جريدة الخليج تاريخ 13/9/1992

 

لا بديل عن حقوقنا في الجزر

 

محمد محمد الصاحي *

 

الاعتداء السافر الذي قامت به ايران على دولة الامارات العربية المتحدة وباغتصابها لجزيرة ابو موسى التابعة لإمارة الشارقة يتطلب بيان عدة حقائق وكشفها من حيث تلازم ذلك العدوان الجائر من دولة تطل على الخليج بحكم موقعها الجغرافي غير عابئة بحرمة حق الجوار ورابطة الاسلام والعلاقات الطيبة والتاريخية التي تقدرها دولة الامارات تجاه الجمهورية الاسلامية الايرانية والمتغيرات الدولية التي تأملها الدول المطلة على الخليج العربي في توثيق الصلات والروابط واطراد التعاون والتنسيق من اجل رفاهية وتقدم شعوبها ونشر الامن والاستقرار في المنطقة واستثمار تلك الروابط والتعاضد فيما بين دول المنطقة المطلة على الخليج العربي في المحافل الاسلامية والدولية في خدمة الاسلام والمسلمين والحفاظ على الثروة الاقتصادية التي حباها الله في منطقة الخليج لتنعم بهذه الخيرات شعوب المنطقة كافة وليجنب اهلها الصراعات والخلافات وبؤر التوتر والتي تكون سببا رئيسيا في تدخل القوى الاجنبية والاطماع الدولية ثمن تلك الحقائق.

1- ان الاعتداء الذي تعرضت له دولة الامارات وبصفة خاصة جزيرة ابو موسى التابعة لإمارة الشارقة ما كان دافعه الاعتقاد والحسبان ان تقوم به ايران التي تربطها بدولة الامارات بحق الجوار وحق الاسلام والعلاقات التاريخية المتنامية والمتميزة باعتبارها من دول المنطقة المطلة على الخليج العربي، والمرتجى من ايران ومن دول المنطقة استثمار تلك الثوابت لاحترام حسن الجوار والتعايش السلمي وعدم الاعتداء والتدخل في شؤون الغير. فالاعتداء والاغتصاب الذي قامت به ايران لجزيرة ابو موسى من المفاجآت الكبرى في الوقت والظروف التي كانت العلاقات والروابط تزداد تناميا مطردا بين دولة الامارات وايران ودول مجلس التعاون بصفة عامة بحكم العلاقات وروابط الجوار والاسلام والتي بموجبها يتوجب على ايران عدم الاعتداء واحترام سيادة واستقلال دولة الامارات.

وان ذلك الاعتداء والتدخل لاحتلال جزء لا يتجزأ من سيادة وحدود دولة الامارات الاقليمية البحرية والبرية والجوية بصفة خاصة ولسيادة وحرمة الوطن العربي الكبير إذ ان ذلك الاعتداء لم يكن من عدو يتوجب الاحتراز واليقظة لدفع شره وعدوانه إلا ان ظرف المفاجأة في العدوان جاء من دولة لها روابط وثوابت تاريخية في حق الجوار والاسلام، ما كان ينبغي ذلك الاعتداء والاغتصاب لجزء من حدود دولة لها سيادتها واستقلالها وعضو في المنظمات الاقليمية العربية والاسلامية والهيئات الدولية. وان يكون ذلك الاعتداء بعد مضي مدة طويلة على اعتراف بسيادة وحدود دولة الامارات العربية من جميع دول العالم وفرض وممارسة سيادة دولة الامارات على جزيرة ابو موسى وجميع الجزر الاخرى المطلة على الخليج العربي.

2- ولئن كانت ايران تقع على الخليج العربي في ضفته الشرقية، إلا ان السيادة والحدود الاقليمية البحرية والبرية والجوية ثابتة على جزيرة ابو موسى والجزر الاخرى بالثوابت التاريخية والجغرافية والممارسة الواقعية قبل اتحاد الامارات واثناء قيام الاتحاد ومازالت الممارسة مستمرة حتى وقت العدوان، ولقد مارست امارة الشارقة سلطتها وبسطت سيادتها على الجزيرة (جزيرة ابو موسى) بحكم تبعيتها وهي جزء لا يتجزأ من حدودها الاقليمية البرية والبحرية والجوية بشواهد تاريخية ثابتة بالوثائق الرسمية وما قدمته وما زالت من خدمات لأبنائها وما تربط ابناء الجزيرة بإمارة الشارقة الأم من روابط الجنسية والسيادة والسلطة كما ان سيادة دولة الامارات على الجزيرة ثابتة في المواثيق والاتفاقات الاقليمية والدولية والاعتراف الدولي والعالمي بحدود دولة الامارات البرية والبحرية والجوية بما فيها الجزر في الخليج العربي.

