جريدة الاتحاد تاريخ 20/7/1997

 

بين الامبراطورية الشاهنشاهية والجمهورية الاسلامية

الامارات وايران والجزر الثلاث (5)

 

د. علي حميدان *

 

قلنا في نهاية الحلقة السابقة ان سياسة الامارات العربية المتحدة تجاه موضوع الجزر استمرت على ما كانت عليه حتى عام ،1992 على الرغم من قيام الثورة الايرانية  وتغير الاوضاع السياسية والاستراتيجية في المنطقة. حيث اصبحت الجمهورية الايرانية تشكل مصدر قلق للمصالح الامريكية بعد ان كانت الامبراطورية الشاهنشاهية ركيزة اساسية لحماية هذه المصالح. وقد برر المسؤولون الاماراتيون عدم تغير موقفهم من قضية الجزر بحرصهم على مراعاة الظروف التي كانت تمر بها المنطقة آنذاك الحرب العراقية - الايرانية وتداعياتها والاحتلال العراقي للكويت، وحرصهم على تجنيب المنطقة مزيدا من التوتر.

في نهاية شهر اغسطس/آب 1992 منعت القوات العسكرية الايرانية في جزيرة ابو موسى سفينة ركاب تابعة للامارات العربية المتحدة من الرسو في ميناء الجزيرة، وكانت السفينة تقل حوالي 104 اشخاص كانوا في طريق عودتهم اليها لبدء عملهم بعد انقضاء اجازتهم الصيفية، كما قامت السلطات الايرانية بقطع مرساة السفينة والتهديد بإغراقها إذا لم تذعن للأمر بالابتعاد عن الجزيرة، كانت هذه هي النقطة التي افاضت كأس الصبر الذي كانت تتحلى به حكومة الامارات تجاه الاجراءات التي تقوم بها السلطات الايرانية في الجزيرة منذ مطلع الثمانينات، كما جاء في مذكرة رسمية لوزارة الخارجية الاماراتية هذه المذكرة التي احتوت ايضا على سرد لأهم الاجراءات التي قامت بها ايران في الجزيرة والتي اعتبرها البعض محاولة منها لضم كامل الجزيرة لسيادتها منها على سبيل المثال:

(1) قيام ايران بوضع انظمة للصواريخ في الجزء الذي تنص مذكرة التفاهم على انه يتبع امارة الشارقة.

(2) انشاء بلدية في ابو موسى تابعة لمحافظة »بندر عباس«.

(3) التعدي على الاراضي التي تقع خارج حدود جزء الجزيرة المخصص للوجود العسكري الايراني وذلك ببناء طرق ومطار ومنشآت مدنية وعسكرية واقامة مزارع.

(4) طرد 60 عاملا من الجزيرة في مارس 1992 وتخيير المعلمين والمقيمين من غير مواطني دولة الامارات بين حمل الهوية الايرانية او مغادرة الجزيرة نهائيا.

(5) اغلاق روضة اطفال الجزيرة وطرد التلاميذ ومدرسيهم.

(6) التدخل في الحياة اليومية لمواطني الامارات المقيمين في الجزيرة وذلك بمنعهم من اقامة مبان جديدة او ترميم المباني القائمة واغلاق المحال التجارية وعدم السماح بإعادة فتحها إلا بعد الحصول على ترخيص بذلك من السلطات الايرانية.

(7) الزام سكان الجزيرة بالقدوم اليها ومغادرتها عن طريق مركز ايراني.

الايرانيون يبررون تصرفاتهم في جزيرة »ابو موسى« بالادعاء بأن اتفاقية 1971 تخولهم المحافظة على الامن في كامل الجزيرة الامر الذي نفته سلطات الشارقة، كما ان الاتفاقية المذكورة والتي نشرنا نصها في الحلقة الاولى من هذه الرسالة، لا تتضمن اية اشارة الى مسؤولية ايران عن الامن في الجزيرة.

