جريدة الاتحاد تاريخ 29/12/1996

 

جزر الامارات.. ودعوة

ايران للمفاوضات

 

ناجي علوش *

 

هل هناك تغير في السياسة الايرانية؟ ان التصريحات التي صدرت عن الرئيس رفسنجاني رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية، وعلي اكبر ولايتي وزير الخارجية ومسؤولين آخرين، تستحق ان تدرس بعناية، لأنها تحاول ان تعطي مؤشرات جديدة.

فما هي هذه المؤشرات؟ وهل تنم عن تغيير جذري؟ ام انها محاولة ايرانية لتخفيف الضغط الامريكي الذي بات يلوح للحكومة الايرانية بمواقف اكثر تشددا مما عرفته في الماضي؟ واين موضوع الجزر الاماراتية الثلاث التي تحتلها ايران؟

ان هذا ما نحتاج الى دراسته.. ويستطيع المتابع ان يلاحظ في التحرك الايراني الرسمي والتصريحات الايرانية ما يلي:

اولا: وجود تحرك ايراني واسع، كان من ابرز ما فيه زيارة الرئيس رفسنجاني الى تركيا وزيارة بريماكوف وزير الخارجية الروسي الى طهران.

ثانيا: اطلاق الآلة السياسية الايرانية ما يمكن ان يسمى حملة سياسية، اعلامية واسعة استهدفت ثلاثة امور:

الاول: الرد على حملات الضغط الامريكية، بإعلان الاستعداد للرد.

الثاني: محاولة توسيع العلاقات الايرانية وتعزيزها مع محاور السياسة الدولية اولا، وهنا تأتي العلاقة مع موسكو وبعض دول الجوار ثانيا.

الثالث: صرف الانظار عن الاستعدادات الايرانية العسكرية والتغييرات لتكريس احتلالها لجزر الامارات.

وفيما يتعلق بدول الجوار كانت زيارة الرئيس رفسنجاني الى تركيا خطوة تلفت الانتباه، فهي اولا استمرار للمحاولة التي قام بها اربكان الى ايران، وهي ايضا خطوة جديدة من اجل المزيد من التضارب الايراني - التركي، في ظل المعارضة الامريكية المتزايدة.

وفي هذه الزيارة وقع الطرف الايراني ثلاثة اتفاقات ومذكرة تفاهم وبروتوكولا بشأن التعاون في مجالات التجارة والاستثمارات المشتركة واستخدام الموانئ (الصحف 22/12/96).

وصرح الرئيس رفسنجاني بهذه المناسبة ان »سياسة امريكا هي منع الدول القوية في هذه المنطقة من التعاون«، واضاف »لا اعتقد ان امريكا يمكنها ان تغير سياستنا في التعاون مع تركيا«.. ثم قال: »ونحن مصممون على عدم السماح لأمريكا بإملاء اي شيء على منطقتنا«.

وخلال لقاء الرئيس رفسنجاني بوزير الخارجية الروسي بريماكوف اكد رفسنجاني على »ضرورة التعاون بين طهران وموسكو اقليميا ودوليا لضمان الامن والاستقرار«. ثم ما لبث الرئيس رفسنجاني ان اعلن استعداد ايران للدخول في مفاوضات حول الجزر الثلاث ابو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى.

وكان وزير الخارجية علي اكبر ولايتي خلال حديث القاه في افتتاح ندوة عن »التنمية والاستقرار في منطقة الخليج العربي« نظمها مركز الدراسات السياسية الدولية في وزارة الخارجية الايرانية قد اوضح ان منطقة الخليج »تعاني من علاقات غير متوازنة« و»لفت الانظار الى ان هناك اخطارا تهدد استقرار المنطقة، والى ما يلحق البيئة فيها من تخريب«. ورأى ولايتي ان تحقيق التنمية يتطلب »تنسيقا بين كل دول المنطقة لتستفيد كل دولة من امكاناتها بالشكل المطلوب«.

ودعا ولايتي دول الخليج الى طرح خلافاتها جانبا، والى ضرورة توفير عنصر الثقة بينها وانتقد ولايتي وجود البحرية الامريكية في الخليج، وبحرية الدول الغربية عامة لأن امن الخليج من مسؤولية الدول الواقعة على ضفتيه تحديدا!

وقال ولايتي لوكالة »فرانس برس« على هامش الندوة »نقترح على دول منطقة الخليج العربي وحتى على العراق تعاونا جماعيا اقليميا لإيجاد مناخ من المودة والحفاظ على الامن في الخليج«.

ولكن ولايتي »اصر على ان الادعاءات الاماراتية في شأن الجزر الايرانية لا تستند الى اي اساس«.  واضاف: »وسنفعل كل ما في امكاننا للحفاظ على وحدة اراضينا«، إلا ان الوزير الايراني اشار الى ان المسؤولين في الامارات »يريدون حل المسألة عن طريق ودي ونحن نرحب بذلك (الصحف 23/12/1996). متجاهلا الموقف الايراني المتعنت من موضوع الحل السلمي والتفاوض والتحكيم الدولي.

وجاءت تصريحات حسين شيخ الاسلام نائب وزير الخارجية الايراني المكلف بالشؤون العربية يوم 25/12/1996 عن الامل في اقامة »تعاون وثيق« مع المملكة العربية السعودية في هذا الاتجاه.

وقال شيخ الاسلام ان »ايران والمملكة العربية السعودية دولتان كبيرتان في العالم الاسلامي قادرتان بفضل تعاونهما الوثيق على ضمان الاستقرار والامن في الخليج«، وذلك للانسجام في »حل النزاعات في الخليج«.