3- ان ما يتعرض له الخليج العربي من تصعيد الخلافات والصراعات وممارسة العدوان من دولة من دول المنطقة تجاه جيرانها لجر الاطماع الدولية الى المنطقة وبالتوقيت الراهن ما كان يتوجب ان يكون، لأن الوضع لا يحتمل افتعال الازمات وتصعيد الصراعات والخلافات حتى لا يكون ذلك الصراع سببا رئيسيا يتم تحت طائلته تدخل القوى الخارجية في شؤون الخليج بحجة الحماية الدولية للملاحة في الخليج لما يمثله من شريان حيوي واستراتيجي لدى الدول العظمى ودول العالم فتكفي التجارب وما ترتب من الحرب العراقية - الايرانية والتداعيات السلبية لاحتلال العراق لدولة الكويت الشقيقة وتحريرها من الاحتلال الظالم والغاشم. فالالتزامات تفرض على دول المنطقة عموما الحفاظ على امن الخليج واستقراره وتجنيبه الويلات والصراعات والاطماع الدولية. فالخليج لا يحتاج في وقته الراهن اضرام النار او تقريبها الى افتعال اسباب اشتعالها قرب الزيت الذي حباه الله وفضله بهذه النعمة إذ يتوجب الحفاظ عليها وتجنيب شعوبها ودولها عواقب الاخطار.

4- المتبادر من الفطرة والعقل الحكيم من الجمهورية الاسلامية الايرانية باعتبارها دولة مطلة على الخليج في شقه الشرقي ولها روابط الجوار والاسلام مع دولة الامارات بصفة خاصة ودول مجلس التعاون بصفة عامة، إذ المنتظر منها ان تتعاضد وتتعاون مع دول المنطقة في تنمية العلاقات في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والتنسيق فيما بينها ودول المنطقة في المحافل الدولية والاسلامية لخدمة ورفاهية شعوبها، وتجنيبها الويلات والخلافات والصراعات التي لا تحمد عقباها ولا يعلم مداها إلا الله وما تجره تلك الحروب من دمار وخراب فإذا كانت ايران تفاخر بقوتها وكبريائها وما حباها الله من خيرات فيتطلب منها بحكم موقعها الاسلامي ان تسخر تلك القوة والنعمة التي تملكها لخدمة شعبها الذي ينتظر بفارغ الصبر تحسين وتقديم الخدمات الصحية والتعليمية واعادة تعمير ما دمرته الحرب الايرانية - العراقية واستثمار تلك القوة بكافة انواعها في التنمية الاقتصادية وان الواجب الاسلامي يوجب عليها ان تسخر تلك القوة والخيرات في خدمة الاسلام والمسلمين وان تسهم في نشر السلام والامن والاستقرار العالمي والتقيد بالعهود واحترام المواثيق والاتفاقات الاقليمية والدولية. فالله تعالى يقول في محكم كتابه »يا ايها الذين آمنوا اوفوا بالعقود..«، فالقدس الشريف ينتظر من يحرره من براثن العدوان »الاسرائيلي« وباعتبار ايران دولة اسلامية يجب توجيه تلك القوة لانقاذ المسجد الاقصى من جور وظلم »اسرائيل« تجاه المقدسات الاسلامية وشعب فلسطين. اما استعراض الغطرسة والافعال العدوانية والتي لا تخدم الاسلام والمسلمين فهي محرمة في احكام الشريعة الاسلامية. فالاسلام المستقر في قلب المسلم فردا كان او دولة واضح وصريح في تحريمه للعدوان والاعتداء بالقوة واغتصاب حقوق الغير ايا كان هذا الغير، مسلما او غير مسلم، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) فلابد لإيران من مراجعة عقلها ونفسها وفهما لأحكام الشريعة الاسلامية الغراء، وما تفرضه من احترام المواثيق والعهود وحق الجوار، وحق الاسلام وحرمة عدم الاعتداء على الغير وسلب واغتصاب حقوق الآخرين بالقوة، إذ ان الاسلام يحرم بصورة قطعية العدوان والبغي والظلم ويكون ذلك التحريم اشد قوة وعظمة لما يكون من مسلم على اخيه المسلم.

