جريدة السياسة تاريخ 12/7/1993

 

استراتيجية السيطرة على الممرات المائية وقضية الجزر الاماراتية الثلاث

مسألة الجزر مرتبطة بالدور الاثيوبي في باب المندب وبالدور الاوروبي في جبل طارق

 

بقلم: د. عبدالغني عماد *

* استاذ محاضر في الجامعة اللبنانية

 

لم يكن مفاجئا عودة قضية الجزر الثلاث في الخليج العربي الى دائرة الضوء مجددا فقبل مدة عبرت ايران عن غضبها حيال موقف الجامعة العربية المؤيد لحق دولة الامارات العربية المتحدة في السيادة على جزر ابو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، وفي المقابل اعتبرت ايران ان هذا الموقف خطر يضر بالسلام والاستقرار في المنطقة.

واعتبر مسؤولون في وزارة الخارجية الامريكية ان تبني مجلس الشورى الايراني قانونا يحدد المياه الاقليمية بـ 12 ميلا بحريا امر لا يشكل خطرا ما دامت طهران لا تعرقل الملاحة في الخليج والذي يعتبر بنظرها مياها دولية.

وما لم يشر المسؤول الامريكي اليه هو اثر هذا القرار الايراني على قضية الجزر الثلاث. فهذا القانون يعتبر نقلة نوعية في السياسة الايرانية، لأنه يحدد بوضوح ان الجزر الثلاث وبحر عمان تخضع للسيادة الايرانية، وبالتالي فهو يطلق يدها في التعامل مع قضية جزيرة ابو موسى، ومن جهة اخرى سيضع هذه الجزر داخل المياه الاقليمية الايرانية، وتصبح مطالبة دولة الامارات العربية بحقها في الجزر عملا عدوانيا يمس السيادة الايرانية.

 

عودة الى الذاكرة

 

كانت جزيرتا طنب الكبرى وطنب الصغرى جزءا من امارة رأس الخيمة، اما جزيرة ابو موسى فكانت جزءا من امارة الشارقة. وهي جغرافيا اقرب الى الساحل الايراني منها الى ساحل الامارات العربية المتحدة. إلا ان هذه المقارنة الجغرافية لا يمكن فصلها عن الواقع التاريخي للمنطقة والذي يفيد ان الساحل الايراني - حاليا - المقابل للجزر الثلاث التي تتحكم بمضيق هرمز، المتحكم بدوره بالملاحة بين الخليج وانحاء العالم، كان اصلا ساحلا عربيا يطلق عليه اقليم الاهوار او عربستان، ولا يزال العرب يمثلون اكثرية سكانه على رغم مرور عقود على ضم هذا الاقليم الى ايران نتيجة صفقة جرى خلالها تقسيم المغانم في المنطقة العربية كلها، وهو ما تعرضت له مناطق عربية جرى سلخها وضمها او اغتصابها مع بداية هذا القرن.

انتهت الحماية البريطانية، رسميا على الامارات العربية في 30/11/1971 وفي اليوم نفسه الذي انتهت فيه هذه الحماية قام شاه ايران بالاستيلاء على الجزر الثلاث، وقتها طردت ايران سكان الجزيرتين طنب الكبرى وطنب الصغرى وحولتهما الى قاعدتين للبحرية الايرانية، فيما اتفقت مع امارة الشارقة على اداة مشتركة لجزيرة ابو موسى، وهي الاكبر مساحة والأكثر سكانا من شقيقتيها. ويشمل ذلك اقتسام عوائد استثمار حقول النفط المحيطة بهذه الجزيرة، ثم بدأت ايران فيما بعد تنقل مواطنين ايرانيين لاستيطان هذه الجزيرة في محاولة لإحداث تغيير ديمغرافي فيها.

وقد شاع حينذاك ان هذه التطورات ما كانت لتحدث إلا نتيجة لصفقة او مقايضة ما خاصة عندما اعلن شاه ايران تخليه عن المطالبة بما اسماه الحق التاريخي في امارة البحرين، مقابل الاستيلاء على الجزر الثلاث والتي تكرس عمليا سيطرة ايرانية على هذا الممر المائي الاستراتيجي.

وقد ترافقت هذه التطورات مع تمركز قوات ايرانية مسلحة في الشطر الشمالي لعمان المطل على مضيق هرمز، مقابل اشتراك قوات من الجيش وسلاح الطيران الايرانيين في قمع ثورة ظفار بالتنسيق مع بريطانيا. وقد نتج عن هذه الصفقة اقامة قواعد لسلاح البحرية والطيران الايرانيين في جزيرة الغنم وفي رأس مسندم وحوله، ولعبت ايران بنجاح دور الشرطي في الخليج العربي، ووصل هذا الدور الى ذروته في السبعينات، وقد تبنت الولايات المتحدة مسؤولية الرعاية والدعم لهذا الدور بما يفوق قدرة ايران واحتياجاتها ومن جهة اخرى رعت تنسيقا استراتيجيا بالغ العمق والشمول بين ايران و»اسرائيل«.

