء من الجزيرة، وللشارقة حاكم على الجزء الآخر، وعائد النفط يقتسم مناصفة بين الجانبين، وايران تقدم مبلغا سنويا قيمته مليون ونصف المليون جنيه استرليني، تعتبره طهران معونة للشارقة، بينما اعتبرته الشارقة ايجارا يدفع عن الجزء الذي يديره الايرانيون وكانت المنطقة تصنف من الناحية القانونية ــ وطبقا للاتفاقية ــ بحسبانها منطقة بروتوكولية تدار بواسطة وزارة الخارجية في كل من البلدين.

آنذاك كان الوجود الايراني رمزيا ومحدودا للغاية، ولم يكن سكان الجزيرة العرب، يشعرون بذلك الوجود حيث كانت الحامية الايرانية تضم عناصر من رجال الحدود وعددا لا يتجاوز اصابع اليدين من موظفي الادارة.

ومنذ تعزز الوجود العسكري الايراني اثناء حرب الخليج الاولى، اختلف  الامر كليا على نحو تدريجي، حيث اقيمت الثكنات وشيدت المنازل وانشئ مطار عسكري ايراني، ولوحظ ان ذلك الوضع جرى تكريسه بعد انتهاء الحرب في عام 1988. ووفاة الامام الخميني في العام التالي مباشرة وكان اكثر الاجراءات اثارة في هذا الصدد ان الحكومة الايرانية اصدرت قرارا بإنشاء محافظة او ولاية »بندر عباس«، واعتبرت جزر ابو موسى وطنب الكبرى والصغرى بمثابة ــ ناحية ــ من نواحي تلك المحافظة، الامر الذي عد انقلابا في الوضع القانوني والسياسي للجزيرة التي كانت منذ توقيع الاتفاقية »منطقة بروتوكولية« كما اسلفنا.

اعقب ذلك القرار تصرفات عدة بدرت من الايرانيين، وسببت ازعاجا للسكان العرب في جزيرة ابو موسى البالغ عددهم سبعمائة شخص، فقد حدثت توترات في علاقة الجنود الايرانيين بالسكان، وأثارهم ان اولئك الجنود مارسوا بعض الطقوس الشيعية في احد المساجد التي يفترض ان روادها من اهل السنة. غير ان الوضع تردى بصورة مفاجئة ــ حين ابعد الحاكم الايراني من الجزيرة في شهر فبراير الماضي، عددا من المواطنين العرب ــ من غير الاماراتيين ــ وكلهم مدرسون يتقدمهم مدير المدرسة الوحيدة هناك، وهو فلسطيني يعمل بأبو موسى منذ عشرين عاما!

حاولت الشارقة ان تعالج الامر في هدوء، فلم يذع خبر الابعاد آنذاك، وظلت الاتصالات مستمرة مع طهران لتسوية الموضوع، لكنها لم تحقق نجاحا يذكر وعندما اقترب موعد العام الدراسي ذهب المدرسون مع عائلاتهم الى ابو موسى فمنعتهم السلطات الإيرانية من الدخول دون الحصول على تأشيرات مسبقة من »بندر عباس« وكان ذلك اجراء جديدا له دلالته التي اثارت صدمة في دولة الامارات عامة، وفي الشارقة بوجه أخص.

وحين انعقدت قمة عدم الانحياز بالعاصمة الاندونيسية جاكرتا في بداية شهر سبتمبر ،1992 اجتمع وزير خارجية الامارات راشد عبدالله مع الرئيس هاشمي رفسنجاني الذي وعد بإرسال مبعوث الى الامارات لدراسة القضية على الطبيعة، عندما تمت الزيارة، وعاد المبعوث الى طهران، اصدر الرئيس رفسنجاني قرارا بعزل حاكم الجزيرة الايراني من منصبه، الامر الذي يوحي بأن تصرفات الرجل كانت محل ادانة، واستوجبت اتخاذ ذلك الاجراء العقابي.