فالدولة الاسلامية يتوجب عليها ان تمد يدها بروح الاسلام وعدله وتسامحه، وان تنظر الدولة الاخرى مهما كانت تلك الدولة كبيرة او صغيرة بروح وصدق الاحترام وتنافسها في خدمة الاسلام والمسلمين وليس بشن العدوان وجلب الدمار والخراب واخذ حقوق الآخرين بالقوة، وإذا ما طرأ طارئ في الخلافات بين الفرد المسلم او الدولة المسلمة وجارتها فالشريعة الاسلامية نظمت تلك الخلافات التي طرأت على العلاقات بالاحتكام للعقل واصلاح ذات البين بالطرق السلمية والحوار والمفاوضات والتحكيم وعرض ذلك الخلاف عن طريق الوساطة من قبل دولة اسلامية وتفويضها لتقريب وجهات النظر لفض تلك الخلافات بالطرق السلمية، او عرض ذلك الخلاف بالروح الاخوية على المؤتمر الاسلامي او على الجهات الدولية وخاصة الامم المتحدة والاجهزة التابعة لها ولاسيما محكمة العدل الدولية دون اللجوء الى استغلال المفاجأة وابراز العضلات.

ان هذه التصرفات لا تخدم إلا اعداء الاسلام والمسلمين وتجلب المخاطر والاطماع الدولية للمنطقة التي يكفيها ما تعانيه من تخلف وازمات ودمار وحروب لم تبرد نيرانها بعد.

5- منذ قيام ايران بشن عدوانها على جزيرة ابو موسى والجزر الاخرى وانتهاكها لحرمة وسيادة الامارات واجهت دولة الامارات قبل الاتحاد العدوان بالعقل والحكمة واليقظة العالية رغم الظروف والاحوال التي كانت عليها دولة الامارات قبل الاتحاد والاستقلال واثناءه، ومارست حقها للحفاظ على سيادتها وحماية حدودها وسطرت مطالبها بجزيرة ابو موسى والجزر الاخرى طنب الكبرى والصغرى في المنظمات الاقليمية العربية والاسلامية وهيئة الامم المتحدة والاجهزة التابعة لها. وقد قبلت ايران بتوقيع اتفاقية تفاهم حول جزيرة ابو موسى وهذه المذكرة تبرهن بكل وضوح من خلال صياغة بنودها حق سيادة دولة الامارات على جزيرة ابو موسى وانها جزء لا يتجزأ من حدود دولة الامارات العربية المتحدة اضافة الى ذلك تكشف بجلاء ان ايران دولة معتدية فرضت قوتها لاغتصاب جزيرة ابو موسى والجزر الاخرى مستغلة الظروف والاحوال التي تعيشها الامارات قبل قيام الاتحاد، وذلك ثابت في احكام القانون الدولي والقوانين الاخرى.

ان الاتفاقيات والمعاهدات التي تبرم من طرف قوي مع طرف ضعيف وما يمليه هذا الطرف القوي بعدوانه يكون ذلك التصرف باطلا ويتوجب الغاؤه واعادة الحال الى ما كان عليه قبل العدوان، ان دولة الامارات العربية المتحدة تقيدت باحترام مذكرة التفاهم المبرمة والتي املاها شاه ايران بحكم قوته وتعسفه واستغلاله للظروف سعيا منها لحل تلك الخلافات عن طريق القنوات السلمية وبالروح العقلانية والحكمة والموعظة الحسنة مستمدة ذلك من مبادئ واحكام الشريعة الاسلامية واحترام حق الجوار والروابط والعلاقات التاريخية.

ولم تخل بالتزاماتها بشأن الاتفاق في الظروف والاحوال التي كانت فيها ايران اثناء انشغالها بالحرب مع العراق لأن دولة الامارات تأبى ان تستغل تلك الظروف او تصطاد في الماء العكر ولكنها تعاملت والتزمت صوت العقل والحكمة دون ان تطالب او تطرح القضية المتعلقة بجزيرة ابو موسى وجزيرتي طنب الكبرى والصغرى في الوقت الذي كانت فيه ايران بموقف حرج وضعيف بسبب الحرب وعلى ايران ان تقدر تلك المواقف النبيلة التي التزمت بها دولة الامارات.

وكان يتوجب على ايران ان تقيم موقفها وتعود الى الصواب والرشد من تصرف الشاه السابق الذي احتل اراضي الغير بالقوة وخاصة انها لبست رداء الاسلام، وانها تزعم بذلك حماية حمى الاسلام، فالاسلام يمد يد الخير والتسامح والعودة للحق دون التمادي في الباطل والعدوان ويحرم الاسلام الاعتداء والعدوان وسلب حقوق الغير.

