المستقبل العربي تاريخ نوفمبر 1992

خير الدين عبدالرحمن

سفير سابق وخبير في الشؤون الدولية والاستراتيجية ــ سوريا

 

جزيرة ابو موسى واسئلة حول مصير الأمة

 

لم تكن عودة جزيرة ابو موسى الى دائرة الضوء مجددا، لتشكل بؤرة توتر راهنة اخرى في نهاية صيف العام ،1992 تطورا مفاجئا خارجا عن السياق الزماني والمكاني، جاءت هذه العودة بعد احدى وعشرين سنة من استيلاء ايران على جزيرة ابو موسى، وعلى شقيقتيها جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى يوم 30/11/،1971 اي يوم انتهاء الحماية البريطانية ــ رسميا ــ على »الامارات المتصالحة« في الخليج العربي، تلك الامارات التي توالت استقلالاتها لتشكل دول الامارات العربية المتحدة والبحرين وقطر.

كانت جزيرتا طنب الكبرى وطنب الصغرى جزءين من امارة رأس الخيمة، على الرغم من انهما تبعدان عن ساحل تلك الامارة مسافة ستين ميلا، بينما تبعدان عن ساحل ايران مسافة عشرين ميلا. فيما كانت جزيرة ابو موسى جزءا من امارة الشارقة، تفصله مياه البحر عن شاطئها مسافة اربعين ميلا، ولإبعاد الايحاءات المضللة للمقارنة المجردة للمسافات، تستعيد الذاكرة هنا ان الساحل الايراني المقابل للجزر الثلاث التي تتحكم بمضيق هرمز، المتحكم بدوره بالملاحة بين الخليج وسائر انحاء العالم. كان اصلا ساحل اقليم الاهواز، او عربستان، الذي لايزال العرب اكثرية سكانه، رغم مرور عقود على ضم الاقليم الى ايران، شأن ما تعرضت له اقاليم عربية اخرى جرى اقتطاعها وضمها الى دول تحيط بالوطن العربي، في اوائل هذا القرن. وقد طردت ايران ــ لدى استيلائها على تلك الجزر ــ سكان طنب الكبرى وطنب الصغرى، وحولتهما الى قاعدتين للبحرية الايرانية، فيما اتفقت مع امارة الشارقة على ادارة مشتركة لجزيرة ابو موسى ــ الاكبر مساحة، والأكثر سكانا، من شقيقتيها ــ تتضمن اقتسام عوائد استثمار حقول النفط المحيطة بهذه الجزيرة، ثم بدأت ايران تنقل مواطنين ايرانيين لاستيطان جزيرة ابو موسى، تبديلا لوضعها السكاني، وقد لاح حينذاك احتمال ان يكون ذلك التطور نتيجة مقايضة ما، عندما اعلن شاه ايران السابق ان ايران قد تخلت عن مطالبتها بما اسماه »حقها التاريخي« في امارة البحرين، مقابل استيلائها على الجزر الثلاث التي تكرس تحكم ايران بالملاحة عبر مضيق هرمز.

سبق ذلك التطور، ورافقه استثمار شاه ايران ظروف اشتعال الثورة في ظفار ليحصل من سلطان عمان، بتنسيق مع بريطانيا، على »حق« تمركز قوات ايرانية مسلحة في الشطر الشمالي لعمان المطل على مضيق هرمز، مقابل اشتراك قوات من الجيش وسلاح الطيران الايرانيين في قمع ثورة ظفار. وهكذا اقامت ايران قواعد لسلاحي البحرية والطيران الايرانيين في جزيرة الغنم، ومنشآت عسكرية اخرى في رأس مسندم وحوله.