وإذ اعتبرت الاوساط السياسية في الامارات ان تلك بادرة توحي بانفراج الموقف وتصحيحه، إلا ان التصرفات اللاحقة لم تعط ذلك الانطباع فكان ما كان من فشل المحادثات السياسية التي عقدت في ابوظبي بين ممثلي البلدين ثم من تصرفات ايرانية اثارت الدهشة والاستياء، من قبيل حوادث مصادرة الطرادات التي يمتلكها الاماراتيون، ومطالبة اصحابها باللجوء الى سلطات »بندر عباس« إذا ما ارادوا التظلم او الشكوى

 

مسعى التخريب حقق هدفه

 

هناك كثيرون يجهدون انفسهم في محاولة فهم الموقف الايراني وتفسيره، فمن قائل ان معلومات خاطئة تنقل الى القيادة السياسية الايرانية فتؤدي الى توريطها في اجراءات ومواقف سلبية من قبيل ما جرى، يقول الذين يتبنون هذا التفسير ان الرئيس رفسنجاني صرح اثناء زيارته لباكستان بأنه ضبطت في ابو موسى عناصر اجنبية تعد لاعمال تخريبية، وهي قصة لا اساس لها، وكل ما هناك ان بحارا هولنديا القي القبض عليه بالقرب من الجزيرة ووجد معه مسدس يستخدم في اطلاق اشارات الاستغاثة في لحظات الخطر.

آخرون يقولون ان ثمة اطرافا في ايران تسعى الى ضرب سياسات الرئيس رفسنجاني وافساد علاقاته مع الدول الخليجية، بعدما تحسنت تلك العلاقات بشكل ملحوظ في السنوات الاخيرة، وكان ذلك رصيدا ايجابيا استخدم لصالح الرئيس الايراني الذي ستنتهي مدة رئاسته  في العام المقبل، والمفهوم انه سيرشح نفسه لمدة جديدة.

ثمة معلومات اخرى تشير الى ان هناك انقساما حول الموضوع بين القادة الايرانيين وان علي خامنئي ــ المرشد ــ يعارض الموقف المتخذ من جانب طهران ازاء دولة الامارات بينما رفسنجاني يتبنى ذلك الموقف ليقطع الطريق على المتشددين الذين يزايدون عليه في كل قضية، من خلال صحفهم التي تبث دعاواهم على الناس كل يوم.

وبطبيعة الحال، فهناك من يقول ان الامر لا يعدو ان يكون استمرارا للسياسة التوسعية التي انتهجها الشاه، حيث احتلت حكومته نصف الجزيرة في عام ،71 ثم جاءت الجمهورية وواصلت المسيرة، فوضعت ايديها على نصفها الثاني، وانتهزت فرصة اختلال التوازن الاستراتيجي في منطقة الخليج، بعد تدمير قوة العراق وانفراط العقد العربي فحسمت الامر على النحو الذي جرى.

ولا سبيل الى تبديد الشكوك والهواجس. إلا بموقف ايراني واضح يضع القضية في اطارها الصحيح، ويرد على العديد من التساؤلات المثارة. خصوصا ان ما جرى ــ ان صحت وقائعه ــ لا يعد عدوانا غير مقبول على دولة الامارات فقط ولا يمثل اساءة الى سياسة الثورة الايرانية فقط، وإنما لا يقل خطورة عن هذا وذاك، انه يمثل اساءة بالغة الى راية الاسلام التي رفعتها الثورة وبها احتلت مكانتها في قلوب الكثيرين.

والى ان يتضح ذلك الموقف بصورة تريح صدور المنصفين والمؤمنين فإن المرء لا يسعه إلا ان يقرر بأن ايران خسرت كثيرا في دولة الامارات على وجه الخصوص، من جراء تصرفاتها في قضية ابو موسى وإذا صح ان هناك طرفا ايرانيا سعى الى تخريب سياسة الرئيس رفسنجاني ازاء منطقة الخليج، فلابد ان نعترف بأن ذلك المسعى حقق اهدافه بامتياز لا تخطئه اذن وعين الزائر لتلك المنطقة، وقد كنت واحدا من هؤلاء، إذ قدر لي ان ازور اربع دول خليجية في الاسبوع الماضي، واستمعت مشدوها الى ما قيل، وخرجت من الخليج محزونا وكسيف البال!