واتهم المسؤول الايراني حكومة الولايات المتحدة بأنها تسعى الى تأجيج التوتر بين دول المنطقة لسرقة نفطها (الصحف 26/12/1996).. ولكنه لم يتطرق طبعا الى تخزين السلاح الايراني والمناورات في الجزر وقرب سواحل الخليج.

ان هذا الخط الايراني يسعى لتحقيق ما يلي:

الاول: منع حكومة الولايات المتحدة الامريكية من فرض العزلة على ايران.

والثاني: تحسين العلاقات مع دول الجوار لتحييدها، والاستفادة من اسواقها، في تطوير الاقتصاد الايراني.

والثالث: تسعى هذه الدعوة في الوقت عينه، الى جعل قضية الجزر الثلاث التي استولت عليها القوات الايرانية قضية مفاوضات ودية، وقضية ثانوية في هذا كله، علما بأن الموقف الاقليمي لدول الخليج واضح في دعم الموقف الاماراتي الواضح في هذه المسألة.

ومازال الموقف الايراني من العلاقة مع العراق حذرا، رغم دعوة دول الخليج للتعاون، بما فيها العراق، ولذلك فإن الطرف الايراني في المباحثات مع وزير الخارجية الروسي الذي الح على تسوية الخلافات العراقية - الايرانية، لم يرفض. ولكنه ابدى تحفظات، منها ان »ترسيخ عنصر الثقة« مع بغداد، يحتاج الى وقت.. وهو ما يعني ان الحكومة الايرانية ستلوح بفتح باب العلاقات مع بغداد لتستثمر هذه الورقة في الصراع مع الولايات المتحدة الامريكية وللاستفادة من ذلك في تنمية العلاقات الاقليمية.

وإذا نظرنا الى المشهد السياسي الراهن في المنطقة وجدنا ان حكومتي ايران وتركيا طرفان فعالان في اقامة العلاقات الدولية والاقليمية. وفي تعزيز دورهما السياسي والاقتصادي. وفي المقابل يقف الطرف العربي مشتتا فهناك حكومة سوريا التي تربطها علاقات سياسية قوية مع حكومة ايران، ولكنها على خلاف قوي مع الحكومة التركية على اكثر من مشكلة.

وهناك الحكومة العراقية التي لاتزال علاقاتها مع حكومة ايران في مرحلة عدم الثقة، بسبب الموقف الايراني. اما العلاقات العراقية مع تركيا، فإنها تتحسن اقتصاديا دون ان تتحسن سياسيا ولولا الحرص العراقي على بقاء العلاقة الاقتصادية لاضطربت سياسيا بسبب الموقف التركي من التدخل في شمال العراق.

وفي الوقت الذي ترتبط فيه الحكومة السورية بعلاقات جيدة مع حكومات الخليج فإن العلاقات العراقية لاتزال مقطوعة مع المملكة العربية السعودية والكويت، ولم تصل الى التطبيع الكامل مع الامارات وقطر وسلطنة عمان.

وهكذا فإن حكومة ايران وتركيا، تستطيعان تطوير علاقاتهما مع الحكومات العربية منفردة دون ان يكون هناك موقف عربي موحد.

وفي هذا الوقت يستمر عزل تركيا عن سوريا وايران والعراق، والعراق عن المملكة العربية السعوية وحكومات الخليج، ويستمر التعنت الايراني في موضوع الجزر والتدخل التركي في شمال العراق.

ولذلك لابد من موقف عربي للتأسيس لعلاقات عربية - عربية، قائمة على اساس التعاون وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وانهاء الحاجة للتدخلات الخارجية لأن ذلك وحده هو الكفيل بحفظ حقوق العرب في فلسطين والخليج، وخاصة الجزر الثلاث، ولوضع اساس لعلاقات عربية ــ ايرانية وعربية ــ تركية متوازنة تخدم العرب والاتراك والايرانيين.. ولابد للحكومة الايرانية من مراجعة موقفها في موضوع الجزر الاماراتية المحتلة اما موقف الامارات من قضية الجزر، فقد ظل يقوم على اساس التمسك بحق الامارات بهذه الجزر، وجاءت الموافقة على المفاوضات، على اسس واضحة وليس للاستهلاك الدعائي، وحكومة الامارات اكدت امرين بهذا الصدد.

الاول: ان حكومة الامارات هي صاحبة الدعوة الى المفاوضات وهي السابقة والمبادرة في ذلك.

والثاني: ان الموافقة على المفاوضات تستلزم الموافقة على التحكيم، إذا فشلت المفاوضات.

وفي هذا تكون حكومة الامارات قد ظلت صاحبة المبادرة وظلت تتمسك بخيار الحل السلمي دون التفريط بحقوقها، ودون قبول الدخول في دوامة مفاوضات لا تنتهي وهذا يتطلب موقفا عربيا مساندا للامارات، يخرج الموقف الايراني من المناورة الى السياسة العملية، ومن محاولة الكسب الفردي الى المشاركة.

وهذا لا ينفصل عن تأكيد الامارات المستمر بأنها تسعى للحل السلمي وتتمسك به وتوفر له المقومات المطلوبة من جانبها، ولكن للقضية طرفا آخر هو الحكومة الايرانية التي يجب ان ترتقي الى المستوى نفسه من المسؤولية والى ترجمة اقوالها الى افعال وطرح الموضوع على طاولة المفاوضات او التحكيم الدولي أياً كانت نتائجه.

 

* كاتب فلسطيني