جريدة الاتحاد تاريخ 13/7/1997

 

بين الامبراطورية الشاهنشاهية والجمهورية الاسلامية (4)

الامارات وايران والجزر الثلاث

 

د. علي حميدان *

 

لقد حاولنا في الحلقة السابقة من هذه الدراسة اعطاء صورة سريعة للظروف السياسية التي كانت سائدة في الخليج عندما قامت ايران باحتلال الجزر الاماراتية الثلاث كانت الامبراطورية الايرانية في اوج قوتها بعد ان اعتمدتها الولايات المتحدة الامريكية كركيزة اساسية لحماية مصالحها في المنطقة وزودتها بكافة الاسلحة المتطورة التي جعلت من الجيش الايراني واحدا من اقوى الجيوش في منطقة الشرق الاوسط، وفي المقابل كانت الامارات العربية المتحدة تجابه تحديات وصعاباً كثيرة في سعيها لتركيز دعائم الدولة الاتحادية الفتية، الامر الذي ارغمها على الا تضع قضية الجزر في سلم اولوياتها السياسية، والاكتفاء كما قلنا، بالاستمرار في تأكيد سيادتها على هذه الجزر في المحافل الدولية وخاصة في وثائق الامم المتحدة وهو امر بالغ الاهمية من  الناحية القانونية المتعلقة بالخلافات على الحدود وتبعية الاقاليم.

في سنة 1979 انهارت ركائز الامبراطورية الشاهنشاهية امام ضربات الثورة الخمينية العارمة وفر الامبراطور محمد رضا بهلوي هائما على وجهه يبحث عن دولة يلجأ اليها، قد وجد ضالته لدى الرئيس المصري الراحل انور السادات الذي رحب به في مصر وأكرم ضيافته حتى وافته المنية بعد فترة وجيزة من الصراع مع السرطان والسؤال الذي كان يطرح نفسه في ذلك الوقت، بعد ان اصبحت الامبراطورية الموالية للغرب جمهورية اسلامية ترفع الشعارات المعادية للصهيونية والاستعمار ومناصرة »المستضعفين في الارض«، السؤال الذي كان يطرح نفسه حينذاك هو ماذا سيكون موقف قادة الجمهورية الاسلامية من قضية الجزر الاماراتية الثلاث التي احتلتها قوات الشاه الراحل بتواطؤ مع بعض الدول »الغربية الاستعمارية«؟. الامارات العربية المتحدة كانت تأمل بالطبع ان يقوم الايرانيون بالتخلص من هذا الجزء البغيض من الارث الذي تركه لهم الامبراطور الراحل، ولكن الامور لم تجر بالشكل الذي تمناه الاماراتيون، حرص المسؤولون الايرانيون الجدد في البداية على اطلاق تصريحات مطاطة وغير مفهومة بالنسبة لموضوع الجزر، منها على سبيل المثال تصريح ابو الحسن بني صدر، اول رئيس منتخب للجمهورية الاسلامية، في بيان اذاعه راديو الرياض بتاريخ 1 ابريل/نيسان ،1980 يقول فيه: »قضية الجزر ليست قضية ايرانية او عربية بل انها تمثل بالنسبة لإيران توحيدا شاملا للعالم الاسلامي وان كل جزء من الارض الاسلامية ملك لكل المسلمين وان ارض الاسلام ملك لله، ومن هذه التصريحات ايضا القول بأن »ايران تنظر دائما الى مسألة الجزر لا على انها قضية بين ايران والعرب، بل على انها قضية بين ايران والاستعمار البريطاني«، ولكن موقف الجمهورية الاسلامية من الجزر اخذ يتضح شيئا فشيئا ولم تمض سنة على قيام الثورة الايرانية حتى اتضح للجميع بأن موقف ايران الجديد من قضية الجزر لا يختلف في شيء عن موقف شاه ايران الراحل، ففي 26 مايو/ايار 1980 بعث وزير خارجية ايران، صادق قطب زادة حينذاك، برسالة الى الامين العام للامم المتحدة يؤكد فيها بأن »الجزر الثلاث، ابو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، كانت دائما جزءا لا يتجزأ من ايران وعندما سحبت بريطانيا قواتها من الخليج سنة 1971 استعادت ايران سيادتها على الجزر، فإيران إذاً لم تفعل سوى استرجاع سيادتها على جزء من اراضيها كانت تحت السيطرة الاجنبية. وهكذا نرى بأن ما قاله صادق قطب زادة في رسالته الى الامين العام للامم المتحدة لا يختلف في شيء عما كان يقوله وزراء خارجية الامبراطورية الشاهنشاهية بهذا الصدد، وقد سبق وان اشرنا الى بعض اقوالهم في حلقات سابقة من هذه الدراسة.

