جريدة الاتحاد 15/6/1997

 

بين عهدي الامبراطورية الشاهنشاهية والجمهورية الاسلامية (1)

الامارات وايران والجزر الثلاث

 

د. علي حميدان

 

إذا كنا قد اخترنا هذا الوقت بالذات للكتابة عن موضوع الجزر الاماراتية الثلاث التي احتلتها ايران في اواخر ،1971 فذلك لاعتبارين مهمين هما:

(1) المؤشرات العديدة التي صدرت عن مسؤولين ايرانيين حول رغبتهم في ازالة التوتر واقامة علاقات جديدة بين الجمهورية الاسلامية وجيرانها، علاقات مبنية على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، وكان اهم هذه المؤشرات ما صدر عن وزير الخارجية الايراني، الدكتور علي اكبر ولايتي خلال الجولة التي قام بها لدول المنطقة في ابريل/نيسان الماضي حاملا رسائل من الرئيس الايراني للرؤساء الخليجيين لحضور قمة دول المؤتمر الاسلامي التي ستعقد في طهران في ديسمبر المقبل، حيث اكد الوزير الايراني على »رغبة الجمهورية الاسلامية في فتح صفحة جديدة لعلاقات جديدة مع دول مجلس التعاون تقوم على اساس حسن الجوار وصدق النوايا والمصالح المشتركة وهو امر ايجابي يعود بالنفع على الجميع ويحمي هذا الجزء من العالم من التدخلات الاجنبية.

(2) اما الاعتبار الثاني للتطرق لموضوع الجزر الآن فهو المفاجأة التي تمخضت عنها الانتخابات الرئاسية الايرانية في 23 مايو الماضي، حيث اسفرت تلك الانتخابات عن فوز محمد خاتمي بأغلبية ساحقة من الشعب الايراني بشبابه ونسائه ومثقفيه كل الدلائل تشير الى ان خاتمي هو بالفعل خاتمة مرحلة من تطور ايران من الثورة الى الدولة التي تحتل مكانتها في العلاقات الدولية مع ما يتناسب مع اهميتها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية.

والأهم من ذلك كله، وهو ما يعنينا في هذا المقام، تصريحاته المشجعة والمعتدلة والمنفتحة على المنطقة والعالم وخاصة تأكيده على ان السياسة الخارجية لإيران ستركز على تحقيق الانفراج وازالة التوتر في العلاقات مع الدول خاصة دول الجوار العربية.

هذه المؤشرات التي بدرت من وزير الخارجية الايراني والرئيس المنتخب للجمهورية الاسلامية تدعو ولاشك الى التفاؤل وتغري المراقب السياسي للبحث عن المواضيع التي مازالت تشكل بؤرا للتوتر في المنطقة ولاشك ان استمرار احتلال الجزر الاماراتية الثلاث من قبل ايران هو اهم هذه البؤر التي تؤجج التوتر في المنطقة بين الحين والآخر. وهذا هو بالتحديد ما دفعنا للقيام بدراسة موضوعية موثقة لهذه القضية الحساسة.

في الثلاثين من نوفمبر 179_C قامت قوات شاه ايران السابق باحتلال جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى بينما كان حكام امارات الساحل مشغولين بالإعداد لقيام اتحادهم السباعي الذي سمي بالامارات العربية المتحدة والذي اعلن قيامه في الثاني من ديسمبر ،1971 اما بالنسبة لجزيرة ابو موسى فقد نجحت الحكومة البريطانية في تمرير اتفاق بين حكومة الشاه وحاكم امارة الشارقة في 25 نوفمبر ،1971 انه اتفاق تمثل في مذكرة ترتيبات لتقاسم الادارة في جزيرة ابو موسى بين ايران وامارة الشارقة. الاتفاق يتضمن مقدمة تنص على ما يلي »لا ايران ولا الشارقة ستتخلى عن المطالبة بأبوموسى. ولن تعترف اي منهما بمطالب الاخرى« والى جانب المقدمة تضمنت مذكرة الترتيبات البنود التالية:

(1) سوف تصل قوات ايرانية الى ابو موسى، وتحتل مناطق ضمن الحدود المتفق عليها في الخريطة المرفقة بهذه المذكرة.

