جريدة الخليج بتاريخ 7/9/1992

 

ماذا يجري في جزيرة ابو موسى؟

 

د. عبدالخالق عبدالله

 

شهر اغسطس يجلب معه عادة مفاجآت غير سارة لشعوب ودول منطقة الخليج العربي. ففي شهر اغسطس من كل عام يزداد التوتر في هذه المنطقة بشكل ملحوظ، ويتصاعد التوتر تدريجيا مع تصاعد درجة حرارة الصيف التي تبلغ ذروتها مع نهاية الشهر، ان تزايد حدة المواجهة مؤخرا بين الحكومة العراقية من ناحية والمجتمع الدولي من ناحية اخرى هو مؤشر على ان شيطان الخليج لا يستيقظ سوى خلال شهر اغسطس دون غيره من شهور السنة. كما ان تصرفات المسؤولين الايرانيين في جزيرة ابو موسى دليل آخر على ان شيطان الخليج شعر بوطأة حرارة الشهر وانه اخذ يطل برأسه ويحاول ان يخرج من قمقمه ليجلب معه المتاعب لشعوب ودول المنطقة التي عانت بما فيه الكفاية من عدم الاستقرار وليست بحاجة الى مواجهات جديدة كتلك التي تحدث في العراق في شمال الخليج وتلك المضايقات التي تجري في جزيرة ابو موسى في جنوب الخليج.

لكن ماذا يجري حقيقة في جزيرة »ابو موسى«؟ وما هي الغاية من التحركات الايرانية في الجزيرة؟ وما هي مترتبات هذه التصرفات على العلاقات بين الامارات وايران التي تتسم عادة بالود والانسجام؟ وما هي تداعيات هذه التطورات بالنسبة للاستقرار في منطقة الخليج العربي والتي ما زالت تعاني من التوتر وعدم الاستقرار؟ ثم كيف ينبغي للامارات ان تتصرف تجاه هذه المضايقات وكيف ينبغي لها ان تتعامل مع تكرار المواجهة حول جزيرة ابو موسى؟

جزيرة ابو موسى هي واحدة من اكثر من 200 جزيرة صغيرة وكبيرة اخرى تابعة لدولة الامارات العربية المتحدة والمنتشرة على مساحات واسعة في الخليج العربي وخليج عمان. وتبعد جزيرة ابو موسى نحو 30 ميلا عن ساحل امارة الشارقة وقد كانت منذ بداية التاريخ على اتصال بالساحل العربي وخاضعة في ادارة شؤونها العامة لإمارة الشارقة ولم يحدث ان انفصلت عن الشارقة إلا في فترات تاريخية وجيزة ونادرة نتيجة لتحولات القوة بين الجانب العربي والفارسي للخليج، ان كل الوثائق والحقائق التاريخية والجغرافية تؤكد بما لا يدع مجالا للشك ان جزيرة ابو موسى تابعة للشارقة، وبأنها جزء لا يتجزأ من اراضي الامارات العربية المتحدة.

في اكتوبر عام 1970 اكدت ايران للمرة الاولى انها تنوي السيطرة على هذه الجزيرة لأسباب استراتيجية وحذرت بريطانيا بأنها لن تعترف بقيام الدولة الاتحادية في الامارات إذا لم تقبل بريطانيا بسيادة ايران على هذه الجزيرة ثم اعلنت ايران في 9 نوفمبر 1970 انها على استعداد لاستخدام القوة من اجل احتلال ثلاث جزر عربية هي جزيرتا طنب الكبرى والصغرى وجزيرة ابو موسى، وتلا ذلك تصريح رئيس وزراء ايران زاهدي في 12 نوفمبر ان جزيرة ابو موسى هي جزيرة ايرانية وجاء بعد ذلك تصريح شاه ايران الذي قال »اننا نحتاج هذه الجزر وسنعمل على اعادتها ولا توجد قوة على الارض تمنعنا من ذلك«، في 30 نوفمبر ،1971 اي قبل يومين فقط من الانسحاب البريطاني واعلان استقلال دولة الامارات وقيام الاتحاد قامت ايران باحتلال جزيرة ابو موسى وجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى. جاء هذا الاحتلال ليؤكد بوضوح طموحات الشاه التوسعية ورغبته في البروز كقوة خليجية اولى قادرة على فرض الهيمنة الايرانية على المنطقة بأسرها.