وقد قام صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الامارات العربية المتحدة بدعوة المجلس الاعلى للاتحاد المكون من حكام الامارات السبع، للانعقاد في ابريل 1992 لمناقشة التصرفات الايرانية في جزيرة ابو موسى واتخاذ الاجراءات لوضع حد لها، وقد اصدر المجلس الاعلى للاتحاد بيانا اكد فيه بأن »كل اتفاقية موقعة بين امارة من امارات الدولة واي من الدول الاخرى تعتبر اتفاقية اتحادية تلتزم بها الدولة«.  وتجدر الاشارة هنا الى ان دستور دولة الامارات العربية المتحدة يدعم ما جاء في بيان المجلس الاعلى للاتحاد، إذ تنص احدى مواده على ان الاتحاد يلتزم بالاتفاقيات التي عقدتها الامارات مع الدول الاخرى قبل قيام الدولة الاتحادية. ويتضح من مجريات الامور بأن الغرض الاساسي من البيان الذي اصدره المجلس الاعلى للاتحاد في دولة الامارات هو افهام ايران بشكل لا يقبل الغموض بأن الدولة الاتحادية مسؤولة وملتزمة بالدفاع عن امارة الشارقة وتمكينها من ممارسة مسؤولياتها في الجزء المخصص لها من جزيرة ابوموسى. وفي نهاية شهر مايو/ايار من السنة نفسها - 1992 - امر رئيس دولة الامارات وزير خارجيته بالتوجه الى طهران والتباحث مع المسؤولين الايرانيين بشأن الاجراءات التي اتخذوها ويتخذونها في الجزيرة، جاءت الاجراءات الايرانية في جزيرة ابو موسى بعد 21 عاما من الاستيلاء على الجزر الثلاث جاءت هذه الاجراءات لتعيد قضية الجزر الى الاضواء مجددا مع احتمالات التوتر في العلاقات بين الامارات العربية وايران، الامر الذي دفع قادة البلدين الى بذل المساعي الرامية لاحتواء الموضوع وقد تمخضت هذه المساعي عن لقاءات ثنائية في ابوظبي في الفترة من 27 - 28 سبتمبر 1992 بين وفد من دولة الامارات العربية المتحدة برئاسة السفير سيف سعيد بن ساعد الذي كان في ذلك الوقت مديرا لادارة شؤون مجلس التعاون ودول الخليج العربية بوزارة الخارجية والذي يشغل الآن منصب وكيل وزارة الخارجية بالنيابة، ووفد من جمهورية ايران الاسلامية برئاسة السفير مصطفى فوميني حائري مدير عام شؤون الخليج بوزارة الخارجية الايرانية. وقد انتهز الوفد الاماراتي هذه اللقاءات لطرح مطالبه على الجانب الايراني بالشكل التالي:

(1) انهاء الاحتلال العسكري لجزيرتي »طنب الكبرى وطنب الصغرى«.

(2) تأكيد التزام ايران بمذكرة التفاهم لعام 1971 بشأن جزيرة ابو موسى.

(3) عدم التدخل بأي طريقة وتحت اي ظروف وبأي مبرر في ممارسة دولة الامارات العربية المتحدة لولايتها الكاملة على الجزء المخصص لها في جزيرة ابو موسى بموجب مذكرة التفاهم.

(4) الغاء كافة التدابير والاجراءات التي وضعتها ايران على اجهزة الدولة في جزيرة »ابو موسى« وعلى مواطني الدولة وعلى المقيمين فيها من غير مواطني دولة الامارات العربية المتحدة.

(5) ايجاد اطار ملائم لحسم السيادة على جزيرة »ابو موسى« خلال فترة زمنية محددة.

اما بالنسبة للوفد الايراني فقد ابدى استعدادا لمناقشة موضوع التقيد باتفاق 1971 الخاص بجزيرة »ابو موسى« ولكنه رفض مناقشة موضوع انهاء الاحتلال العسكري لجزيرتي »طنب الكبرى وطنب الصغرى« مدعيا بأن هاتين الجزيرتين عادتا الى السيادة الايرانية »والى الابد« بعد انسحاب بريطانيا من المنطقة في ،1971 وامام الاصرار الايراني على رفض التفاوض على »الطنبين« وصلت المساعي المبذولة لحل هذه القضية الى طريق مسدود، الامر الذي دفع المسؤولين في الامارات العربية الى طرح موقف جديد ومحدد يتمثل في المطالبة بالذهاب الى محكمة العدل الدولية للبت في النزاع في حالة عدم التوصل الى حل يرضي الطرفين بطرق التفاوض. وقد عبر صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الامارات العربية المتحدة عن هذا الموقف بكلمات بسيطة معبرة، »إذا قدمنا براهيننا وقدموا براهينهم للتحكيم فهذا هو الذي سيقرر الصحيح والباطل منها، اقصد بذلك اللجوء الى محكمة العدل الدولية«، وقد ايدت جميع الدول العربية هذا الموقف كما ايدته معظم دول العالم حتى تلك التي يرتبط بعضها بروابط وثيقة مع ايران.

 

* كاتب وسفير اماراتي سابق