(2- أ) تكون لإيران ضمن المناطق المتفق عليها والمحتلة من القوات الايرانية صلاحيات كاملة، ويرفرف عليها العلم الايراني.

(2 - ب) تمارس الشارقة صلاحيات كاملة على بقية انحاء الجزيرة ويظل علم الشارقة مرفوعا باستمرار فوق مخفر شرطة الشارقة، وعلى الاسس نفسها التي يرفع بموجبها العلم الايراني على الثكنة العسكرية الايرانية.

(3) تقر ايران والشارقة بامتداد المياه الاقليمية للجزيرة الى مسافة 12 ميلا بحريا.

(4) تباشر شركة »باتس جاز اند اويل كونبني« استغلال الموارد البترولية لأبوموسى وقاع البحر وما تحت قاع البحر في مياهها الاقليمية بموجب الاتفاقية القائمة والتي يجب ان تحظى بقبول ايران وتدفع الشركة نصف العائدات النفطية الحكومية الناجمة عن هذه الاتفاقية الى ايران وتدفع النصف الثاني الى الشارقة.

(5) يتمتع مواطنو ايران والشارقة بحقوق متساوية للصيد في المياه الاقليمية لأبوموسى.

(6) يتم توقيع اتفاقية مساعدة مالية بين ايران والشارقة.

وقد نزلت القوات الايرانية في جزيرة ابو موسى في 29 نوفمبر 1971 واحتلت الجزء المخصص لها من الجزيرة حسب مذكرة الترتيبات المذكورة اعلاه الخريطة المرفقة بها. ولكن ايران لم تكتف بالجزء المخصص لها من الجزيرة فقد قامت بأعمال وتصرفات كثيرة. خاصة في ،1992 تتعارض مع الاتفاق الذي وقعته برعاية بريطانية، ليس هنا مكان مناقشة تفاصيل هذا الموضوع فسنعود له لاحقا لأننا نعتقد بأنه من الضروري ان نتطرق اولا الى الجذور التاريخية للمطالبة الايرانية بالسيادة على هذه الجزر ولو بلمحة سريعة.

يجمع المؤرخون الذين تطرقوا لموضوع هذه الجزر الثلاث بأن اول ادعاء ايراني بملكية هذه الجزر كان في حوالي 1887 بعد ان سقطت في يد الفرس امارة لنجة التي كانت تدار من قبل العرب القواسم حكام رأس الخيمة والشارقة. وترتكز حجة ايران في ادعائها الى القول بأن الجزر الثلاث كانت تابعة اداريا لإمارة لنجة وبما ان امارة لنجة اصبحت باعتراف بريطانيا تحت الادارة الايرانية فيجب ان تخضع هذه الجزر الى الادارة الايرانية. وفي عام 1888 كرر شاه ايران، ناصر الدين، طلبه للحكومة البريطانية بالاعتراف بسيادة ايران على الجزر وارفق بطلبه خريطة لمنطقة الخليج كانت البحرية البريطانية وضعتها قبل ذلك بسنتين تظهر فيها جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وابو موسى بألوان ايرانية، ولكن الحكومة البريطانية رفضت طلب ناصر الدين شاه مؤكدة بأن تلوين الجزر في الخريطة باللون الايراني كان خطأ وليس حجة يعتد بها او ذات قيمة. وقد استمرت ايران في مطالبتها بالجزر بين الحين والآخر، كما استمرت بريطانيا في رفض الادعاء الايراني خاصة بعد ان ابرمت معاهدة 1892 مع شيوخ المنطقة والتي التزمت بموجبها بالدفاع عن ممتلكاتهم من اي اعتداء خارجي. ولم تغير بريطانيا من موقفها تجاه المطالب الايرانية بالسيادة على الجزر الثلاث إلا في نهاية الستينات عندما اعلنت 1968 عن نيتها في الانسحاب من الخليج بنهاية ،1971 حيث شرعت في القيام ببعض الترتيبات السرية منها وغير السرية لتمهيد الطريق امام الولايات المتحدة الامريكية للاسهام في ما سمي بملء الفراغ السياسي والعسكري الذي ستتركه في المنطقة بعد رحيلها كيف؟ هذا ما سنتطرق اليه في الحلقة القادمة من هذه الدراسة.

 

* كاتب وسفير اماراتي سابق