لقد كان من المتوقع ان تقوم الحكومة الايرانية التي أتت بعد سقوط الشاه بإعادة جزيرة طنب الكبرى والصغرى وجزيرة ابو موسى والغاء احتلال ايران لهذه الجزر العربية. لكن الحكومة الثورية الجديدة ادعت بأن هذه الجزر قد اصبحت الآن جزرا مهمة نتيجة لظروف الحرب العراقية - الايرانية، وظل الامر معلقا خلال عقد الثمانينات، رغم كل المحاولات السياسية والدبلوماسية الرامية لوضع حد لهذه القضية الخلافية بين ايران والامارات، لقد مارست الامارات بحكم ظروفها الداخلية والخارجية ضبط النفس خلال الـ 20 سنة الماضية وكانت مقتنعة بأنه لن يحق إلا الحق وان هذه الجزر العربية ستعود يوما ما الى السيادة الاماراتية.

لكن وبدلا من مجاراة الامارات في التعامل الهادئ والعقلاني مع هذه القضية بادرت السلطات الايرانية خلال شهر مارس الماضي الى مضايقة سكان جزيرة ابو موسى والعاملين فيها ثم ابعدت بعضهم وربطت بقاء البعض بقيود غير معهودة على مدى العشرين سنة الماضية بل ومنعت البعض الآخر من الوصول للجزيرة، ثم فاجأت ايران الجميع بتكرار ذلك ومنعت سفينة تقل حوالي 100 مدرس وعامل من الوصول الى الجزيرة لبدء عملهم في المدارس التابعة لوزارة التربية والتعليم وتعرض ركاب السفينة لمضايقات ومعاناة انسانية قاسية لمدة ثلاثة ايام قضوها على ظهر السفينة امام ميناء جزيرة ابو موسى.

ان هذه المضايقات لم تكن معهودة في السابق وتشكل خرقا للاتفاقية الموقعة بين ايران والشارقة والتي تم التوصل اليها عبر الوساطة البريطانية لتنظيم شؤون جزيرة ابو موسى.

تتضمن الترتيبات مقدمة و6 بنود.

وتنص المقدمة على ما يلي: »لا ايران ولا الشارقة ستتخلى عن المطالبة بأبو موسى، ولن تعترف اي منهما بمطالب الاخرى«.

وعلى هذا الاساس ستجري الترتيبات التالية:

1- سوف تصل قوات ايرانية الى ابو موسى وتحتل مناطق ضمن الحدود المتفق عليها في الخريطة المرفقة بهذه المذكرة.

2- أ - تكون لإيران ضمن المناطق المتفق عليها والمحتلة من القوات الايرانية صلاحيات كاملة ويرفرف عليها العلم الايراني.

ب - تمارس الشارقة صلاحيات كاملة على بقية انحاء الجزيرة، ويظل علم الشارقة مرفوعا باستمرار فوق مخفر شرطة الشارقة، على الاسس نفسها التي يرفع بموجبها العلم الايراني على الثكنة العسكرية الايرانية.

3- تقر ايران والشارقة بامتداد المياه الاقليمية للجزيرة الى مسافة 12 ميلا بحريا.

4- تباشر شركة »باتس جاز اند اويل كومبني« استغلال الموارد البترولية لأبو موسى وقاع البحر وما تحت قاع البحر في مياهها الاقليمية بموجب الاتفاقية القائمة، والتي يجب ان تحظى بقبول ايران، وتدفع الشركة نصف العائدات النفطية الحكومية الناجمة عن هذه الاتفاقية، نتيجة الاستغلال المذكور مباشرة الى ايران، وتدفع النصف الثاني الى الشارقة.

5- يتمتع مواطنو ايران والشارقة بحقوق متساوية للصيد في المياه الاقليمية لأبو موسى.

6- يتم توقيع اتفاقية مساعدة مالية بين ايران والشارقة.

ان ما تقوم به ايران حاليا هو محاولات لتأكيد السيادة الايرانية الكاملة على الجزيرة وهذا يشكل خرقا لنصوص وروح الاتفاقية، لذلك يظل السؤال عن اسباب هذه التحركات والمضايقات بعد 20 سنة من الهدوء النسبي؟ وما هي حقيقة النوايا الايرانية وغاياتها؟ لماذا قامت ايران فجأة بتصعيد الموقف في جزيرة ابو موسى؟