ان دولة الامارات لم تفرط في مطالبها بسيادتها وحماية حدودها بشأن جميع الجزر التي اغتصبتها ايران وانها سعت وما زالت تسعى في مطالبها وترفض التخلي عن ذرة رمل او قيد انملة من سيادتها ولكن كان ينتظر ويرتجى من ايران ان تعيد الفكر بعد خروجها من الحرب وان توثق العلاقات وان تبدي حسن النية تجاه جيرانها في المنطقة وان تحترم الاتفاقات المبرمة بينها وخاصة فيما يتعلق بالجزر، واتفاقية التفاهم المبرمة بشأن جزيرة ابو موسى والتي انتهت مما يتوجب اصدار قرار بجلاء القوات الايرانية من الجزيرة وترك ممارسة السيادة والسلطة لأهلها الشرعيين وعودة الجزيرة للشارقة الأم صاحبة الممارسة الشرعية في سلطتها لينعم ابناؤها بنسم الحرية وبدلا من التصرفات والتجاوزات التعسفية التي يقوم بها النظام الايراني في الجزيرة.

ان الحقائق التي تم كشفها توضح بجلاء ان الجمهورية الاسلامية الايرانية دولة لا تسعى الى بسط السلام والاستقرار في المنطقة والالتزام بأحكام الشريعة الاسلامية والمواثيق الدولية والاقليمية التي تحض على التعايش السلمي وتوثيق الروابط والعلاقات لخدمة السلام والامن الدوليين وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام سيادة وحدود الدولة العضو في منظمة الامم المتحدة وعدم ممارسة العدوان وفض المنازعات والخلافات بالطرق السلمية.

ان ما قامت به ايران تجاه دولة الامارات العربية المتحدة يعد خرقا للمواثيق الدولية والمنظمات الاقليمية وعملا غير مشروع ومحرم في احكام الشريعة الاسلامية.

يقول صلى الله عليه وسلم (اعظم الغلول عند الله يوم القيامة ذراع من الارض تجدون الرجلين جارين في الارض او الدار فيقتطع احدهما من حظ صاحبه ذراعا فإذا اقتطعه طوقه من سبع ارضين يوم القيامة)، وفي حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم (اعظم الظلم ذراع من الارض ينتقصه المرء من حق اخيه ليست حصاة اخذها إلا طوقها يوم القيامة).

فليعد من يزعم بأنه حامي حمى الاسلام لقراءة القرآن الكريم وسنة الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم ليعلم ويتذكر احكام الشريعة الاسلامية وما تحض عليه من فعل الخيرات وبسط اليد بالسلام ونشر المحبة والالفة بين البشر جميعا وتوجيه القوة والخير والسلطة في اسعاد البشرية جميعا  وعدم استغلال السلطان والجبروت في غضب الله وترويع عباده واغتصاب حقوق الغير.

كم هو حري بالنظام الحاكم في ايران العودة الى القرآن والسنة ليقولوا قولا حكيما وصوابا بالجلاء من جزيرة ابو موسى والجزر الاخرى المحتلة والعودة للحق والصواب بدلا من التمادي في الباطل، فالاسلام يحث على التعاون والتآخي ونبذ الخلافات والفرقة وان هذا الشتات والخلاف بين المسلمين هو في خدمة اعداء الاسلام والمسلمين.

ان الواقع المعاش يتطلب من الدول الاسلامية وشعوبها الوقوف جنبا الى جنب في خدمة الاسلام والمسلمين والنهوض من التخلف والجمود لعودة دولة الاسلام وحمل رسالتها بالسلام والاخاء فكم من الدول الاسلامية الواقعة على الخليج يفرض عليها الواجب ان تنشر المحبة والسلام والتعاون بدلا من العدوان واغتصاب حقوق الغير بالقوة ولتعلم ايران ان دولة الامارات فيها رجال لا يرضون ان يفرطوا بحبة رمل او بأدنى حق من حقوقهم او ينتقص من سيادة دولتهم ومازال الوقت فيه الخيار للتفاهم وعودة الجزر بالطرق التي تخدم العلاقات بين البلدين المسلمين الجارين واستثمار الحكمة والموعظة الحسنة حتى تتجنب المنطقة العواقب والاخطار وتنعم شعوبها بالامن والاستقرار.

 

* محام