في 13 اكتوبر 1980 ادلى الرئيس الايراني السابق، ابو الحسن بني صدر، بحديث الى مجلة »نوفل ابوبسرفاتور« الفرنسية، ادعى فيه بأن شاه ايران دفع مبالغ من المال الى بعض شيوخ الامارات مقابل سكوتهم عن احتلال ايران للجزر، وقد بعث مندوب الامارات العربية المتحدة في الامم المتحدة، الشيخ فاهم سلطان القاسمي حينذاك، برسالة الى الامين العام للامم المتحدة يستنكر فيها تصريحات الرئيس الايراني السابق ويقول: »ونحن إذ نؤكد بشكل قاطع عدم صحة هذه الادعاءات نرى بأن مثل هذه التصريحات لن تؤدي إلا الى الاساءة الى سمعة حكومة الامارات العربية المتحدة وتعكر صفو العلاقات الاخوية بين الشعبين المسلمين العربي والايراني«.

إذا كانت الجمهورية الايرانية قد حذت حذو الشاه الراحل في التمسك بالجزر الاماراتية الثلاث، متسلحة بالحجج نفسها التي تسلح بها النظام الامبراطوري السابق، إذا كان الامر كذلك فما الذي طرأ على موقف دولة الامارات العربية المتحدة من هذا الموضوع، خاصة ان المعادلة الامريكية - الايرانية قد انقلبت رأسا على عقب، فبعد ان كان شاه ايران السابق هو الركيزة الاساسية لحماية المصالح الامريكية، اصبحت الجمهورية الاسلامية تشكل خطرا حقيقيا على هذه المصالح في المنطقة حيث اصبحت الولايات المتحدة الامريكية هي »الشيطان الاكبر« بالنسبة لنظام الحكم الجديد في ايران.

من اللافت للنظر حقا ان سياسة الامارات العربية المتحدة تجاه موضوع الجزر استمرت على ما كانت عليه حتى عام ،1993 اي الاكتفاء بتأكيد سيادتها على الجزر الثلاث في المحافل الدولية وخاصة في وثائق الامم المتحدة كما بينا في الحلقة السابقة، الرسميون الاماراتيون برروا الاستمرار في هذا الموقف بالشكل التالي، »مراعاة للظروف الاستثنائية التي كانت تمر بها المنطقة خلال العقد السابق والمتمثلة في الحرب العراقية - الايرانية وتداعياتها والاحتلال العراقي للكويت، وحرصنا على تجنب المنطقة للمزيد من التوتر وايمانا منها بالنهج السلمي لتسوية النزاعات بين الدول، فقد اتبعت دولة الامارات العربية المتحدة سياسة الصبر والانتظار الى حين زوال تلك الظروف. وكانت دولة الامارات العربية المتحدة تأمل بأن يحظى هذا الموقف بتقدير الجانب الايراني وان تبادر الى تصحيح الوضع الناجم عن احتلالها للجزر، إلا انه لم يبد من جانب الحكومة الايرانية اية مؤشرات تدل على تجاوبها في هذا الشأن، بل انها اقدمت على المزيد من الاجراءات المخالفة لمذكرة التفاهم المبرمة 1971 حول جزيرة ابو موسى« جاء ذلك في مذكرة رسمية لوزارة خارجية الامارات وزعت على السفارات المعتمدة في ابوظبي بعد ان قامت ايران بعدة اجراءات ابتداء من اغسطس ،1992 تهدف في ما يبدو الى ضم جزيرة »ابو موسى«، بالكامل للسيادة الايرانية وتجاهل اتفاق 1971 التي تم التوصل اليه بين الشارقة وايران برعاية بريطانية.

 

* كاتب وسفير اماراتي سابق