تقول ايران انها مازالت ملتزمة بالاتفاقية حول ابو موسى وتصر على انه لا جديد فيما يتعلق بالوضع القانوني والسياسي للجزيرة من ناحية اخرى تدعي ايران ان هذه الاجراءات هي مجرد احتياطات امنية ضرورية ومن وحي المستجدات في الجزيرة والمنطقة عموما لكن من ناحية اخرى تبدو ايران وكأنها مقبلة على مرحلة لإعادة ترتيب جهازها الاداري المحلي في مناطقها الساحلية الجنوبية وخاصة في الجزر التابعة لها، وما يجري في جزيرة ابو موسى ربما كان جزءا من هذه الترتيبات الادارية الجديدة، بيد ان هناك ايضا من يؤكد ان هناك مضامين سياسية واقليمية وربما ايضا دولية للتحركات الايرانية الاخيرة، فإيران ربما تود ان تؤكد حضورها كقوة عسكرية وسياسية كبرى في الخليج وتحاول بالتالي اكتشاف رد فعل القوى الخليجية الاخرى بل رد فعل القوى الدولية المعنية بأمن الخليج.

لكن مهما كانت النوايا الحقيقية للتصعيد الاخير في جزيرة ابو موسى فإنه ليس بمقدور الامارات وهي دولة صغيرة سوى اللجوء للدبلوماسية الهادئة للتعامل مع هذه القضية الخلافية.

ان دولة الامارات على يقين بأن جزيرة ابو موسى وجزيرتي طنب الكبرى والصغرى هي جزر عربية تابعة للامارات ولا يمكن التنازل عنها ولقد بدأت الامارات بالفعل بالتحاور مع ايران من خلال زيارة وفد رسمي برئاسة وزير الخارجية الذي زار ايران في ابريل 1992 وبإمكان الامارات عند تكرار مثل هذه المضايقات اللجوء الى الامم المتحدة والى مجلس الامن الدولي، بل انه وفي ظل العلاقات الدولية الجديدة وفي ظل النظام العالمي الجديد فإن بإمكان الامارات اللجوء للمحاكم الدولية وخاصة محكمة العدل الدولية لاسترجاع هذه الجزر بالوسائل القانونية.

ان الرأي الدبلوماسي السائد في الامارات ينادي بعدم تصعيد الموقف ويؤكد حرص الامارات على التعامل مع دول الجوار من منطلق النيات الحسنة وضبط النفس وتحكيم العقل وعدم افتعال الخلافات، لكن هناك في الامارات من يقول ان هذه الدبلوماسية الهادئة صالحة لبعض الاوقات وليس في كل الاوقات وربما كانت مفيدة في بعض القضايا ولكن ليس مع كل القضايا، ان لهذه الدبلوماسية الهادئة ايجابياتها العديدة لكن ربما كانت لها ايضا سلبياتها وربما شجعت على المزيد من التجاوزات والمضايقات، لذلك هناك ايضا من ينادي بالمزيد من الحزم في التعامل مع المستجدات التي تمس السيادة وتعرض المواطنين للخطر وقد اعلنت الامارات صراحة استياءها عندما لا تلتزم دول الجوار بالاتفاقيات والمعاهدات، ولاشك ان الامارات قادرة على التشاور مع الدول الشقيقة والصديقة وخاصة دول مجلس التعاون من اجل اتخاذ موقف متضامن مع الامارات في المواجهة السياسية ربما يمكن ان يؤدي الى وقف المزيد من المضايقات والاسراع في ايجاد مخرج مناسب للموقف الراهن.

ان كل هذه الخيارات والبدائل متاحة امام الدبلوماسية الاماراتية التي تتعامل حاليا مع هذا الموقف وتحاول تجنب التصعيد، لقد مرت المنطقة بلحظات عصيبة خلال السنوات الاخيرة التي شهدت اندلاع حربين مدمرتين كانتا من اعنف الحروب ومن اكثرها كلفة، وما زالت منطقة الخليج العربي تعاني من آثار هذه النزاعات ولم تتمكن بعد من تجاوز مترتباتها العنيفة، ولا يمكن لهذه المنطقة ان تتحمل نزاعات جديدة، فكل النزاعات تتحول بقدرة قادر الى صراعات ملتهبة، وتنتهي الى حروب تكون في البداية حروبا محلية ومحدودة وسرعان ما تجلب الاهتمام العالمي والتدخل الخارجي. ان شعوب المنطقة غير مستعدة لنزاعات عنيفة جديدة، كما انها حتما غير راغبة في مفاجآت شيطان الخليج ونتطلع لأن تنتهي الازمة الراهنة بسلام وبما يحفظ للامارات حقوقها.