 

استراتيجية السيطرة على المضايق والممرات المائية

 

ولا يمكن النظر الى التطورات التي حدثت في الخليج العربي في السبعينات من دون ربطها بما يجري في المنطقة لجهة  بروز الدور الخطير للمضايق والممرات المائية، وخاصة في الخليج، الممر النفطي الاستراتيجي الذي يغطي ما نسبته 75% من حاجة الغرب الصناعي، ويمثل معظم ما سوف يتبقى من احتياطي نفطي مكتشف في العالم مع مطلع القرن الحادي والعشرين، هذا هو محور اللعبة التي ارتكز عليها التخطيط الغربي الذي يستهدف هذه المنطقة وممراتها المائية، فالدور الاثيوبي كان له تأثير مهم في البحر الاحمر وهو تبلور في التنسيق مع »اسرائيل« بهدف التحكم بمضيق باب المندب، وتتوج بإقامة قاعدة اتصالات وتنصت »اسرائيلية« في جزيرة دهلك وبتعاون عسكري »اسرائيلي« - اثيوبي لمنع تحول البحر الاحمر الى منطقة نفوذ عربية.

واللافت ان هذه العلاقة استمرت من نظام هيلاسيلاسي الامبراطوري الى نظام هيلي مريام - الماركسي، وكان قمتها ذلك الجسر الجوي الذي تولى نقل يهود الفلاشا الاثيوبيين الى فلسطين المحتلة بإشراف هيرمان كوهين، مساعد وزير الخارجية الامريكي للشؤون الافريقية، وهو تتوج الآن بالغزل القائم مع الرئيس الاريتري اسياسي افورقي.

 

التنافس الجيو - استراتيجي حول المنطقة العربية تراجع لمصلحة التنافس الجيو - اقتصادي

 

و»اسرائيل«، ولسنا في حاجة للحديث عن مضيق جبل طارق الذي تخضع ضفتاه الجنوبية والشمالية للسيطرة الاوروبية عبر ادارة طنجة وسبتة ومليلة. اما قناة السويس فيكفي ان نتذكر ما عانته مصر من اجل استعادتها للسيادة الوطنية، وما دار على ضفتيها من حروب اشتركت فيها بريطانيا وفرنسا و»اسرائيل«.

في هذا الاطار يجب تفسير ما جرى اخيرا على جزيرة ابو موسى. وهو تجلى بطرد موظفي دولة الامارات العربية المتحدة منها بعدما كانوا يمثلون مشاركة شكلية في السيادة على تلك الجزيرة. هذه السيادة تجسدت في مدرسة ومكتبة ومركز اعلامي ومركز شرطة لخدمة نحو الف عربي هم سكان الجزيرة الاصليون، وما اعلنه الرئيس الايراني هاشمي رفسنجاني في يوم 18/9/1992 من ان هذا الاجراء كان نتيجة القاء القبض على هولندي قدم بزورق الى شاطئ الجزيرة وهي حادثة تبين انها تعود الى مطلع العام 1992 قبل اكثر من تسعة اشهر على الاجراء الايراني الاخير الذي استكمل السيطرة على جزيرة ابو موسى ولا شك ان هذه الامور تبقى تفاصيل هامشية امام الدلالات الاستراتيجية التي تتضمنها هذه القضية.

 

تحولات في النظام العالمي

 

وصحيح ان النظام الدولي القديم قد انتهى بسقوط احد قطبيه ولكن الصحيح ايضا انه لم يتأسس نظام دولي جديد، وان كان ذلك يمثل شعارا امريكيا طرح في فترة نشوة الانتصار، ومما لاشك فيه ان الولايات المتحدة استطاعت ان تظهر بعد تحرير الكويت انها الضامن الرئيسي لأمن النفط العالمي.

فهل سقطت استراتيجية السيطرة على الممرات المائية مع سقوط التنافس بين القطبين العالميين؟ ان ما يبدو ظاهرا على السطح الآن ان الولايات المتحدة وكما عملت في الماضي على محاصرة الاتحاد السوفييتي ومحاولة ابقائه خارج المنطقة، تعمل الشيء ذاته تجاه الخطر الاوروبي والياباني على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، وبكلام آخر فإن التنافس الجيو- استراتيجي حول المنطقة العربية تراجع ليتقدم عليه التنافس الجيو-اقتصادي والذي يبدو انه سيكون سمة المرحلة المقبلة.

ان العالم العربي، يبقى في هذا الاطار، الطرف المستهدف منذ انطلاق حملة التوسعات الدولية، وهو اليوم مركز استقطاب اقتصادي عالمي بسبب مصادر ثروته.

وإذا كانت استراتيجية شرطي الخليج قد سقطت على رغم تغير الشعارات، فإنه من مصلحة الجميع اخضاع هذه القضية الى منطق توازن المصالح، الذي يؤسس بالنهاية لمشروع قد يقدر له مواجهة التنافس الجيو - اقتصادي الجديد.